الإنسان يتعثر بالنجاح

الخميس 22 أغسطس 2019 07:59 م بتوقيت القدس المحتلة

الإنسان يتعثر بالنجاح

بقلم الناشط الأردني: هاشم العالم

في عام 1928 عاد أستاذ جامعي في علم الجراثيم إلى مُختبره بعد عطلة طويلة قضاها في الخارج ليجد أنّ أحد أطباقه الخاصة والتي ملأها بنموّات بكتيرية قد أصبحت مليئة بنوع غريب من العفن، حاول الأستاذ مُتذمرًا أن ينقذ بعض مُستعمرات البكتريا ويعزلها قبل أن يُلقي الطبق في القمامة ولكنه لاحظ مُستغربًا أنّ المناطق التي ينتشر بها العفن الغريب لا تنمو حولها أيّ بكتيريا على الرغم من وجودها مُسبقًا، وكانت هذه الصدفة المحض سبب تحول هذا الأستاذ الى "سوبرمان" في علم الصيدلة وإنقاذه الملايين من الموت، كان هذا الأستاذ هو "ألكسندر فيلمينغ" مكتشف عقار البنسلين والمسؤول عن وجود المُضادات الحيوية في عصرنا الحالي.

وفي ذات السياق، فإن المهندس "بيرس سبنسر" الذي كان يبحث منهمكًا في أمور خاصة بالرادار في عام 1945، اكتشف أثناء العمل في مختبره أن قالب الشوكولاتة الذي وضعه في جيبه ليأكله أثناء الاستراحة قد ذاب وتحول الى معجون طري بالرغم من حرارة الغرفة الباردة نسبيًا. الصدفة البحتة ألهمت المهندس الشاب ليبدأ في تجربة أثر الأشعة على الأطعمة مرة أخرى، فبدأ بالبحث مُستخدمًا كيسًا من الذرة ووضعه بجانب صمام الكتروني فانفجرت حبات الذرة، وكرر التجربة في اليوم التالي باستخدام اللحوم والبيض ومواد أخرى مُعرضًا إياها للإشعاع، ونجحت فكرة تسخين وإنضاج الطعام باستخدام الأشعة، وحصل ذلك المهندس الشاب على براءة اختراع لأول مايكروويف في العالم، وما هي إلا ثمان سنوات حتى أصبح المنتج متوافرًا بالسوق عام 1953 وما زال مُستخدمًا الى يومنا هذا.

يبدو أن ما نرمي إليه هُنا يبدو واضحًا، ولكن كي يكون الطرح حياديًا، صحيح أنه لطالما كان للحظ والصدفة دور أساسي في وصول الإنسان الى النجاح، ولكن هل ينفي هذا سلسلة الجهود المبذولة في الطريق؟ هل النجاح كان ولا زال يرتبط في معظم أحيانه بالصدفة البحتة؟ هل يتعثر الإنسان بالنجاح حقًا؟

عليك أن تكون مُستعدًا، فإن الإلهام يأتي في لحظة واحدة في الحياة، إما أن تمتطي جوادها أو أن تتركك خالي الوفاض

يتشعب النقاش في هذا الموضوع، فالعديد من النظريات العلمية المعروفة تتطور بالحظ أو الصدفة في مرحلة معينة بعد مرات ومرات من البحث، فمثلًا في علم الموائع أدرك أرخميدس مبدأه المشهور المُسمى بـ "مبدأ أرخميدس" عندما دخل إلى حوض استحمام ممتلئ بالماء وفاض الماء منه على الجوانب، وفي هذه اللحظة المميزة والمسماة بلحظة الإلهام صرخ حينها أرخميدس بكلمته الشهيرة "وجدتها" وهو يقف عاريًا في وسط حوض الاستحمام، ومن هناك انبثق مبدأ أرخميدس.  ذات الشائعة تحوم حول نيوتن وقصة سقوط التفاحة – المشكوك في صحتها - فوق رأسه، وكيف أن حدثًا عاديًا لطالما شاهده الملايين يحدث كان لحظة إلهام لأحدهم، قلب بعدها الفيزياء الحديثة رأسًا على عقب واكتشف الجاذبية.

ولم تكن الصدفة مُنتجة الاختراع والابتكار في الوسط العلمي فقط، بل ذهبت الى ما هو أبعد من ذلك، فمثلاً عندما ننظر الى أواني المطبخ المنزلية المصنوعة من التيفال فإننا لا نعلم أن التيفال أيضا وليد الصدفة. فعندما كان الكيميائي "روي بونكيت" يجري تجارب بحثًا عن غاز جديد للتبريد قام بتخزين منتجه من الغاز في علب زُجاجية لمنعه من الانفجار وعندما قام بفتح العلبة لإخراج الغاز كانت المفاجأة أن الغاز تحول الى مادة صلبة غلفت جدران العلبة، وهذه الطبقة المتكونة لم تؤثر فيها الكيماويات مُطلقًا، فكانت نواة ثورة التيفال الذي استخدم في كثير من الأشياء حتي أيامنا هذه منذ عام 1945.

وتتعدد مُكتَشفات الصدفة في هذا العالم بدءًا من أصغر الأِشياء كأعواد الثقاب مثلاً، مرورًا بأكبر وأهم الأمور كالمخدر المُستخدم في العمليات الجراحية وانتهاءً بأكبر النظريات العملية والفيزيائية الحديثة، وهذا إن دلّ على شيء فهو لا يدل مُطلقًا على أن العلم يقوم على الصدفة فهناك العديد ممن سهروا الليالي وحاولوا مرة تلو الأخرى لكي يصلوا الى نتيجة ما، وبعضهم ذهبت جهودهم أدراج الرياح دون أن تُخرج مُنتجا علميًا أو نظريًا مُعينًا.

ولكن الشاهد في القضية هو أن كُل ما سبق مبني على أساس واحد، هو الاستعداد الفطري أو النفسي أو حتى الذهني للإلهام، الإلهام اللازم لإنتاج اختراع، اكتشاف، منتج علمي، دواء، لوحة فنية جميلة، رواية تُبهر العالم لشدة اتقانها، فيلم سينمائي عظيم، أو غيرهم. لذلك: عليك أن تكون مُستعدًا، فإن الإلهام يأتي في لحظة واحدة في الحياة، إما أن تمتطي جوادها أو أن تتركك خالي الوفاض.