فرق تسد.. كيف حطمت الأطماع الإماراتية ثورات الربيع العربي؟!

الأحد 01 سبتمبر 2019 02:12 م بتوقيت القدس المحتلة

فرق تسد.. كيف حطمت الأطماع الإماراتية ثورات الربيع العربي؟!

بقلم الباحث والكاتب السوداني: محمد عبد الجبار حسن

لم يكن الإسكندر الثالث المقدوني الملقب بالإسكندر الأكبر هو الوحيد الذي طبق نظرية مستشارهِ وقتها الفيلسوف الشهير أرسطو سياسة فرق تسد عندما أراد غزو بلاد الفرس والرافدين، فالنظرية إن كانت تعود إلى عام 334 قبل الميلاد فهي لا تزال قائمة إلى يومنا هذا، أما نيكولا ميكافيلي فيقول ناصحاً لمن أراد أن يصبح حاكماً وحيداً متفرداً لا تجعل القوم متحدين وأحدث الاختلاف والنزاع والبغضاء بين أبناء الشعب وبهذا تكون سيداً عليهم.

فهذه النظريات ظلت الركيزة الأساسية والمدخل لأي احتلال أو تدخل في شؤون الغير، فالحرب العالمية حُسمت بتلك النظرية فلم تكن بريطانيا مملكة لم تغب الشمس عنها إلا عندما قسمت الشرق الأوسط باتفاقية سايكس بيكو، فهذه الاتفاقية كانت نموذجاً لسياسية فرق تسد وكذلك قانون المناطق المقفولة في السودان والذي أدى بدوره إلى انفصال السودان إلى قسمين.

فالنظرية إلى يومنا هذا يتسابق أصحاب المصالح العسكرية والاقتصادية والسياسية إلى تطبيقها، فقبل أسبوع طبقت الإمارات العربية المتحدة تلك النظرية في اليمن الجريح، فبعد سنين من القتال والدمار والتشريد ودعم مجموعات على حساب أخرى متسترة تحت غطاء دعم الشرعية في اليمن أفصحت الإمارات عن وجهها الحقيقي خلف تلك المشاركة مع شقيقتها الكبرى السعودية والتي تبين أن الغرض منها هو السيطرة العسكرية على مناطق استراتيجية في اليمن وذلك عن طريق دعمها المتواصل للمجلس الانتقالي الجنوبي الانفصالي والذي بدوره قاد انقلابا ضد الشرعية اليمنية المتمثلة في حكومة عبده منصور هادي والتي تتخذ من قصر معاشيق بعدن مقرا لها، فالسيد أحمد المسيري وزير الداخلية في الحكومة الشرعية قد انتقد بشدة صمت السعودية والرئيس هادي على ما جرى في عدن مشيراً إلى أن أكثر من 400 عربة تابعة للإمارات جالت في شوارع عدن وكانت محملة بالذخائر والأسلحة مما أدى إلى ذبح الشرعية من الوريد إلى الوريد من قبل شريكهم في التحالف وذلك حسب وصفه.

حرب المياه والموانئ والنفط لم تجعل بلداً مستقراً، فأصبحت تلك الدول محل صراع وتنافس من أجل السيطرة عليها من قبل الدول ذات النفوذ العسكري والاقتصادي، فالإمارات سيطرت على موانئ عدن عندما طلبتها من الرئيس السابق علي عبدالله صالح عام 2008م والذي بدوره سلمها لهم لمدة مائة عام كاملة، ولكن بعد اندلاع الثورة اليمنية وإسقاط صالح قرر مجلس إدارة مؤسسة خليج عدن إلغاء الاتفاقية والتي وصفتها بالمجحفة بحق اليمن، لذلك سعت الإمارات إلى السيطرة مرة أخرى على موانئ عدن فاتخذت غطاء دعم الشرعية مدخلا لإعادة سيطرتها على عدن وها هي الآن تبلغ هدفها بعد انقلابها على الحكومة الشرعية في اليمن.

لكن المثير للدهشة هو صمت الحليف المُبادر والجار القريب والمتضرر الأكبر من تلك الحرب المملكة العربية السعودية عن هذا الانقلاب، ولكن القريب من الشأن اليمني يعلم بأن السباق بين الحليفين على السيطرة على المناطق الاستراتيجية في اليمن مُهتز وقديم وأقرب إلى اقتسام الكيكة بينهما، فسيطرة الإمارات على باب المندب وجزيرة المخا وجزيرة سقطرى التي تتمتع بموقع أثري وسياحي حيث أنشأت الإمارات فيها مناطق عسكرية، بالمقابل سيطرت السعودية على محافظة المهرة القريبة من عمان والتي يوجد بها أكثر من 2500 جندي سعودي. 

