أن نتدرب على اللامبالاة!

الأحد 01 سبتمبر 2019 02:08 م بتوقيت القدس المحتلة

أن نتدرب على اللامبالاة!

بقلم المدون: لحبيب آيت أ صالح

من الجميل أن يشعر المرء بحريته على أكمل وجه، والأجمل أن يمارسها على نطاق ممكن، دون إيذاء الاخرين، ودون الشعور بأنه مقيد وخاضع لهم، هكذا يبدو الأمر جميلا، لكن واقع الحال يضعنا أمام ما يتنافى مع ذلك تماما، فنحن نعيش وسط مجتمع لا يؤمن بالحرية أساسا، أما ممارسة الحرية فذلك ليس له أي معنى، ليس لأن هذا الأمر صعب للغاية، بل لأن مجتمعنا اعتاد على ما هو عليه، اعتاد على تقييد الحريات على نحو واسع، إلى درجة يصعب معها الحديث عن الفرد كذات حرة ومستقلة، إذ ليس يسيرا أن تستمتع بحريتك دون أن تأخذ المجتمع بعين الاعتبار، ومهما حاولت ذلك، ستجد أن ذلك بلا طائلة، وهنا تكمن غرابة الأمر، فقد تدّعي أنك غير مكترث للآخرين، لكن ما أصعب أن يكون ذلك حقيقة على مستوى السلوك، أنت دائما مضطر للاستفاقة من لامبالاتك، لأنك كبرت في بيئة تعيد إنتاج نفسها بطريقة تضع دائما هذا المجتمع بعين الاعتبار، فيضطر الأفراد إلى حمل همّ هذا المجتمع بطريقة بشعة، وهم يدركون أن ذلك لا يليق بحرياتهم، فيكتفون بمحاولة التحرر من سلطة المجتمع عن طريق مبالاة مصطنعة، ما تنفك تعيدهم إلى صوابهم ولو بعد حين.

تصبح اللامبالاة خيارا جميلا وسط مجتمع كهذا الذي يحتوينا، لكن صعوبة ممارسة هذه اللامبالاة تجعل الأمر صعب المنال، خصوصا بالنسبة لمن تربى في بيئة تأخذ المجتمع على محمل الاهتمام. تتراكم بداخلنا مجموعة من السلوكات، نفتعل بتحرر أننا تخلصنا منها، لكننا ما ننفك نستسلم لتياراتها كلما اشتدت بنا حرارة التحرر، فلا نكاد نقطف بعضا من ثمار حريتنا، حتى نغوص مجددا في تلك التراكمات، والتي تذكرنا بشكل مرير أننا ننتمي إلى بيئة لا تنفع معها اللامبالاة، بل إن التخلص من هذه البيئة يستدعي الكثير من التدريب على ممارسة سلوك اللامبالاة بشكل كثيف، قد يتطلب ذلك الكثير من الوقت والوعي، لكن الأمر يستحق، ذلك أنه من الجميل أن يعيش المرء بعيدا عما ينتجه المجتمع من سلوكات سلبية، تلك التي لا تشجع على الحرية، ولا على الإيمان بالأفراد كذوات مستقلة.

لم يكن يسيرا أن لا نبالي بينما نحن كبرنا وتربينا في بيئة تدفعنا مرارا أن نهتم لآراء ونظرات الناس، كما تربينا أن نمارس ما يناسب تطلعاتهم، وأن نظهر بالشكل الملائم لعقلية المجتمع

من الواضح أن هذا الأمر له علاقة بالدين، لأننا نعيش في مجتمع ديني لا ينفك ينسب نفسه إلى ذلك، لكن ما ينطوي عليه هذا الأمر يؤثر كثيرا على الأفراد كذوات مستقلة، فالأفراد لا يشعرون بأنهم أحرار في النهاية، في الغالب هم مدينون بشيء لشيء ما، وقد يكون المجتمع هو هذا الشيء، فهم مدينون بالخضوع والانتماء والتقيد بما يحدده المجتمع، كما أنهم مدينون بالدين الذي يعتقده المجتمع، وبما أن الأمر يسير هكذا، كان من المستبعد أن يمارس الأفراد حياتهم دون مبالاة بما يفرضه المجتمع، إنهم يحتاطون من المجتمع، ويتهربون منه ما أمكن، يمارسون الاختباء، لكي يتذوقوا بعضا من الحرية، لكن كل ذلك يؤكد على أنه لا معنى لهذه الحرية، ما دمنا نضع دائما نظرات الآخرين نصب أعيننا، كيف لا تبالي، وأنت مجبر على تنفيذ ما يحدده المجتمع، كيف لا؟ وأنت تصطنع فقط أنك لا تبالي، بينما الأساس ينطوي على حدة انغماسك في مجتمع لا تملك حياله إلا أن تبالي.

