"الصورة لا تكذب"

الثلاثاء 03 سبتمبر 2019 05:55 م بتوقيت القدس المحتلة

عُدّت رؤية الوقائع رأيَ العين أكثر مصداقية من السّماع بها عبر وسطاء، وقيل في الأمثال: "ليس مَن رأى كمن سَمِع" أو "ليس الخبر كالعيان". على هذا الأساس، تقريباً، اكتسبت الصورة مصداقيّتها من منحى الإحساس بالاقتراب ومن افتراض أنها تنقل الواقع بحذافيره أو أنها تمنح الجمهور إطلالة مرئيّة عليه، فالمرء يرى مع الصورة بعينيه ولا يكتفي بما دون ذلك، أو هكذا يُحسَب. وإن انحصرت الرؤية قبل زمن التصوير بالمُعاينة المباشرة، باستثناء ما زعمته رسوم وتماثيل من تصوير الواقع؛ فإنّ هذه المعاينة تختلف عمّا تُتيح الصورةُ رؤيَته، فهذه الأخيرة وسيط له سلطانه النسبيّ على ما يُرَى في المشهد المنقول بواسطتها، وهي نافذة افتعال وتزييف واستعمال وتوظيف من وجوه شتى.

بين الصورة والواقع

ما ينبغي الإقرار به أنّ الصورة ليست هي المشهد الواقعي الذي تزعم تمثيله أو الانتساب إليه وإن تحرّت الأمانة في النقل، فالصورة تبقى اجتزاءً محسوباً من مشهد معيّن، وانتقاءً محدّداً من الزمن الواقعي الذي استُلّت منه، وقد تكون الصورة في ثباتها تكليساً لِلَحظةٍ مخصوصة أو أنها تمثِّل في مشهدها المرئي اقتطاعاً زمنياً محدّداً وإنْ جاء بالبثّ المباشر. وتقوم الصورة، بطبيعتها، على الانتقاء المتحيِّز في موضوعها ومضمونها، عبر اختيار موضوعٍ دون سواه ومشهدٍ للعرض دون غيره، وقد يتفاقم التحيُّز بالاختيار المحدّد لزاوية الالتقاط وللمؤثِّرات البصرية ذات الصلة.

لا يتوانى إنسانُ الحاضر عن استعمال الصورة الذاتية في فنون التزييف المرئيّ الذي تعينه عليه تطبيقاتٌ مكرّسة للتحوير والتبديل، فيباشر بعضهم إضفاء لمساتٍ تتحرّى نضارة وجوههم وبهاء طلعاتهم وحُسن هيئاتهم

تبقى الصورةُ حاجةً وجودية لمزاعم محبوكة تتذرّع بها الادِّعاءات، وقد تُعرَض برهاناً معزِّزاً لخطابات معيّنة أو تُستعمَل داعماً لها يَفيض برسائل مُفتعلة أو ملفّقة. قد لا تكذب الصورة في مادّتها المجرّدة؛ لكنّ بعضها يُستعمَل على نطاق واسع في التدليس، وقد تقود إلى انطباع زائف لدى إدماجها في سياق مخصوص من التناول الإعلامي أو الجماهيري أو الفردي، وهي قابلة للتوجيه والتأويل والتوظيف على نحو يُفارق أصل مشهدها أو يتناقض مع سياق التقاطها. ثمّ إنّ الصورة المجرّدة قد تُقرَأ باستدعاء حمولة مُسبَقة في أذهانِ جمهورٍ تُخاطِبه، فتُسقَط تأويلاتٌ ذاتية عليها تجنح بها بعيداً عن سياق واقعي اجتُزِئت منه.

قد لا تتأتّى مفارقة الصورة للواقع من تلاعب الوسيط بالمشهد؛ فالزيْف النسبيّ أو الكلِّي المنعقد فيها قد يعود ابتداءً إلى افتعالٍ حاصل في الواقع الذي اختير مشهد مخصوص منه في فعل الالتقاط. يجري ذلك بصفة مألوفة في صور "الإنجازات" المتلاحقة التي تدفع بها أنظمة سلطوية فاسدة، أو صور "السلوك الإنساني" مع الجمهور التي تروِّجها جيوش غزو واحتلال وجرائم حرب.