وفي عام 2018م أستقبل سفير السعودية باليمن الرئيس اليمني عبده منصور هادي بعد عودته من عمان، مما يعني بأن السعودية فرضت سيطرتها بالكامل على المحافظة. بعض التسريبات أكدت بأن السعودية بدأت فعلياً في بناء خط أنابيب يسمح لها بنقل النفط مباشرة على بحر العرب متجاوزة بذلك مضيق باب المندب الذي أوقفت مرور نفطها عبره ومضيق هرمز حيث الصراع الدائم الخاسر مع إيران، فهذا الممر النفطي يقدم ميزة استراتيجية كبيرة للسعودية وهو عدم التقيد بمضيق باب المندب ومضيق هرمز وربما تصبح صفقة القرن السعودية.

فمنذ فترة من الزمن عملت الإمارات على وضع يديها على مواقع استراتيجية في دول القرن الإفريقي "الصومال وجيبوتي واثيوبيا" واختارت أن يكون التدخل عن طريق شركة موانئ دبي، وظهر ذلك جلياً في تدخلها في جيبوتي التي تمثل المركز الرئيسي بشرق إفريقيا ورابع أفضل دولة إفريقية طورت قدراتها على ربط العالم شرقاً وغرباً، برغم من أنها أصغر دول القرن مساحة ويستقبل ميناءها 850 ألف حاوية سنوياً وفقاً لإحصاءات البنك الدولي والذي يعتبر موانئ جيبوتي من الموانئ الأكثر تطورا في العالم.

وبعد رفض الإمارات متمثلة في شركة موانئ دبي قيام جيبوتي بتوسيع أو إنشاء موانئ جديدة على الساحل قامت الأخيرة بفسخ العقد المبرم بينهما عام 2006م حول ميناء دوراليه، وبعد ذلك اتجهت الإمارات إلى إريتريا عام 2015م ووقعت عقد بموجبه يتم استخدام ميناء ومطار عصب على البحر الأحمر لمدة 30 عاماً وتحول الميناء إلى ثكنة عسكرية إماراتية تنطلق منها طائراتها العسكرية نحو اليمن.

كذلك اتجهت الإمارات إلى الصومال ذلك البلد الذي يتمتع بأطول ساحل في إفريقيا ويطل على المحيط الهندي وخليج عدن ويبلغ طوله 3 الآلف كيلومتر، وبها أربعة موانئ رئيسية فاستحوذت الإمارات على اثنان منهما بعقد مشبوه وقعته مع حكومة إقليم أرض الصومال الانفصالي دون الرجوع إلى الحكومة الفدرالية في مقديشو والتي بدورها وصفت العقد بأنه عقد من الباب الخلفي، وكان ذلك نتاج سباق بين تركيا وقطر من جهة والإمارات من جهة أخرى. في عام 2014م سيطرت تركيا على ميناء مقديشو وأنشأت به أكبر قاعدة عسكرية خارج حدودها، كذلك سيطرت عام 2017م قطر على ميناء هوبيو في منطقة مدغن وسط الصومال. علماً بأن موانئ تملك 78 ميناء ومحطة بحرية تتوزع على نحو 40 دولة وبعد كل ذلك ظلت عاجزة عن حماية الملاحة في مياه الإقليمية فقبل فترة طالت أعمال تخريب 4 سفن وناقلات نفط في شرق إمارة الفجيرة.

ومما سبق يتضح لنا الهدف الرئيسي من مشاركة الإمارات في تحالف دعم الشرعية، بأن اليمن يمثل أملها الوحيد لتحقيق سيطرتها المطلقة على باب المندب والبحر الأحمر وخليج عدن ،وإذا ربطنا تصريحات القائد الثاني في المجلس الانتقالي الانفصالي في اليمن هاني بن بريك ودعمهُ لحفتر ضد دولة قطر وتركيا واستعداده للقتال معه حسب وصفه، فالسؤال في جوهره يبدو شائكا ولكن في طيٌاته يُبين القاسم المشترك بينهما أي بريك وحفتر وهو الدعم الإماراتي المُقدم للطرفين، وهو دعمُ لامحدود لرجلها في ليبيا، فالإمارات والسعودية ومصر دعمت حفتر منذ سيطرة الإسلاميين على الثورة الليبية من أجل إسقاط تلك الحكومة التوافقية المنتخبة والمعترف بها دولياً، فسياسة هؤلاء قائمة على إسقاط جميع التيارات الإسلامية في المنطقة والحكومات المنتخبة وليس انقلاب السيسي الذي خلف قرابة الثلاثة ألف شهيد في ميدان رابعة العدوية وميدان النهضة ببعيد عن ذلك.

