هل نحتاج إلى كل هذه المدونات الفقهية؟

الخميس 03 أكتوبر 2019 04:52 م بتوقيت القدس المحتلة

استوقفني ذات مرة عنوان موسوعة من اثني عشر مجلداً في أحكام الطهارة، تعجبت من هذا الإبحار في مسألة لم تستغرق أكثر من آيات معدودات في القرآن، وهي قبل ذلك مسألة تتكفل الفطرة بمعالجتها، وإن اقتضت إرشاداً فإن بضعة أحكام كافية لتصويب مسارها.

وفي خطبة جمعة عدَّ الخطيب أزيد من أربعين مقولةً يتداولها الناس في لغتهم المحكية العفوية قد توقعهم في الشرك.. خطر ببالي ماذا لو لم يتحدث الخطيب في هذه القضايا وهي منتهى علمه في الدين؟ إن مبرر وجوده سيكون مهدداً؛ لأن تعظيم خطر هذه القضايا هو الذي يعطيه دوراً في الحياة ويشعر الناس بالحاجة إليه، الأمر ليس فردياً بل هي مؤسسة ذات سلطة وامتيازات، وكي تحتفظ هذه المؤسسة بسلطتها فإنها تحتاج دائماً إلى إشعار الناس بأهمية وجودها لنجاتهم وتعظيم أهمية دورها.

لست ضد التصويب، والذائقة اللغوية الصحيحة تنكر الخطأ، لكن موطن النقد هو تضخيم معالجة جوانب هامشية في الحياة على حساب قضايا أكثر إلحاحاً، وتحول معالجة تلك القضايا الصغير إلى مؤسسة ضاربة الجذور.

إزاء كل قضية مستجدة في الحياة يتصدر "الفقهاء" للبحث عن تأصيل فقهي، وبدعوى الالتزام بأحكام الدين يقعّدون القواعد والضوابط والأحكام، وهو ما ينمي شعوراً بأن الأصل في الحياة هو التقييد والضبط والربط

إزاء كل قضية مستجدة في الحياة يتصدر "الفقهاء" للبحث عن تأصيل فقهي، وبدعوى الالتزام بأحكام الدين يقعّدون القواعد والضوابط والأحكام، وهو ما ينمي شعوراً بأن الأصل في الحياة هو التقييد والضبط والربط، وأن الدين لا يقر في الإنسان عفويته وتلقائيته.

يودع النمط الفقهي السائد في عقل وشعور المسلم أنه في حاجة إلى رخصة دائمة من الفقيه ليكون قادراً على تدبر شؤون حياته، وأنه سيضيع دون توجيه هذا الفقيه له، فكل صغيرة وكبيرة تحتاج إلى فتوى شرعية أو إلى أحكام وضوابط، من قبيل الدخول إلى الإنترنت، وأحكام السفر والهجرة، وضوابط الترفيه عن النفس، وضوابط عمل المرأة، ومحظورات الأقوال، ونحو ذلك من آلاف المسائل التي لا يعجز العقل الفقهي عن إنتاج المزيد منها كل يوم.

إن معضلة تشنج المسلمين إزاء تطورات الحياة ليست جديدةً، والقرون الأخيرة حافلة بالقصص الساخرة لتحريم كثير من الابتكارات التي غدت لاحقاً من بديهيات الحياة التي لا يخطر ببال عاقل إخضاعها للنقاش، وهو ما يعني أن حركة الحياة هي التي تنتصر في نهاية المطاف، وأنها أقوى من محاولات وقفها أو محاصرتها.

معضلة تشنج المسلمين إزاء تطورات الحياة ليست جديدةً، والقرون الأخيرة حافلة بالقصص الساخرة لتحريم كثير من الابتكارات التي غدت لاحقاً من بديهيات الحياة التي لا يخطر ببال عاقل إخضاعها للنقاش

 

تحكي قصص القرون الأخيرة أن الطابعة كانت محرمةً في بلاد المسلمين، وهو ما حرم المسلمين من اللحاق بركب الإنتاج المعرفي، وأن شرب القهوة شهد نزاعاً فقهياً استغرق زمناً طويلاً، واعتبر صنبور المياه بدعةً تقود إلى الضلال. ويقال إن سبب تسمية الصنبور بالحنفية هو أن المذهب الحنفي وحده الذي كان قد أباح استعمالها وأجاز الوضوء منها.