ليس نادراً أن تتواطأ لحظة الالتقاط مع انطباعات محدّدة يتحرّى تشكيلها طرفٌ يحمل الكاميرا و/أو يتجلّى قبالتها؛ مما يدور مثلاً حول السّعادة أو النجاح أو الاقتدار أو الثّراء أو الزّعامة أو الفطنة أو الثّقافة. يُرجَى من الصورة إظهار هذه الانطباعات المتوخّاة بعناية؛ وقد لا تُفلِح المحاولة أحياناً في مقصدها وإنْ تكرّرت، وقد ترتدّ على عقبيْها خائبةً بمردودات عكسية تفضح مرامي أصحابها وقد تجعلهم أضحوكة في بعض الأوساط.

ولا يتوانى إنسانُ الحاضر عن استعمال الصورة الذاتية في فنون التزييف المرئيّ الذي تعينه عليه تطبيقاتٌ مكرّسة للتحوير والتبديل، فيباشر بعضهم إضفاء لمساتٍ تتحرّى نضارة وجوههم وبهاء طلعاتهم وحُسن هيئاتهم، وهي ممارسة نمطية تُحابي صوراً ذاتية منتقاة دون غيرها بما يوافق مخيال أحدهم عن نفسه أو تصوّره المُسبَق عن الكيفية التي يرغب في الظهور بها في الملأ، ولا يفوته حذف صُوَر عديدة لا يرى ذاته فيها على النحو الذي يرغب.

وتمنح البرامج والتطبيقات المتيسِّرة لجماهير الحاضر فرصاً متزايدة لتغيير مواصفات الصورة جذرياً، فيخالج الفردُ معها بيئةً مُفارِقةً لبيئته أو يظهر في حضرة مؤثِّرات بصرية وحركية مُقحَمة على المشهد، لأغراض التباهي أو الدعابة أو التضليل أو غير ذلك. وتُستعمَل خياراتُ التزييف في الصورة لدعم موقف معيّن أو لتشويه جهة مخصوصة، على نحو يتفاوت الاحتراف فيه حسب الإمكانات المتاحة.

نافذة للتحيزات المسبقة

إنْ لم تكذب الصورة فإنّ ما تنقله يبقى في أفضل أحواله اغترافاً محسوباً من الواقع؛ فهي لا تعرض الواقع بحياله وأنّى لها هذا، وقد لا تُدرَك الصورة عند جمهورها بمنطق يوافق مشهدَها الأصلي. قد تفتح الصورة نافذةَ مشاهدةٍ مزعومة على بيئة أخرى، وقد تغيب الخلفيات والملابسات اللازمة لفهم ما يُرَى من خلالها. من شأن هذه السِّمة أن تُثقِل وَعيَ البشر عن أمم ومجتمعات أخرى بأعباء تُسيء الفَهْم، لأنّ المُشاهدة المتحقِّقة قد تفتقر إلى التوضيحات الكافية والتفسيرات اللازمة لما يُرى غرائبياً أو مُلتبِساً على الأفهام. فالصورة تنساح في فيْضها وسرعتها عبر فضاءات الأمم كما لم يحدث من قبل، ويتدفّق طوفان متعاظم من موادّها الثابتة والمتحرِّكة على نحو يخدم في بعضه تحيُّزات مُسبَقة أو يوافق تأويلاتٍ جاهزة للإسقاط على هذه المشاهد المنسوبة إلى بيئات أخرى. من شأن هذا أن يُذكي التنافر في عالمنا في زمن التواصل والتشبيك، وأن يُفاقِم الاستقطابات المُتبادلة ونزعات التخندق بين المكوِّنات البشرية وضمن كلّ مكوِّن منها أيضاً حسب خطوط الوصل والفصل، ويتجلّى كلّ استقطاب منها في هيئة تَراشُقٍ بالصوَر والمقاطع المتعارضة أيضاً، وبعضها يُستعمَل "شواهد إثبات" لوَصْم فريق آخر بالمثالب.