الحرية أبعد من أن نعترف بها بشكل مطلق وسط هذا المجتمع، لأن ما نظنه بمثابة حرية لنا، هو في الحقيقة بمثابة قيود نضع أنفسنا داخلها، حتى لا ننتهك قانون الجماعة، نضطر أن ندّعي كامل حريتنا، ونحاول أن نظهر كذلك، لكن ما نخبئه بداخلنا يتجاوز ما يسكننا تجاه المكانة التي تربينا أن نضع فيها هذا المجتمع، والذي ومن كثرة ما نندب حظنا فيه، بات جزء من طبيعتنا أن نتقبل بكل خضوع أننا ننتمي إليه رغم كل الرفض الذي نكنه له، وبقدر ما نرفضه، نجد أنفسنا متورطين فيه بكل اهتمام، فأينما حللنا، ما ننفك نمارس بعضا من اللامبالاة، وبقدر ما نفتعلها، بقدر ما نبالي بكل ما يحيط بنا، حتى نظهر على الشكل الذي يساير ما نفتعله، وكل ذلك ليس سوى تمثيلية نحاول أن نتقنها، لكننا سرعان ما نعود إلى ما بات مترسخا فينا بكل سوء، نعود لكي نبالي بما قررنا مسبقا أن لا نبالي به، لأن الأمر بات مترسخا فينا أكثر مما كنا نرفض.

تبدو ممارسة اللامبالاة وسط مجتمع منغمس في المبالاة، كمن يُخرج نفسه من صحراء قاحلة، وأن تصير اللامبالاة بمثابة سلوك نلتزم به في حياتنا بكل ما تحمل هذه الكلمة من تجاهل وعدم اكتراث -بما قد ننتظره من الاخرين- فذلك بقدر ما هو صعب للغاية، بقدر ما سيدفعنا لكي نستمتع بحريتنا أكثر، وسيجعلنا ننتصر لذواتنا، على حساب تلك الذات التي طالما يجبرنا المجتمع على أن نكونها ونلتزم بها، ما أجمل أن تكون اللامبالاة بمثابة قناعة نمارسها في حياتنا مع الآخرين! أولئك الذين ينغمسون في تفاصيلنا، ويكترثون لظروفنا بشكل سلبي، أولئك الذين لا يتصرفون وفق ما يريدون، بل يتصرفون وفق ما حدده المجتمع، يأخذون هذا المجتمع على محمل الاهتمام، فلا يعطون لأنفسهم فرصة ممارسة الحرية بناء على ما يسكن الذات العاقلة من رغبات، إنهم ينتمون لمجتمع تمكن من جعلهم ينفذون قوانينه بدون وعي منهم.

هكذا تصير اللامبالاة بمثابة حلم يستعصي على التحقق في مجتمع أنهكه التدخل في خصوصيات الاخرين، فلم يكن يسيرا أن لا نبالي بينما نحن كبرنا وتربينا في بيئة تدفعنا مرارا أن نهتم لآراء ونظرات الناس، كما تربينا أن نمارس ما يناسب تطلعاتهم، وأن نظهر بالشكل الملائم لعقلية المجتمع، نرغب فعلا في ممارسة اللامبالاة، لكن الأمر أصعب من أن يصير جزءا من سلوكنا، نحن في النهاية وبكل وضوح نُظهر لامبالاتنا، وتجاهلنا، وعدم اكتراثنا، لكن، بقدر ما نفعل ذلك، بقدر ما نغوص في الاكتراث والمبالاة بالمجتمع، لأن الأصل في هذا السلوك هو أن نمارسه كقاعدة طبيعية، لا تحتاج إلى تصنع وتمثيل، وهي بمثابة سلوك كان سيكون أجمل لو تربينا عليه منذ الطفولة، أما الآن، بات مستعصيا على الممارسة نظرا لما رسخه بداخلنا من تراكمات.