كذلك شهد تعليم النساء نزاعاً فقهياً، فوضع الفقيه العراقي نعمان الألوسي في نهاية القرن التاسع عشر كتاباً عنوانه "الإصابة في منع النساء من الكتابة"، جاء فيه أن تعليم النساء القراءة والكتابة يلحق بهن الضرر، وسيكون وسيلةً لمعرفتهن بوسائل الغدر والخيانة وكتابة الرسائل إلى العشاق. وقال: "اللبيب من الرجال هو من ترك زوجته في حالة من الجهل والعمى، فهو أصلح لهن وأنفع".

أما الدراجة، فيقال إن فريقاً من المشايخ في مدن وقرى نجد قد أسموها "حصان إبليس"، ظناً منهم أن الشياطين هي التي تدفعها.

موطن الخلل هو عدم فقه رسالة الدين في سياقها الصحيح من الحياة، فيظن أصحاب مدرسة "الضوابط والأحكام والتأصيل الشرعي والرفض التلقائي لكل جديد ما لم يأت دليل الإباحة"؛ أن الدين جاء لينتزع الإنسان من الحياة ويفصل له لباساً ضيقاً محدداً، في حين أن الأصل في الحياة هو الإباحة والانطلاق وتلقائية التفاعل معها. والدين طاقة روحية إيجابية تنسكب في النفس أثناء سيرها في الحياة، فيمنحها رضىً وطمأنينةً وسلاماً، ويهذبها عن البغي والفجور والظلم والعدوان، دون أن يعطل تفاعلها الإبداعي.

يظن أصحاب مدرسة "الضوابط والأحكام والتأصيل الشرعي والرفض التلقائي لكل جديد ما لم يأت دليل الإباحة"؛ أن الدين جاء لينتزع الإنسان من الحياة ويفصل له لباساً ضيقاً محدداً، في حين أن الأصل في الحياة هو الإباحة

إن قصة آدم والشجرة ذات دلالة رمزية مهمة، فقد قال الله له ولزوجه: "..وكلا منها رغدا حيث شئتما ولا تقربا هذه الشجرة..". إن الفرق بين مساحة الانطلاق والتمتع والإباحة وبين مساحة القيد في الدين؛ هو مثل الفرق بين مساحة الأشجار التي أبيح لآدم الأكل منها والشجرة الوحيدة التي نهي عن الاقتراب منها!

حين يذكر الله تعالى المحرمات في القرآن فهو يذكرها بصيغة الحصر والقصر: "قل إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ". هذه الصيغة تدل على أن كل ما هو خارج هذه الدائرة المحدودة هو مباح لا يسأل عن رخصة لممارسته. وقد استنبط العلماء قاعدةً يحفظها أكثر المسلمين، وهي أن الأصل في الأشياء الإباحة ما لم يرد دليل التحريم، لكن هيمنة التدين الفقهي قد عطل هذه القاعدة عملياً، إذ يشعر المسلم دائماً بأنه في حاجة إلى السؤال عن رخصة قبل ممارسة أنشطة حياته، وهو ما أضر بالطاقة العفوية الإيجابية وبحرية الإبداع.

من الأقوال التي نحفظها أيضاً أن الدين هو دين الفطرة، ومن أجل ذلك كانت تعليمات القرآن والنبي محمد صلى الله عليه وسلم موجزة: "قل آمنت بالله ثم استقم"، فمثل هذه الكلمات الأربع اليسيرة كافية لإصلاح حياة المرء لأن الإيمان هو شعور قلبي ينبع من داخل الإنسان، والاستقامة يعرفها الناس بالفطرة، فلو ترك مجموعة من المؤمنين بالله واليوم الآخر في قرية دون كتاب فقهي واحد ودون فقيه واحد لوسعهم أن يستقيموا في حياتهم؛ لأنهم يعرفون بالفطرة أن الكذب والخيانة والغدر والقتل والإفساد وغمط حقوق الآخرين ذنوب يحاسب الله عليها، لذلك كان شرط النجاة في الميزان القرآني واضحاً وبسيطاً: "الذين آمنوا وعملوا الصالحات"؟ ولا يظن عاقل أن المرء البعيد عن شروح الفقهاء ومتونهم سيكون عاجزاً عن عمل الصالحات.