تتجلّى الصراعات المتذرِّعة بالثقافات والأفكار والأديان والعصبيات في هيئة صراعات على الصورة والمشهد أيضاً، فأطراف الخنادق المتبادلة تتحرّى ترويج صور ومشاهد مكرّسة لتعظيم "الذات" والتعالي على "الآخر"، وبعضها يقوم على التزييف أو إساءة التأويل. كما تُستعمَل الصور والمشاهد "المُسيئة" ضمن بيئتها في هيئة مواد تخدم اتجاهات ونزعات معيّنة، ومن ذلك ما يدخل في باب الازدراء الذاتي مثلاً. تُذكي بعض التغطيات الصحفية المصوّرة هذا المنحى بقصد منها أو بدون قصد، كأن تَعرِض صورةٌ صحفيةٌ جمهرةً من الغاضبين؛ دون أن تتطوّع وسائط نقلها بتفسيرات وافية أو أمينة لأسباب غضبهم، وقد يُفهَم سلوكُ الغضب هذا من وَحي قوالب نمطية وأحكام مُسبَقة أو خبرات سالفة عن أولئك القوْم؛ كأن يُربَط بثقافتهم أو دينهم أو "تخلّفهم"؛ فتُستبعَد في هذه الحالة ظروفٌ موضوعي تحرِّض على الغضب.

كان لهذا التصوير الغرائبي والبهيج والجنسي للشرق المتخيّل، في الحكايات الشعبية واللوحات المرسومة ثم في الصور والأفلام؛ مفعوله الدعائي والتحضيري الذي أغرى بغزو "الشرق" في زمن النهَم الاستعماري

يتفاقم المنحى لدى استدعاء الصورة ذاتها بصفة متكرِّرة تعبيراً عن بيئة أو أمّة أو مجتمع أو ثقافة، وبصفة مستقلّة أحياناً عن تداولها الأوّل، كي تنهض الصورة الإيجابية أو السلبية بمهمة التعبير الشامل عن نسَق جمعي عريض. يجري هذا مثلاً بتركيب صورة معيّنة على سياقات أخرى، أو بمحاولة استعمال الصورة المُستلّة من مشهد مخصوص أو موقف معيّن في خدمة التنميط المستقرّ والقوْلبة المُستدامة. ليس المسلك جديداً على أي حال، فهو ما عمدت إليه لوحات مرسومة ومنحوتات ومجسّمات عبر التاريخ نهضت بوظائف متعددة من الإشعاع الرمزي. إنّ التمثال الذي يجسِّد قائداً في ميدان عام وهو يشير بذراعه صوب الأفق أو يمتطي صهوة جواده في مشهد ظفر؛ إنما سعى إلى تخليد لحظة مخصوصة وقد تكون لحظة مفتعلة في أصلها أو متخيِّلة لا صلة لها بالواقع، لأجل أن تُهيْمن اللحظة على الزمن المديد وكي تفيض بإشعاعها الرمزي السابغ على أمّتها. على هذا المنوال تأتي صور تعتمدها أنظمة سلطوية لزعيم مستبدّ، فهي تحرص على تقديمه في هيئة صنمية لا يشيب معها ولا يفنى، وقد يظلّ في هيئته المصوّرة هو هو على نضارته الأولى وإن بلغ من الكِبَر عِتِيّا. 