فظلت الإمارات هي الداعم الأكبر لحفتر فلها أهداف كبرى تتمثل في سيطرتها على منطقة الهلال النفطي والموانئ في شرق ليبيا، وكشف رئيس المؤسسة الوطنية الليبية للنفط مصطفى صنع الله بأن حفتر وحكومة شرق ليبيا غير الشرعية الموازية لحكومة طرابلس وقعت عقود مع شركات وهمية يتم بموجبها بيع النفط الليبي بسعر أقل بكثير من سعره العالمي، مضيفاً بأن مقر تلك الشركات موجود في الامارات ومصر، وفي عام 2018م أراد حفتر السيطرة على مواقع النفط والموانئ والتحكم فيها وذلك من أجل بيع النفط لتلك الشركات كي يجني عائد الأموال في دعم قواته العسكرية إلا أنه واجه هجمة شرسة دولية تحذره من ذلك المسلك خاصة من قبل إدارة ترمب.

فالإمارات حاضرة في الحياة السياسية لجميع البلدان التي تمر بأزمات في المنطقة، فالثورة التونسية لم تنجُ من تدخل الإمارات، فتونس التي هي الآن على سباق انتخابي جديد على رئاسة جمهوريتها خلفا لرئيسها المتوفي السبسي ستكون مسرحاً خصباً لتدخلات إقليمية ودولية ممثلة في الإمارات وشركائها فالإمارات التي عجزت عن تحقيق أهدافها في تونس منذ 2011م وذلك برغم تدخلها المستمر ودعمها اللامحدود للتيارات المناهضة لحركة النهضة الحزب الأول في البلاد والذي لازال يمثل حجرة عثرة أمام أمراء أبوظبي الذين يعلمون أن إقصاء النهضة الإسلامية يعني تحول الإمارات العربية فعلا إلى إسبراطة الصغيرة كما وصفها الجنرال الأمريكي جون ماتيس فتونس تمثل الإلهام والنموذج المتقدم للثورات وذلك مما أنتجته الثورة من ممارسات ديمقراطية حقيقة وبناء مؤسسات الدولة المتقدمة التي تحصد ثمارها الآن الثورة.

والجارة الجزائر أيضاَ لم تسلم من تدخل الإمارات، فقد رفع المتظاهرون لافتات كتب عليها تسقط الإمارات يسقط بوتفليقة يسقط أحمد قائد صالح وذلك رداً على لقاء جمع حاكم إمارة دبي نائب رئيس الإمارات راشد آل مكتوم برئيس هيئة الأركان المشتركة في الجيش الجزائري أحمد قائد صالح الرجل الأقوى في الجزائر والمسيطر الآن بعد تنحي بوتفليقة، وفي عام 2009م تولت موانئ دبي العالمية إدارة ميناء الجزائر الميناء الأكبر في الجزائر بالإضافة إلى سعيها المتواصل في السيطرة على جميع موانئ التسعة المطلة على البحر الأبيض المتوسط فيها.

وإذا اتجهنا شمال شرق القارة الإفريقية السودان الدولة الأكثر تأثيرا في منطقة القرن، فنجد بأن الإمارات تدخلت بشكل سافر في الثورة السودانية عن طريق دعمها المادي للنشطاء والسياسيين المعارضين لنظام الإنقاذ واستضافة كثيرا منهم في أبو ظبي، وهذه الجزئية أفردتُ لها مقال كاملا سينشر لاحقاً بعنوان الثورة السودانية هل تنجوا من الأطماع الإمارتية؟ وملخص ذلك المقال هو أن الإمارات لها أكبر مهدد للثورة وهو قائد مليشيات الدعم السريع والتي تمده بمعدات وأليات عسكرية ضخمة، ومعاونه طه عثمان الحسين مستشار الأمير محمد بن سلمان أحد عنصري الشر في المنطقة.