البحث عن " التأصيل الشرعي" لكل قضايا الحياة يطفئ جمال الإيمان الروحي ويحوله إلى قواعد قانونية جامدة، والقرآن يمنح الأولوية لإيقاظ الشعور الداخلي للإنسان حتى يصير للمؤمن فرقان ذاتي يعرف به الحق من الباطل والهدى من الضلال: "ربكم أعلم بما في نفوسكم.."، "..و الله خبير بما تصنعون"، ".. وكان الله سميعاً بصيراً".

إن إشعار المسلم بالحاجة الدائمة إلى نيل رخصة فقهية يعطل إقدامه في الحياة ويكوِّن منه شخصيةً مرتابةً، وهو ما ينتج أمةً غير فاعلة حضارياً، إذ إن أفرادها مسكونون دائماً بالريبة من الإثم والخشية من تجاوز الحدود، وهي خشية مذمومة غير الخشية المحمودة من الله. فالخشية من الله تمنع صاحبها من الظلم والإفساد دون أن تعطل فاعليته في الحياة، أما هذه الريبة فمنشؤها عدم الجرأة على تجاوز النمط السائد.

الذين يهتمون بالتفصيلات الفقهية الصغيرة هم أنفسهم الذين لا يُسمع لهم صوت في مناهضة الظلم والإفساد والجرأة على الشهادة بالحق، وهو ما ينتج نسخةً مشوهةً من الدين

يتمثل ضرر "البحث عن تأصيل شرعي لقضايا الحياة العادية" في أنه يضعف من حضور مسائل الدين الكبرى، فالقرآن يهتم بقضايا القوامة بالحق والعدل والإصلاح في الأرض والإنفاق في سبيل الله والجهاد وفعل الخيرات، والنهي عن الإفساد والظلم والعدوان، لكن الواقع أن الذين يهتمون بالتفصيلات الفقهية الصغيرة هم أنفسهم الذين لا يُسمع لهم صوت في مناهضة الظلم والإفساد والجرأة على الشهادة بالحق، وهو ما ينتج نسخةً مشوهةً من الدين تؤدي دوراً وظيفياً في الحفاظ على الواقع المختل؛ لأنها تصرف غيرة الناس عن مواطن انتهاك حرمات الله الحقيقية، مثل الإفساد والظلم وتشعل غضبهم في مواطن لا تهدد مصالح أصحاب النفوذ، فيغضب المتدين من رقص الشباب في حفل عرس أشد من غضبه على سرقة ثروات بلد كامل من الطبقة الحاكمة.

إن كلمة "انتهاك حرمات الله" ذاتها قد تشوهت في المخيال العام، فإذا سمعت هذه الكلمة سرعان ما تبادر إلى الخاطر الذنوب الفردية، دون الجرائم الكبرى المتمثلة في شيوع الظلم والإفساد وأكل الأموال بالباطل.

ثورة الدين الجوهرية هي أن ينشئ في قلب المؤمن صلةً روحيةً متينةً بالله تعالى تمنحه السكينة والطمأنينة، ثم تفيض هذه المحبة في الأرض عدلاً واستقامةً وإصلاحاً وغضباً على الظلم والإفساد. إن قولبة الناس من الخارج هي أقرب إلى بناء نظام شمولي منها إلى تحقيق الغاية الجوهرية للدين، لذلك فإن حاجة المؤمن إلى إيقاظ أشواقه الروحية أشد وأنفع من حاجته إلى مزيد من الشروح الفقهية والتأصيلات الشرعية.

والله أعلم.