لماذا تستمر المجتمعات بانتخاب الفاسدين؟!

الخميس 03 أكتوبر 2019 05:04 م بتوقيت القدس المحتلة

لماذا تستمر المجتمعات بانتخاب الفاسدين؟!

بقلم الباحثة والحقوقية: إيمان أبو زعيتر

يقول منطق الأمور إن المجتمعات بطبيعتها تبحث عن انتخاب الشخص الصالح والنظيف الذي لا تحوم حوله شبهات الفساد، لكي يتولى شؤون البلاد ويطوّر اقتصادها ويخّلصها من الفساد المالي والإداري. ولكن الواقع السياسي قد لا يبدو بهذا الإشراق، بل على العكس تماماً، يقوم كثير من الناس، خاصة في الدول النامية أو حديثة العهد بالديمقراطية، بانتخاب أو إعادة انتخاب سياسيين تحوم حولهم شبهات فساد، أو حتى ثبتت عليهم التهمة. في هذا السياق، ربما تكون تونس هي أحدث مثال على هذا الواقع، حيث حصل المترشح في الانتخابات الرئاسية التونسية نبيل القروي على ثاني أعلى نسبة أصوات رغم وجوده في السجن على ذمة التحقيق في قضايا فساد مالي. فلماذا لجأ نسبة كبيرة من التونسيين إلى انتخاب القروي دون غيره رغم شبهات الفساد التي تحوم حوله؟ وهل تونس هي الحالة الديمقراطية الوحيدة التي يصل فيها متهم بالفساد إلى الدورة الثانية من الانتخابات الرئاسية ويقترب من سدة الحكم؟

في الحقيقة فإن مثال تونس ليس استثناء، بل هو حالة طبيعية ومتكررة وفقاً لكثير من الدراسات والأبحاث الأكاديمية التي تناولت دراسة حالات مشابهة لفهم سبب قيام المجتمعات -خاصة حديثة العهد بالديمقراطية- بالاستمرار في انتخاب أو إعادة انتخاب أشخاص تحوم حولهم شبهات بالفساد المالي. لا غنى عن التأكيد هنا، أننا نتحدث عن مجتمعات ديمقراطية صاعدة وليس عن ديكتاتوريات أو ديموقراطيات مزعومة تُشرى فيها الأصوات وتُزّور فيها النتائج. بالتالي نحن نسعى للإجابة في هذا المقال عن أسباب قيام الناس بكامل وعيهم وإرادتهم بانتخاب أشخاص فاسدين وليس حالة صعود الفساد في جو ديكتاتوري. في هذا المقال استعرض ثلاثة أسباب رئيسة لمحاولة فهم هذه الحالة بشكل أكبر.

أولاً: موثوقية المعلومة وتأثير الإعلام

هناك سبب آخر قوي ومؤثر بشكل كبير خاصةً في الدول حديثة العهد بالديمقراطية، وهو الانتماء الحزبي وغياب الوعي السياسي. وهنا نحن لا نتحدث عن مدى تأثير الحزبية في حالة تونس فقط، بل في كثير من الدول الديمقراطية

يعرف الناس عادةً عن الفساد المالي لشخص أو لحزب ما بطريقين، مباشر وغير مباشر. فقد يتعرض الشخص لمحاولة ابتزاز مالي من قبل الشخص الفاسد بشكل مباشر وفردي، كإجباره على دفع الرشاوى مقابل الحصول على خدمة أو التهرب من مسؤولية أو غير ذلك من أساليب استغلال الأشخاص مادياً من أجل مصالح شخصية، وهكذا يعرف الشخص بفساد ذلك المسؤول بطريقة مباشرة. أما المصدر غير المباشر فيتمثل فيما يسمعه ويشاهده الناس عبر وسائل الإعلام المختلفة والحملات الدعائية أو حتى التهم القضائية.

وفي حين أن المصدر المباشر لا جدل فيه، فإن المصدر غير المباشر مفتوح للتكذيب والتشكيك والطعن، وهذا تقريباً ما حدث في حالة نبيل القروي. فموقع القروي في الإعلام التونسي (فهو مؤسس شركة "قروي آند قروي" للإعلام والإشهار عام 2002 ومالك فضائية نسمة تي في والتي حظيت بشهرة ومتابعة واسعتين بعد اندلاع الثورة عام 12011)، سمح باستخدام وسائله الإعلامية في نفي التهم الموجهة له والتركيز على كونها لعبة سياسية من قبل الأحزاب المنافسة التي تسعى لإزالته عن طريقها كونه منافس قوي. وساعده في ذلك، أن إلقاء القبض عليه تم قبل أيام قليلة فقط من بدء حملته الانتخابية، رغم أن التحقيق في القضايا التي كانت رفعتها مؤسسة "أنا يقظ" المستقلة والمعنية بمكافحة الفساد ضده كان قد بدأ منذ 2017. دفع هذا حزبه والمروجين لحملته إلى استخدام هذا التوقيت للاستدلال بأن القبض عليه هو لأسباب سياسية بحتة، مشككين باستقلالية القضاء.   

إن السياق الذي جاءت فيه قضية القروي من حيث التوقيت ومن حيث الجهات التي اهتمت بنشر أخبار اتهامه بالفساد في ظل أجواء انتخابية محمومة، جعلت أثر هكذا معلومة محدوداً نسبياً بالنسبة للناس الذين لم يقتنعوا، ربما، بمدى جدية هذه الاتهامات، لا سيما أن القضية ما زالت منظورة أمام القضاء ولم يتم البت فيها. ولقد يعيننا على تفسير سلوك الناس في هذه الحالات ما توصلت إليه دراسات عديدة أجريت على مجتمعات مختلفة، تقول بأن مدى ثقة المجتمع بمصدر المعلومة، له دور كبير في تحديد أثرها على هذا المجتمع وردود فعله عليها.

