اقتصاد القلق.. لمَ لا يستثمر الكادحون؟

الخميس 29 أغسطس 2019 05:49 م بتوقيت القدس المحتلة

اقتصاد القلق.. لمَ لا يستثمر الكادحون؟

بقلم المدون: يوسف جميل القرشي

قبل فترة سنحت لي ولصديق لي فرصة استثمار جيدة، رأيت في تلك الفرصة باباً للخروج من أروقة الوظائف لكنها في نفس الوقت تحتاج أكثر من خمس سنوات لتبدأ بالإنتاج فضلاً عن حاجتها لرأس المال الذي لا يتوفر عادة في يدي فوضعت الفكرة على رف النسيان المؤقت الذي يتحول غالبا إلى الأرشيف خلال أسبوع. بعد فترة رأيت ذلك الصديق وقد بدأ بالمشروع فعلاً وأمضى فيه حتى الآن عاماً كاملاً أو ما ينوف عن عام، دفعني هذا إلى سؤاله عن جدوى مشروع كهذا وكيف استطاع أن "يدبر" رأس المال لمشروع كهذا..

دعوني أرجع ثلاثين خطوة إلى الوراء لأعطيكم خلفية بسيطة عني وعن صديقي هذا، كبرت أنا في حي من أحياء العاصمة الأردنية عمان، والدي يعمل في أعمال مختلفة وهو أحد عشرة أبناء لجدي الفلاح ثم العسكري القادم من شمال الريف الأردني، جيل والدي هو الجيل الذي حاول في سبيعينات القرن الماضي وثمانيناته أن يخرج من خط أعمال الفلاحين أو الوظيفة ويغير حياته من خلال دخول التجارة وفتح المحلات، فنجح بعضهم وأخفق الكثيرون، هذا الإخفاق قاد جيل أواخر الثمانينات والتسعينيات لأن يعيش في أزمات اقتصادية مستمرة، كان السبب الأول لها قفزة قام بها أبناء هذا الجيل من الوظيفة الرسمية والاستقرار الكادح الفقير الذي يميز حياة الفلاحين عموماً، إلى حياة رجال أعمال العاصمة التي تتميز بالتوتر والدخل العالي، فسقط المعظم في منتصف القفزة ووقعوا في وادي من السخط الاجتماعي والتجارب الفاشلة.

اقتصاد القلق ينطبق أيضاً على الحكومات والدول، الدول التي تنشأ فقيرة تحاول قدر الإمكان أن تحصل السريع الحالي، دون تخطيط بعيد المدى لأنها لا تؤمن بالمستقبل، تؤمن بعيش اللحظة فقط

صديقي على الطرف الآخر، ابن لتاجر لمهندس تركي مهم، تقلد مناصب كثيرة، وقاد مشروعات أكثر، وهو أيضاً ابن لتاجر من تركمان العراق، لكن تمهلوا قليلاً فالمقال لن يتحدث عن تجربة رجل أخذ مالاً من أبيه. نرجع إلى سؤال رأس المال والمشروع أعلاه؛ سألت صديقي ذاك عن المال وأنا أعرف أنه ليس من النوع الذي قد يأخذ مالاً من أبيه لمشروع أو فسحة، فقال لي بكل بساطة أنه استدان المال من أحدهم وهو يقوم بسداده شهرياً، فاستغربت من ذلك وسألته عن سبب دفعه لمثل هذا المبلغ شهرياً -ونحن في نفس الوظيفة تقريبا- وهو يعرف أن المشروع لن يبدأ بجني المال -إن جنى- إلا بعد سنوات خمس، فأخبرني عن خطته التي يسعى لها ففتح علي بابا من السايكولوجيا والسوسيولجيا ولربما شيئا من الانثرولوجيا.

أخبرني هذا الصديق أنه يخطط لترك الوظيفة خلال سنوات عشرة، وهو منذ بدأ بالوظيفة يجد مشاريع مختلفة ويضغط نفسه ليشترك فيها ويضع له أسهما هنا وأسهما هناك ويبدأ مشروعات طويلة الأمد ليصل وعمره 35 عاما وقد استطاع أن يتخلى أن الوظيفة. هذه العقلية التي يفكر بها الصديق تحتاج إلى بيئة مستقرة لتنبت فيها، بمعنى أن هذا الرجل عاش حياته وهو مطمئن للمستقبل، وهو واثق بأثر الزمان القادم على "استثماراته" دون أن يكون لحوادث الزمان ذلك الأثر الكبير على تفكيره، وهذا لا ينتج إلا في بيئة واثقة في التعامل مع المال، وهذا لا يتحصل دون وجود المال ودورانه بشكل سلس بين الأيدي أمام عينيه، مما جعله يفهم دورة المال، وهذا يعني أيضاً أن حياته لم يكن فيها بحمدالله سعي لتحصيل أساسيات الحياة، ولا خطر على بقائها، لا يوما أو أسبوعاً دون طعام، ولا حاجة للغياب عن الجامعة لأن أجرة الباص لم تتوفر لديه.

بالمقابل؛ فالعقلية الأخرى تدور حول تحصيل الممكن، حول ما يمكن أن يحدث، حول مونة الأسبوع، وقسط الثلاجة، والرغبة في شراء الحاجات الأساسية. فلو توفر معي مبلغ ما فهو دفعة لسيارة، أو غرفة جلوس، والحديث عن الاستثمار ضرب من السفسطة، حتى لو توازت ظروفي مع ظروف الصديق أعلاه، لأنني لا أثق في المستقبل، لأنني أحاول دائما أن أنفق ما معي من مال على الحاجات الأساسية حتى لو بكميات أكبر، فلتبقى الثلاجة مليئة لأني أخاف أن تبدو فارغة فأبدو فقيرا، وأخاف أن يظهر كسر في السرير لأنه بداية انهيار البيت، وأخاف ألا أدفع فاتورة الكهرباء لأن الكهرباء قطعت في بيتنا كثيراً، وهذا القطع سيكون بداية النهاية، وأريد أن أشتري بيتا حتى لا يطردني صاحب المنزل في الليل.

ألخص هذا كله بكلمة "القلق"؛ القلق هو ما يحكم سلوكنا الاقتصادي والاجتماعي، لا نريد أن ندخل في "وجع الرأس" وشكوكنا تسيطر على كل مشروع ذي أمد طويل لأننا لسنا واثقين أننا سنصل إلى ذلك المدى، ولم نرى مالاً يذهب ويعود، المال يذهب فقط. هذا ربما قد يفسر لنا لماذا يقع الفقراء وأبناء الطبقة المتوسطة الدنيا فقط في شباك ما يعرف "بالتسويق الشبكي" بأشكاله المتعددة والمتكررة إنها فكرة الربح السريع، سوف تربح الآن، لن تحتاج الانتظار. اقتصاد القلق هذا ينطبق أيضاً على الحكومات والدول، الدول التي تنشأ فقيرة تحاول قدر الإمكان أن تحصل السريع الحالي، دون تخطيط بعيد المدى لأنها لا تؤمن بالمستقبل، تؤمن بعيش اللحظة فقط. هل هذا يعني أن فلان أحسن من علان لأنه نشأ في عائلة مقتدرة؟! طبعا لا، لكن فلان نشأ في بية مستقرة رزقته تعاملاً مستقراً من دورة المال، وعلان عاش وهو يرى المال يطير فوق رأسه فلا يهبط، فلو هبط طير عنده انشغل باللعب معه طوال حياته.