مجتمع الفرجة.. حتى شخصياتنا قابلة للبيع!

السبت 07 سبتمبر 2019 04:16 م بتوقيت القدس المحتلة

مجتمع الفرجة.. حتى شخصياتنا قابلة للبيع!

بقلم المدون السوداني: مجاهد أحمد

نحن في الأصل أبناء شعوب نكدية، الفرح عندها بمقدار محسوب أما الأحزان فتفرد لها الساحات وتنصب لأجلها السرادق، وهذه الأحزان لعلها تكون الشعور الصادق الوحيد الذي نختبره في زحمة المشاعر المصطنعة التي تذخر بها حياتنا.. الواقعية منها والافتراضية. أما الفرح القليل الذي تجود به الأيام بين فينة وأخرى فقد باتت تتخلله الكثير من الشوفونية والمباهاة الفارغة التي لا تكاد تترك لنا منه شيئاً.. يمكننا أن نقول إننا وبطريقة سخيفة نقدم "الفُرجة".. نقدم رغبتنا في أن يرانا الآخرون على رغبتنا في أن نعيش حياتنا كما نريد، وبذا نُفضِّل الزيف على الحقيقة، نُفضِّل أن نرهق أعمارنا في نسج خيوط من الوهم لحياة لا تخصنا في الأصل لنبهر بها آخرين لا نعرفهم ولا يعرفوننا.

لا أدري كيف نجحت عصافير تويتر وسماوات فيسبوك الزرقاء في إقناع البشرية بهكذا ثقافة مجنونة.. كيف أفلحت -هذه التكنولوجيا- في تحويل الهواتف النقالة إلى مسارح وفي تحويل البشر أنفسهم إلى ممثلين، حتى صار لكل شخص على هذا الكوكب البائس مسرحاً خاصاً به يستعرض فيه حياته المصطنعة وتفاهاته الشخصية، الكل صار يلهث هكذا بيديه وأسنانه لجذب اهتمام الجماهير ونيل إعجابها الثمين.. وفي سبيل هذه الغاية البائسة تذبح الأخلاق من الوريد إلى الوريد، وتنقلب الدنيا رأساً على عقب..

الإنسان نفسه في هذا العصر صار موضوعاً لهذا التسليع، محاضرات وكتب تنمية بشرية هي في الأصل شخصيات معلبة وجاهزة للبيع، عمليات تجميل تبيعك وجهاً جميلاً يناسب الجماهير المتعطشة

فرويد الأب المؤسس لعلم النفس التحليلي كان يرى أن الإنسان كائن بيولوجي.. بمعنى أن غرائزه هي التي تحركه، إلا أن واقع اليوم بفضاءاته الافتراضية يدفعنا إلى إعادة النظر في هذه الفرضية من جديد، فإنسان هذا العصر كائن اجتماعي بامتياز، لكن ليس بالمعنى التقليدي للكلمة، بمعنى أنه لا يعيش في المجتمع لكن المجتمع هو الذي يعيش فيه.. في رأسه تماماً، يملي عليه كل شيء من أخلاقه ومبادئه وصولاً إلى طريقة حديثه ومظهره الشخصي، هنا يفقد الإنسان ذاته الأصيلة ويتحول إلى كائن هلامي سهل الانقياد والتشكيل بحسب هوى الجمهور الافتراضي الخاص به.. الغايات النهائية لإنسان هذا العصر، طموحه وتطلعاته، حروبه ومآسيه الشخصية كلها تدور حول هذا المعنى.. وحتى أولئك الذين يجدفون بعكس التيار والهوى السائد يكون هدفهم الأساسي هو أن يسترعوا انتباه هذا الجمهور ويظفروا منه بالتفاتة.. وليس مهماً حينها إن كانت ساخطة، المهم فقط أنها إلتفاتة! 

تتقزم الأفكار بطريقة دراماتيكية في مقابل انتفاخ الذوات التي تستمد كينونتها من الجمهور، لعل للأمر علاقة بعقدة النقص التي أشار لها ألفرد إدلر في كتاباته، ذلك السعي المحموم لتأكيد الذات والتفوق.. لكن الأمر هنا يتخذ منحىً متطرفاً ومختلفاً نسبياً، فمهموم الذات نفسه قد تم تميعيه وتفتيته إلى شظايا وشذرات يصعب لملمتها في سياق واحد. ومما لا شك فيه أن الرأسمالية البغيضة تتحمل وزراً مُقدرأ مما نحن فيه من مأساة، فقد تمكنت هذه الثقافة اللعينة من تسليع كل شيء وتحويله إلى منتج تسعى لتسويقه بشتى الوسائل، حتى غدت مواضع كالأمومة والحب والصداقة مجرد أدوات تسويقية فارغة من كل قيمة ومعنى.

الإنسان نفسه في هذا العصر صار موضوعاً لهذا التسليع، محاضرات وكتب تنمية بشرية هي في الأصل شخصيات معلبة وجاهزة للبيع، عمليات تجميل تبيعك وجهاً جميلاً يناسب الجماهير المتعطشة.. مواقع متخصصة في الاقتباس تهديك الثقافة في سطور قليلة وتعفيك هم المطالعة الطويلة.. لتبدو مثقفاً أنيقاً أمام متابعيك الافتراضيين! في الستينات من القرن الماضي تحدث الكاتب الفرنسي جي ديبور عن واقع يكاد يكون مطابق تماماً لما نحن فيه إذ يقول في مقدمة كتابه "مجتمع الاستعراض": "ولا شك أن عصرنا.. يُفضل الصورة على الشيء، النسخة على الأصل، التمثيل على الواقع.. وما هو مقدس بالنسبة له ليس سوى الوهم، أما ما هو مُدنس فهي الحقيقة.. وبالأحرى فإن ما هو مقدس يكبر في عينيه بقدر ما تتناقص الحقيقة ويزداد الوهم، بحيث أن أعلى درجات الوهم تصبح بالنسبة له هي أعلى درجات المقدس".

في الخِتام لا أرى مخرجاً سهلاً من هذا المأزق الذي نحن فيه، فهذا المجتمع الجديد يبتلع كل شيء ويكبر وما إن تتم مجابهته بالفكر والمنطق حتى يُخرج لنا لسانه الطويل ويرفع في وجهنا عصى السخرية الغليظة التي توصد كل أبواب الفهم!