الاستشراق المصور مثلا

لا تبرأ تقاليد التصوير الصحفي من التواطؤ مع التحيّزات المسبقة وتملُّق قوالب نمطية مستقرّة لدى جمهورها عن أمم ومجتمعات وبيئات أخرى، رغم تباهي الصنعة بنقل "الحقيقة" وعرض "الواقع كما هو" وتحرِّي "الحيادية والموضوعية". تفيض الصور الصحفية في البيئات الأوروبية والغربية، مثلاً، بصور استشراقية الطابع؛ تدغدغ المخيالَ الشائع عن "الشرق" فتنهض بحصّتها في إذكاء نزعة "اختراع الشرقي" أيضاً، وهكذا تفعل مع أقوام آخرين.

تلتفت الصورة الاستشراقية مثلاً إلى مفارقات غير معهودة في بيئات التلقِّي، وتتعقّب المشاهد الغرائبية والعجائبية والاستثنائية إن وَجدت شيئاً منها في الواقع، ولهذا صلة بمسلك التصوير وتقاليد الصحافة ذاتها في تعقُّب الاستثناءات وتحرِّي المفارقات ومواكبة التطوّرات غير الاعتيادية. ففي مشاهد الصّلاة الإسلامية مثلاً تحظى لحظة السجود بأفضلية، لأنها غير معهودة في دور العبادة لدى جمهور "غربيّ نمطيّ"، وقد تُسقَط على لحظة الانطواء على الأرض وملامستها بالجبين تأويلاتٌ سلبية في الأذهان لا توافق حقيقةَ الموْقف التعبُّدي في أصله ومغزاه. ثم إنّ هذه الوضعية في الصور تحجب الوجه الذي يحظى بالأولوية في التواصل الإنساني وتتأتّى له استثارة التماثل الوجداني أو الإحساس بالتعاطف.

لم تبتعد الصورة "الحديثة" كثيراً، إذن، عن تقاليد مشاهير الرسّامين الذين حملوا في لوحاتهم مشاهد مزعومة انتقوْها من بيئات أخرى، وبعضها جاء مُلفّقاً على نحو مذهل. فما رسمه بعضهم هو مخيالهم أساساً وإن تجلّت فيه تفاصيل مستقاة من الواقع. أمدّ الاستشراق الرسومي المخيالَ الجمعيّ في البيئات الأوروبية بروافد سخيّة وافقت تصوّراتٍ نمطيّةً مُسبَقة، وحظيت مشاهدُ متخيّلةٌ من الأجنحة النسائية المحجوبة في القصور والبيوت بأولوية خاصة في الرّسم.

وما إنْ ظهرت الصوَر الفوتوغرافية حتى تورّطت هي الأخرى في تجسيد المخيال بالالتفات إلى مشاهد معيّنة دون سواها وكذلك بحيلة الافتعال المصوّر. جرى على نطاق واسع في أواخر القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين تصوير البشر والبيئات بصفة تحاكي ما شكّله الرسّامون السابقون بريشاتهم. جرت ممارسات متطرفة في هذا السياق، منها مثلاً، استدراج نساء "شرقيّات" من بعض الهوامش المجتمعية إلى صور مُفتعلة تقوم على التجرّد من الملابس، وجرى تصوير أشخاص "شرقيِّين" في هيئة ساكنة كأنهم في واجهة عرض للرؤية أو طُلِب من بعضهم السجود لأداء الصلاة على نحو مخالف للقِبلة. بلغ الأمر حدّ استدعاء هذه المشاهد في الواقع الأوروبي ذاته وتجسيدها حيّة بين الناس، من خلال تخصيص فضاءات للفرجة على "نماذج حيّة" من أقوام آخرين تم استجلابهم للمعاينة من ألوان وأشكال "مُغايرة" في ما يشبه واجهات العرض أو حتى أقفاص حدائق الحيوان، وهي ممارسات بالغة الازدراء أقيمت عروضها بالمئات في أوروبا بين عامي 1870 و1940.

