سجِّل أنا لبناني وعربي، وحفيد ضابط عثماني

الإثنين 09 سبتمبر 2019 08:24 م بتوقيت القدس المحتلة

سجِّل أنا لبناني وعربي، وحفيد ضابط عثماني

بقلم الكاتب والمدون: ساجي سنّو

يا تاريخ سجِّل، سجِّل أنّي ولدت في غفلة من زمن الحرب الأهلية، حين كان الموت يعشعش في البيوت، والقلق ينخر القلوب، والمنايا تملأ الشوارع، سجِّل أنّي شبّيت في زمن الغفلة حين تعملقت الأقزام، فأصبح أمراء حرب.. حكّام جمهورية، سجِّل أنّ هويتي بطاقة أمل خائب مدفون في محفظة جيب، أجوب بها العالم بحثا عن غد أفضل لأولادي، سجِّل أنّ جواز سفري دفتر "بونات"، أقف به في طوابير فجر الصقيع على أبواب الإدارات، مستجديا تجديد إقامة في بلدان أحلف فيها بغربتي، في حين تقبع أسباب هجرتي في نعيم دفء السلطة، متربّعة على فراغ حروب عبثية أفرغت وطني.

سجّل أنّي أتسكّع في شوارع مدن العالم، مدهوشا بمعالم قوتها، أشحذ بعض الأمل، أحلم بالبديهيات، متمنيا أن أعود يوما ما إلى وطني الأم كي أعيش في كنف دولة موحّدة، قوية، سيدة، حرة، مستقلة، دولة لا تتغيّر فيها شكليا المعادلات الخشبية العقيمة -المستمدّة من قاموس النفاق السياسي اللبناني وشعاراته البراقة- بتغيّر الوصي، في حين يبقى المضمون البائس واحدا، دولة لا تردّد بشكل أعمى "ضروري وشرعي ومؤقّت" (1990- 2005)، دولة لا تهتف دون تفكير "شعب وجيش ومقاومة" (منذ الـ2005)، دولة يحكمها مبدأ حصرية السلاح بيدها، تحتكر قرار الحرب والسلم، ترفض استتباع لبنان بسياسة المحاور وتنفيذ أجندات دول أخرى، وتحويله إلى ورقة ضغط في مفاوضات لا علاقة له بها وساحة صراع لتصفية الحسابات الدولية، دولة لا تكون حياة مدنييها، وأمنهم، واقتصادهم، مهددين بسبب حروب عبثية يمكن أن تشنّ على أرضهم بأي لحظة خدمة لمشاريع إقليمية.

سجّل أنّ أعيان المسلمين عقدوا "مؤتمر الساحل" في بيروت سنة 1936، للمطالبة بتفكيك دولة لبنان الكبير وإعادة بيروت وطرابلس وصيدا، والأقضية الأربعة التي أُلحقت بلبنان في سنة 1920، إلى سوريا

سجِّل أنّ في وطني من باع القضية، ففرّط بسيادة الدولة ودماء شهداء ثورة الأرز بأربعين من فضة حب السلطة؛ سجِّل أنّ في وطني من يسمّي صفقات الإذعان.. تسويات مشرّفة، والإدمان على الخضوع.. اعتدال ووسطية؛ سجل أنّ في وطني من يتبارى في ربط النزاع مع سلاح غير شرعي، فيفلّت استكبار هذا السلاح على باقي أبناء وطني، سجِّل أنّ من يتحكّم بمفاصل الدولة في وطني، هو من يستقوي بسلاح غيره الخارج عن سلطة الدولة، سجِّل أن هذا السلاح يبقى هو الحاكم الفعلي للبلد والمهيمن على قراره، سجِّل أنّ اليمين الشعبوي الحاكم في وطني يدمن على العنصرية، ويهوى التعصّب الطائفي، ويعشق التطرّف الهويّاتي، ويتلذّذ بنبش القبور.

سجِّل أنّ في وطني من قرّر إكمال كتاب "كفاحي"، فيفتخر بتورّم جينات لبنانية لتغذية عنصرية مقيتة ضد اللاجئين السوريين والفلسطينيين، سجِّل أنّه يصرّ على أن يحرم الأمّ اللبنانية من إعطاء الجنسية لزوجها وأولادها، لا سيما إذا كانوا من السوريين والفلسطينيين، سجِّل أنّ الادعاء بفينيقيّة لبنان وعدم عروبته أضحى زبد انغلاق يطفو على وجه أدبيات أوساط "العهد القوي" ونخبه الثقافية، سجِّل إن كانت دفاترك ما زالت تتسع للمزيد، أنّ رأس الهرم في الدولة اللبنانية يعتبر أنّ السلطنة العثمانية كانت قوّة احتلال للبنان، وأنها مارست إرهاب الدولة.

