هنيئاً للإسلاميين هزيمة عبد الفتاح مورو

الخميس 19 سبتمبر 2019 08:41 م بتوقيت القدس المحتلة

أياً كانت التبريرات والأسباب التي يمكن تقديمها، ثمة إجماع على أن النتائج التي أسفرت عنها الانتخابات الرئاسية في تونس شكلت مفاجأة. ليس فقط في تصدّر شخصيتين مغمورتين السباق الرئاسي بعيداً عن الأحزاب والاصطفافات، بل كذلك في تراجع مرشح حزب حركة النهضة ونائب رئيسها الشيخ عبد الفتاح مورو، وإخفاقه في التأهل للمرحلة الثانية وحلوله في المركز الثالث بنسبة قاربت 13%.

خروج حركة التهضة ومرشحها من السباق الرئاسي أصاب مؤيديها وأنصارها بالإحباط، خاصة الذين يعتبرون أنه آن الأوان للنهضة أن تحصد ما زرعته، وأن تدخل السلطة من بابها العريض، وأن تمسك بزمام الأمور. لكن ما لايدركه هؤلاء أن خسارة مرشح حركة النهضة جنّب الحركة ومعه تونس الدخول في نفق مجهول لا أحد يعرف مآلاته.

خلال السنوات الماضية، أخذ العلمانيون واليساريون والدولة العميقة في تونس وقتاً طويلاً حتى تقبلوا على مضض مشاركة حركة النهضة في الحكم، ولو بدور ثانوي. وكانوا يتحيّنون كل فرصة لانتقاد أداء الحركة، وتحميلها مسؤولية مشاكل وأزمات البلاد. الأمر نفسه بالنسبة للأنظمة العربية التي تحمل لواء القضاء على حركات الإسلام السياسي. فمنذ الإطاحة بصديقهم المخلوع زين العابدين بن علي، ودخول حركة النهضة للمشهد السياسي، وهم يراقبون ويترصّدون، ويتحيّنون اللحظة للإطاحة بتجربة حركة النهضة. فليس مسموحاً بالنسبة لهذه الدول أن تنجح حركة محسوبة على الإسلام السياسي في إدارة الحكم وتسيير شؤون البلاد.

الجانب الإيجابي الآخر من خسارة الشيخ عبد الفتاح مورو للرئاسة، هو الضبابية المحيطة بالمشروع الذي باتت تحمله النهضة

ولو وصل الشيخ عبد الفتاح مورو للرئاسة، لكانت تلك فرصة ذهبية لتنفيذ سيناريو لن تكون نتائجه بعيدة عما حصل في مصر، مع اختلاف الظروف. سيتم افتعال مشكلات أمنية واقتصادية وسياسية، وستبرز أنياب ومخالب للعلمانيين واليساريين وكل معارضي الإسلام السياسي، وستتولى منظومة إعلامية تعظيم المشكلات، وتحميل وزرها لحركة النهضة، وصولاً إلى شيطنة الرئيس والحركة التي ينتمي إليها، تمهيداً لتنفيذ انقلاب ليس بالضرورة أن يكون عسكرياً، فقد يأخذ أشكالاً أخرى يتناسب مع تونس.

أخطر ما في هذا السيناريو ليس الإطاحة بالرئيس وحركته، بل الإطاحة بالأمل بأنه يمكن لحركة إسلامية سياسية أن تنجح في إدارة الحكم، الجانب الإيجابي الآخر من خسارة الشيخ عبد الفتاح مورو للرئاسة، هو الضبابية المحيطة بالمشروع الذي باتت تحمله النهضة. صحيح أنها حركة محسوبة على الإسلام السياسي، وتحديداً الإخوان المسلمين، لكن الحركة قدمت خلال السنوات الماضية أداء مختلفاً ومغايراً للصورة النمطية المأخوذة عن حركات الإسلام السياسي. فهي تناغمت مع طروحات العلمانيين، فلم تقف في طريقها رغم معارضتها للشريعة الإسلامية، وسعت لتقديم خطاب سياسي مدني بعيداً عن أي نكهة إسلامية. ويقول العارفون والقريبون من الحركة بأن هذا الخطاب ليس تكتيكاً للوصول إلى السلطة، بل بات قناعة حقيقية وراسخة لدى رأس الحركة وبعض قياداتها.

في جلسة مع أحد الأصدقاء التونسيين، حدثني بأسى عن خيبته وخيبة عائلته والمحيطين به من أداء حركة النهضة. هم ليسوا منتمين لها ولا لأي حركة أخرى، لكنهم يعيشون في بيئة محافظة، وهم انتخبوا حركة النهضة لأن المشروع الذي يفترض أنها تحمله يتوافق مع فطرتهم وقيمهم. يقول صديقي: نحن لم ننتخب حركة النهضة كي تغضّ الطرف عن مشروع المساواة في الميراث بين الذكر والأنثى، ولم نؤيّدها كي تقدم لنا طروحات وأفكار شبيهة ببقية الأحزاب، أيّدناها لأننا اعتقدنا أن مشروعها قريب مما نؤمن به.

يتابع فيقول: تسعى حركة النهضة لتقديم نفسها بصورة جديدة "نيو لوك"، لكنها لم ولن تقنع أحداً. مهما فعلت ومهما بدّلت من جلدها، ستظل مصنّفة على أنها إسلامية، ولو أشعل رئيسها راشد الغنوشي أصابعه العشرة شموعاً. يتابع: لو فاز الشيخ عبد الفتاح مورو في السباق الرئاسي، ننتظر منه أن يقدم المزيد من التنازلات كي يرضى عنه الآخرون، وهو ما أرفضه ويرفضه كثيرون مثلي سبق أن أيّدوا حركة النهضة لما كانت عليه، وليس لما تسعى إليه. يختم صديقي بالقول: نحمد الله أن عبد الفتاح مورو خسر الانتخابات.