كان لهذا التصوير الغرائبي والبهيج والجنسي للشرق المتخيّل، في الحكايات الشعبية واللوحات المرسومة ثم في الصور والأفلام؛ مفعوله الدعائي والتحضيري الذي أغرى بغزو "الشرق" في زمن النهَم الاستعماري. كما منحت هذه "البراهين" المصوّرة انطباعاً لجمهور الأمم الاستعمارية يؤكِّد الاستحواذ على أمم مُهَيْمن عليها والتمكّن من مجتمعات مُستعمَرة. استبطن افتعالُ واقعٍ مصوّر على هذا النحو معالجةً تعويضية عن الشعور بالاغتراب عن البيئات المستعمَرة وبضعف السيطرة الشاملة على بلدان تحتجب فيها النساء عن أنظار المُستعمِرين ويترفّع فيها الرجال على أولئك الغزاة أو يقاومونهم بالسلاح.

الصورة وحضور الغياب

تتحيّز الصُّوَر في حضورها، ومِن شأن غيابها أن يتواطأ أيضاً مع التحيّزات المُسبَقة، فمع احتجابها قد تتضاءل فرص الالتفات إلى واقع مخصوص وقد لا يكترث به الجمهور بالتالي. تبقى نوعية الصوَر وكثافتها في الفضاء التداولي باعثاَ على تصعيد الاهتمام الجماهيري بأمّة معيّنة أو فئات مخصوصة أو قضية محدّدة، وقد يوحي غياب الصورة أو تراجُع وَفرتها أو تضاؤل جودتها بأنّ هذه المشمولات لا تقع ضمن الشواغل المتصدِّرة أو أنها لا تستحقّ الاكتراث قياساً بغيرها.

لا يقضي غياب الوَقْع المصوّر بغياب الصورة دوْماً، فقد تحضر الصوَر والمشاهد حقّاً لكن دون أن تتأهّل لاستثارة الوجدان، وقد تتواطأ من هذا الوجه خلال الصراعات مع طرف دون طرف، فتنزع إلى أنْسَنة فريق وشيْطنة آخر، وقد تقترب من وجوه لتتجلّى انفعالاتُها الإنسانية التي تستدرج التعاطف؛ وتتعامل مع غيرها بمنطق التصوير المجرّد عن الإنسان أو بإظهار كمّ غفير مُتماثِل تتبدّد معه فرص الإحساس بعناصره وبواعث التماثل الوجداني مع وجوهه.

يتجلّى "حضور الغياب" في أنماط من الصور تعمد إلى تغييب الوجوه لأغراض تتواطأ مع منحى الذمّ الرمزي، فتكون الصورة المثالية لأغلفة المجلات والكتب والروايات الشعبية عن الإسلام والمسلمين والشرق هي امرأة منتقبة مثلاً أو مناضل ملثّم يقع تصويره في هيئة الإرهابي. يأتي هذا النمط، أيضاً، في تصوير المارّة المسلمين من خلفهم دون إظهار وجوههم، وهو مسلك في التصوير يحرص أساساً على تجاوز مشكلة قانونية في إظهار أشخاص محدّدين في الفضاءات العامّة، لكنّ وقعه يؤكد التغييب وقطع فرص التواصل البصري مع هؤلاء البشر وربما يقع تصنيفهم في هيئة أبدان متحركة منزوعة الأنسنة تحت وطأة سياق كريه للتداول.

لا يتوانى أصحاب المصالح عن محاولة توظيف الصورة في خدمتهم، فهي مادة أساسية لجهود التواصل ومساعي التأثير وحملات العلاقات العامة التي تباشرها دول ومنظمات وشركات وأفراد

ممّا يفضح سلوكَ الصورة في عالمنا أنّ الوعي الإنساني المصوّر ما زال يتركّز في بؤر معيّنة وأقاليم مخصوصة، وقد تُعَدّ المساحات المُضاءة في الأذهان هي "العالَم" عادةً أو فيها يُختزَل بالأحرى. ثمة أقاليم شائعة تُقاسي، بمن فيها من أمم وأقوام ومجتمعات، غياباً ذاتياً و/أو تغييباً مفروضاً عليها بمنطق الوعي المصوّر. إنها بيئات وثقافات مُختزَلَة في حضورٍ شحيح يتلازم في موضوعاته شَرْطياً مع أزمات ونكبات وآفات ومعضلات لا تكاد تُعرَف بدونها، دون أن تتكافأ الفرص لحضور إنسانها واستشعار قيَمها أو الوعي الأمين بتاريخها وثقافاتها في عالم متنوِّع.

