لماذا ذهبت إلى غزة.. ولماذا سأ‪عود اليها؟

الجمعة 27 سبتمبر 2019 02:03 م بتوقيت القدس المحتلة

غالبًا ما يتم تصوير غزة بواسطة وسائل الإعلام الغربية على أنها منطقة من العالم الثالث وأرض صراع، ولكن، وبعد زيارتك لغزة ستكتشف أنك كنت مخطئاً، غزة هي عنوان للصمود و العزة، فعلى الرغم من سنوات الحصار الطويلة، يعود المجال الطبي دائمًا قويًا بقدر ما تسمح له موارده المحدودة، فترى الأطباء و التمريض يذهبون إلى العمل يوميًا على الرغم من العبء الهائل والصعوبات التي يواجهونها، و بالرغم من عدم حصولهم على راتب كامل بسبب الحصار الاقتصادي.

غزة هي القوة والعزيمة و التصميم، فترى الفريق الطبي الموهوب الذي يخضع للحصار لسنوات طويلة، يغتنم كل فرصة لتطوير وتحديث معلوماته ومهاراته، غزة هي الكرم و الجود؛ فبالرغم من شح الموارد و قساوة المعيشة هناك، فأينما ذهبنا كان الناس يتسابقون إلى الترحيب بنا ودعوتنا الى بيوتهم لنشاركهم قوت بيتهم و إن قلّ. كرمٌ و جود لم أره من قبل.

غزة هي حب الحياة، كيف لا؟ فعلى الرغم من احتمال الناس للكثير من الصعوبات، ترى السعادة بسيطة في مفهومها فتتمثل مثلاً بالتنزه على شاطىء البحر ليلاً، فترى الأهل والأصدقاء يتبادلون فيما بينهم مزيجًا جميلًا من الابتسامات والضحكات وهم يتحدثون عن قصصهم اليومية، سعادة تشعرك أنهم أغنى أغنياء الأرض

غزة هي الجمال و الحياة، غزة جميلة جداً، فيها مطاعم شهيّة، ومتاجر فاخرة، وشاطئ رائع، غزة أرض مليئة بالتاريخ، هل تصدقون لو قلت لكم أن أجمل غروبٍ رأيته في حياتي كان على شاطئ بحرها!؟ غزة هي الامتنان والأمل، فعلى الرغم من الظروف الاقتصادية والسياسية القمعية بفعل الحصار الذي يعانيه المجتمع هناك، فإن روح الأمل لا ينضب.

 في حزيران (يونيو) 2019، أي بعد 20 سنة من زيارتي الأخيرة لغزة، تمكنت من زيارتها مرة أخرى ضمن مجموعة من 13 متطوعًا في مهمة طبية نظمتها الجمعية الطبية الأمريكية الفلسطينية PAMA  وMedGlobal وهما منظمتان خيريتان أمريكيتان.

‪من الصعب إعطاء صورة منصفة عن شكل الحياة هناك، الفقر، والحالة اليائسة للأشخاص الذين يلتمسون الرعاية الطبية، وعبء العمل الهائل للعالمين في القطاع الصحي يفوق التصور؛ فتجد الواحد منهم نفسه معلقة ما بين اهداء الابتسامة والأمل كل يوم للمرضى، وبين تحصيل لقمة العيش الصعبة.

لقد زرت وبصفتي أخصائياً في علاج الأورام في الولايات المتحدة مستشفى الرنتيسي، وهو مركز علاج السرطان الرئيسي، هناك نقص حاد في عدد الموظفين والمعدات والأدوية، لديهم (608) طفلًا يتلقون العلاج من مرض السرطان من قبل اثنين فقط من أطباء الأورام، اثنين فقط وثالثهما الأمل والعزيمة، هناك (6500) مريضًا بالغًا يعانون مرض السرطان ويتلقون العلاج في مستشفى الرنتيسي والمستشفى الأوروبي من خلال خمسة أطباء فقط متخصصين في علاج الأورام، وكما هو معروف فإن العلاج الإشعاعي جزء طبي لا يتجزأ من مراحل علاج السرطان لكنه غير متوفر بالحد الأدنى، وكذلك فإن 58% من أدوية العلاج والأدوية المسكنّة غير متوفرة، وهذا يجعل الأمر أكثر تعقيدًا. في اليوم العادي، ولكم أن تتخيلوا أن طبيب الأورام عليه أن يتابع يوميًا من (80-100) مريض بمعدل دقيقتين لكل مريض، وأن كل ممرضة في قسم العلاج الكيميائي يقع على مسؤوليتها متابعة (8-10) مرضى في نفس الوقت، ولا يقتصر دور الممرضة على إعطاء الأدوية والعلاجات بالمعنى المجرد، إنما يتعداه إلى مسؤولية التثقيف الغذائي والرعاية والدعم النفسي والتدريس في بعض الأحيان.