سجِّل أنّ اليمين الشعبوي الحاكم لم يقرأ في كتب الباحثين الموضوعيين الكبار في تاريخ الدولة العثمانية كالفرنسي روبير مانتران، أو في تاريخ لبنان ككمال الصليبي، بل هو يغرف من مناهل هستيريا الأحقاد التاريخية والطائفية الدفينة، ويسوّق للفكر الأقلوّي، وأحلافه، ومؤتمراته، وهو ربما يحاول ركوب موجة عداء بعض أنظمة الخليج العربي لتركيا، منتهجا نفس أسلوب تلك الأنظمة وصحفها الرسمية في الاعتماد على الأطروحات التاريخية القائمة على التزوير الشعبوي للحقائق والتاريخ، حتى اجتمعت كلّ عناصر التعصّب هذه كي تصبح سياسة رسمية للعهد الحالي في لبنان.

سجِّل أنّه طبعا لا يمكن إنكار الأخطاء -ومنها الفادحة- التي وقعت فيها الدولة العثمانية، إلّا أنّه لا يمكن أيضا تعميم هذه الأخطاء على أربعة قرون من تاريخ الحكم العثماني في هذه المنطقة، وذلك بالحديث عن "احتلال عثماني" و"إرهاب الدولة العثمانية"، لا سيّما عندما ينطوي هذا التعميم على تنميط صورة سلبية لأكبر طائفة في هذه البقعة من العالم، سجّل أنّ هذا العهد يبدّد بذلك ما تبقّى للبنان من علاقات مع محيطه القريب والبعيد. سجّل أنّ لبنان ليس وطنا لطائفة واحدة، ولا لفئة واحدة، ولا لوجهة نظر تاريخية واحدة، بل لبنان وطن لجميع أبنائه، يراكم تاريخ جميع طوائفه ويحترمها بشكل متوازي.

يا تاريخ سجّل أنّ جدّي، كالكثيرين من أقرانه، كان ضابطا بيروتيا في الجيش العثماني، دافع أثناء الحرب العالمية الأولى عن ساحل ولاية بيروت أمام الغزاة وعملائهم في الداخل، سجّل أنّ كثيرا من سكان الساحل اللبناني مزّقوا هوياتهم اللبنانية بعد تأسيس دولة لبنان الكبير سنة 1920، رفضا للانتداب الفرنسي الذي ما زال يطبّل له الكثيرون في لبنان من منطلق طائفي انغلاقي بحت، سجّل أنّ أعيان المسلمين عقدوا "مؤتمر الساحل" في بيروت سنة 1936، للمطالبة بتفكيك دولة لبنان الكبير وإعادة بيروت وطرابلس وصيدا، والأقضية الأربعة التي أُلحقت بلبنان في سنة 1920، إلى سوريا.

سجّل أنه بعد ذلك كان لرياض الصلح، رجل الاستقلال، الدور التاريخي في إقناع مسلمي الساحل بفكرة الكيان اللبناني، ولرفيق الحريري الدور الأبرز في إقناعهم بالانتماء أولا وأخيرا إلى لبنان، سجّل أيضا أنّ رؤساء وزراء لبنان، من رياض الصلح، إلى رفيق الحريري، مرورا برشيد كرامي، ومفتيه الشهيد حسن خالد، وكبار مشايخه كموسى الصدر، وصبحي الصالح، وقياداته السياسية ككمال جنبلاط، وغيرهم الكثيرين ممّن لم يكونوا يعتبرون الدولة العثمانية قوة احتلال، ولا العالم العربي مصدر خوف بسبب أكثريته الطائفية، سجّل أنّهم دفعوا الثمن غاليا في سبيل وحدة وحرية وسيادة واستقلال لبنان، فلا يزايدنّ أحد على أحد بلبنانيّته.

سجّل كذلك أني عربي الهوى والوجه واللسان، وأنّ لبنانيتي لا تتعارض مع عروبتي، بل أنّهما تكمّلان بعضهما بعضا، وأنّي أنتمي بخصوصيتي اللبنانية إلى محيطي العربي دون عقد نقصان أو تفوّق مرضي، سجل خصوصا أنّي أفتخر بما أنا عليه، بكلّ ما أنا عليه، وأنّه لن تقوى أبواب الجحيم على تزوير ما أنا عليه أو تغييره، سجِّل.. سجِّل أنا لبناني، وعربي، وحفيد ضابط عثماني.