ساهمت "أعمال البرّ" بقسط مشهود في تكثيف هذه المتلازمات الشرطية السلبية، فأطفال أفريقيا رُبِطوا في الخطاب الخيري المصوّر بالفاقة التي تستدعي غوْثاً منشوداً من "الأيادي البيضاء"، فافترشت صوَرُهم الإعلانات والجداريات والمواد المرئية وصناديق التبرّعات المبثوثة في أمم الوفرة والتكديس. ورغم أنّ تعبيرات الشفقة النمطية المصوّرة على هؤلاء الأبرياء السُّمْر وقع تجاوزها نسبياً في خطاب الأعمال "الخيرية"؛ فإنّ واقع التوظيف المصوّر ظلّ عالقاً مع تكثيف الوعي بالعوز والحاجة والأزمات. بقي الطفل الأفريقي الأسمر في الوعي الأوروبي المصوّر كناية عن البؤس الدائم والحرمان المزمن وعن متلازمات أخرى مثل تجنيده للقتال في الصراعات الأهلية مثلاً، وهي استدعاءات تبقى انتقائية مهما اتّسع نصيبها من الواقع.

يقضي "حضور الغياب" بأن تحتكر الصورة روايَتها عن "الآخر" دون أن تمنحه حق البوْح المفهوم والمؤثِّر لجمهورها. لا تتصرّف الصورة في هذا المقام على أنّها تمنح الآخر فسحة للحضور، فهي صورة "عنه" وليست "له". لا يبتعد هذا النمط المتجدِّد عن سلوك الفرجة القديم على الأقوام الذين كان يتم استجلاب "نماذج" منهم للمعاينة في واجهات عرض أو أقفاص حدائق الحيوان في بلدان أوروبية في مراحل مضت، فلا حاجة اليوم للإتيان بأولئك لعرضهم ككائنات غريبة، فالصورة والمشهد والبثّ المباشر والمقاطع المتداولة تتكفّل بذلك من تلك البيئات مباشرة، وسيبدو الأمر في النهاية "أكثر أصالة"، وينسجم في ظاهره مع مقتضيات "نقل الحقيقة والواقع بمصداقية وحيادية"!.

في خدمة المصالح والاتجاهات

لا يتوانى أصحاب المصالح عن محاولة توظيف الصورة في خدمتهم، فهي مادة أساسية لجهود التواصل ومساعي التأثير وحملات العلاقات العامة التي تباشرها دول ومنظمات وشركات وأفراد. والصورة في المعركة سلاح فعّال في المجال المعنوي، وبها يُتوّج الانتصار أو تتكثّف الهزيمة، وقد تُفتعَل الصورة افتعالاً في سبيل ذلك أو يُزيّف مضمونها لأهداف دعائية. والصورة ذخيرة لحروب الأفكار، التي تُراهِن على ترميز فكرة ما ونقيضها المُفترَض بمتلازمات إيحائية ومصوّرة تعبِّر عنهما، فتنزع إلى التنميط الإيجابيّ والسلبيّ وتستعمل قوالب مكرّسة لهذا الغرض ذات اليمين وذات الشِّمال.