تتمثل المعاناة في قطاع غزة في المجال الطبي في عدم الحصول على الأدوية اللازمة والعلاجات التخصصية لأعداد كبيرة من المرضى، وأمّا السفر عبر الحدود لتلقي الخدمة والرعاية في مراكز تخصصية حول العالم فضرب من الخيال نظرًا لحالة الحصار والتضييق والخنق. لقد شهد زملائي المتطوعون نفس النقص في مستشفيات الشفاء وناصر، وتقتصر خدمة الكهرباء للسكان بما فيها المستشفيات على أوقات معينة خلال اليوم. ومن القصص المثيرة التي واجهتنا أن أحد أعضاء فريقنا الطبي قد علق في مصعد أثناء انقطاع التيار الكهربائي، بدا ذلك مثيرًا للقلق، الى أن اخبرني جرّاح محليّ أنه كان في منتصف عملية جراحية للعيون أثناء انقطاع التيار الكهربائي فاضطر إلى استخدام الضوء من هاتفه لإكمال العملية الجراحية.

خلال أسبوع واحد قضيته في غزة، رأيت أشخاصاً يكافحون لجعل عجلة الحياة تعمل بشكل أفضل رغم الظروف المستحيلة التي تزداد وتيرتها يومًا بيوم، لكن ما علق في ذهني دومًا، وعلى الرغم من هذه الظروف، هو مقدار الكرم والدفء الذي تقاسمه المواطنون في غزة معنا. غمرتنا سيدة مسنّة مريضة بالدعاء لنا عندما اكتشفت سبب وجودنا بينهم، كانت صلواتها تنزل على صدورنا مثل قطع الثلج رغم حرارة معاناتهم التي شعرنا بها، أمّا الأطفال فقد كانوا يتجمعون من حولنا بينما كنا نسير في السوق، فيمطروننا بعبارات التحيّة والترحاب بمفرداتهم الإنجليزية المتواضعة واللطيفة جدًا، كان ذلك مليئًا بالود والجمال، ما زلت أذكر الطفل الصغير (علي) الذي طلب مني أن أعلّمه كيف أقول بعض الجمل لتحسين لغته الإنجليزية.

في غزة، التقيت بالعديد من الأطباء والممرضات والمرضى والأشخاص البسطاء الذين طلبوا منّا أن نحمل باسمهم رسالة إلى أحرار العالم عنوانها الأمل والسلام والحب، المفارقة أنني نشأت في نابلس التي لا تبعد سوى بضع عشرات الكيلومترات من قطاع غزة، لكنه لم يُتح لي كفلسطيني زيارتها إلا مرتين، وكما هو معروف فإن مليوني مواطن غزّيّ يعيشون في مساحة لا تزيد عن 365 كيلومترًا مربعًا من أصل خمسة ملايين فلسطيني يتقاسمون الأرض في الضفة والقطاع، وهي بذلك تكون ثالث أكثر الأراضي كثافة بالسكان في العالم.

هل عرفتم لماذا ذهبت إلى غزة؟ لإنهم يستحقون -مثل كل شعوب العالم- الرعاية الطبية، ذهبت بدافع تقديم المساعدة الطبية والمساعدة في بذل ما أستطيع مع زملائي لتطوير القطاع الصحي في تخصصاتنا، كانت مهمّة إنسانية رائعة، وسأعود لأرتشف مجددًا من معاني الحب والأمل والسلام، وأتذوّق طعم الامتنان والجمال، سأعود لألتقي مرة أخرى بالرائعين والملهمين.