مالَت منصّات إعلامية وشاشات في الواقع العربي، مثلاً، إلى تنميط المسلم المتديِّن في قالب ذميم من قبيل ما جسّده عادل إمام في أفلام تواطأت مع رواية الأجهزة الأمنية واجتذبت الجمهور إلى شبابيك التذاكر في خواتيم القرن العشرين، ثمّ فَشَت هذه الصورة من بعدُ وتكرّست. ومن شواهد الحالة، أيضاً، أن تحرص بعض دعاية الإلحاد على التعبير المصوّر عن ذاتها برمزيات محسوبة على التقدّم والتطوّر والحرية والعقل والعلم والضمير والسعادة والانفتاح، مع استدعاءات إيحائية مصوّرة تعبِّر عن انشداد إلى خلاص فردوسي أرضي يبلغ بالتاريخ منتهاه.

الصورة إذ تتملق المخيال

تتملّق المادة المصوّرة مخيالاً جامحاً من شأنه أن يفرض سطوة وجدانية تُذكي تحيّزات في التعامل مع الواقع، فتميل إلى استيعاب مكوِّناته ومرئيّاته بصفة انتقائية غير موضوعية وبما يوافق الأحكام المُسبَقة غالباً. يستدعي الجمهور نمطيّاتٍ مصوّرة مُختزَنة في وَعْيِِه تعبِّر عن استبداد القوْلبة به، ومنها صورة معهودة في مضامين مرئية عدّة لمعلِّم اللغة العربية ذي النظارة السميكة الذي لا يوافق "العصر" في هيئته وتصرّفه وطريقته في الحديث، أو صورة ربّة البيت الساذجة ذات الهيئة الرثّة لانشغالها بتدبير شؤون بيتها والمنفصلة عن الواقع في الحياة العملية، أو صورة الأسرة ذات الأطفال المتزاحمين في كثرتهم مع والديْن تعيسيْن ومتذمِّريْن. إنها ومثيلاتها قوالب تُسفِر عن ذاتها بوضوح في أعمال الشاشة الفكاهية ورسوم الكاريكاتير التي تقوم بطبيعتها على حشد المتناقضات.

كثيراً ما تأتي السعادة المعروضة في الصور والمشاهد الإعلانية والترويجية مقترنة بأسرة صغيرة أو بفَرد مُنعَتِق من نسقه بما يتجاوز المجتمع في هيئته "التقليدية". إنّ هذا الانفصام بين الواقع والصورة يحفِّز محاولة تطويع الواقع بما يوافق المخيال الإيجابي، فيجنح الفرد إلى "إعادة تمثيل" ما شاهده مراراً وتكراراً في تلك الرسائل المصوّرة المكثّفة التي تعاقبت على مُدرَكاته، ويميل بالتالي إلى اختيارات مخصوصة وسلوكيات معيّنة تحرِّياً للمتلازمات التصوّرية المنعقدة معها. كما يباشر الفردُ البرهنةَ على انتمائه للنموذج المثالي المعروض للعيان بمحاكاة ما يظهر عليه النموذج في هيئته وتصرّفه، وهو ما ينعكس بوضوح في صوره الذاتية وفي ما يختاره من صور تعريفية لذاته في منصّات التواصل.

في بعض الصور الملتقطة محاولة لتجسيد المخيال وتحريكه في الواقع، وستواصل الصورة على أي حال مزاعمها في الانتساب إلى الواقع وادِّعاء تمثيله، مستفيدةً من خيارات تقنية متزايدة مسخّرة لها، لكنّ التقاطها وترويجها قد يستبطنان محاولةً لتعريف واقع مخصوص من خلالها، وقد تُلتقَط الصور بمعزل عن واقع تدّعي الانتساب إليه، أو قد يُفتعل مضمونُها أو تتحيّز مواصفاتُها إلى حدِّ التزييف الفجّ والتحريف المكشوف، وقد تُستعمَل الصور من بعدُ وتُوَظّف في خدمة تحيّزات وتواطؤات سابقة عليها، وقد يطلبها جمهورها كي تؤكِّد موقفه المُسبَق وتتملّق نزعات استبدّت به. يحدث هذا كلّه أو ما يفوقه ويتخطّاه؛ ثم يزعم بعضهم بثقة بالغة.. أنّ "الصورة لا تكذب"!.