ففي البرازيل وأثناء انتخابات المجالس البلدية عام 2008، صدرت تقارير عن لجنة مكافحة الفساد المستقلة حول مدى وجود فساد مالي لدى المحافظين وأعوانهم في المناطق البلدية المختلفة. ومما لوحظ، أنه وفي المحافظات التي نشرت فيها إذاعة الراديو المحلية، والتي تحظى بموثوقية عالية لدى جمهور الناخبين، نتائج تقرير لجنة مكافحة الفساد، فإن نتائج الانتخابات قد تأثرت فيها بشكل كبير. وبحسب دراسة إحصائية أجريت في ذلك الحين، فإنه وفي حالة وجود محافظين اثنين من منطقتين مختلفتين، لم تثبت عليهما تهم فساد، ارتفعت احتمالية إعادة انتخاب المحافظ لدورة ثانية بنسبة 17% في حالة قامت الإذاعة الرسمية المحلية بنشر نتائج التقرير، مقارنة بالمحافظات التي لم يتم فيها نشر تقارير اللجنة من قبل الإذاعة. أما في الحالات التي ثبتت فيها تهم الفساد المالي، فإن فرصة المحافظ بالفوز انخفضت بشكل مهوول. وقد جرى تعميم نتائج هذه الدراسة على كثير من دول أمريكا اللاتينية الأخرى، والتي أكدت كلها على أن إيصال معلومة الفساد المالي من مصادر يثق فيها المجتمع له تأثير كبير على نتائج صناديق الاقتراع2.

ثانياً: الحزبية ومدى الوعي السياسي

غير أن وجود المعلومة ووصولها من مصادر رسمية موثوقة قد لا يكون كافياً من الناحية العملية لردع الناس عن انتخاب أو إعادة انتخاب المتهمين بالفساد. فهناك سبب آخر قوي ومؤثر بشكل كبير خاصةً في الدول حديثة العهد بالديمقراطية، وهو الانتماء الحزبي وغياب الوعي السياسي. وهنا نحن لا نتحدث عن مدى تأثير الحزبية في حالة تونس فقط، بل في كثير من الدول الديمقراطية. فعلى سبيل المثال، أجريت دراسة في إسبانيا عام 2013 حول مدى تجاهل الأشخاص لفساد المسؤول إذا كان من ذات الحزب الذي ينتمون له. وقد أفادت النتائج الصادمة للدراسة بأن الأشخاص يميلون لتجاهل فساد مرشحي الحزب الذي ينتمون له، في حين يعاقبون بشدة أي مرشح متهم بالفساد في حال كان ينتمي لحزب معارض3.

ولعل استقراء الحالة في العديد من الدول العربية يبين بوضوح مدى دقة نتائج هذه الدراسة، حيث أن تصاعد التعصب الحزبي والتشظي الذي حصل على مستوى المجتمعات العربية خلال الأعوام القليلة الماضية وانقسام المجتمع بشكل قاسٍ عموديا وأفقيا بين تيارات علمانية وإسلامية ويسارية متصارعة، جعل منتمي كل جهة يغضون الطرف عن الأخطاء أو حتى الجرائم أو شبهات الفساد التي يمكن أن يكون قد قام بها قادتهم، مقابل التنكيل الإعلامي والسياسي بالخصم وتكبير خطاياه إلى أبعد حد. ولا يقتصر هذا الأمر على مستوى الانتخابات العامة وأجوائها، بل حتى على كافة المستويات بما في ذلك الانتخابات البرلمانية والبلدية وحتى النقابية، حيث يطغى الانتماء الحزبي أو الأيدلوجي أو حتى العشائري على تهم الفساد والواسطة والمحسوبية.

وإلى جانب ذلك، تفيد مراقبة هذه الظاهرة عن كثب ببُعد آخر. كلما زاد الوعي السياسي والمستوى العلمي لدى أفراد الحزب، كان موقفهم من قضايا الفساد التي تخص قادتهم أكثر اتزاناً وميلاً نحو الرفض والمطالبة بالمحاسبة والمعالجة. ولذلك، نجد أن الأنظمة الرسمية سعت في المقابل إلى تبسيط الخطاب المناهض للمعارضة إلى أدنى مستوى بحيث يصل إلى أبسط الجهات وأقلها وعياً، وهي بطبيعة الحال الشريحة الأوسع في العديد من الدول، كما أنها الشريحة الأقل قدرةً على اتخاذ قرار برفض الفساد السياسي والمالي الذي قد يمارسه قادة الدولة أنفسهم. وتتفق هذه النظرة تماماً مع ما أفادت به الدراسة سابقة الذكر والتي أجريت في إسبانيا، حيث لوحظ أنه في الحالات التي اتسم فيها الشخص بمستوى تعليمي أعلى، كانت قدرته على اتخاذ قرار محايد تجاه المسؤولين الذين ينتمون لنفس حزبه والمتهمين بالفساد أكبر.

ثالثاً: الثقة بقدرة الشخص على إحداث نقلة اقتصادية نوعية

يميل الناس في كثير من الأحيان إلى التغاضي عن تهمة الفساد في حال كانت ثقتهم بالمرّشح كبيرة من حيث قدرته على تحسين وضعهم الإقتصادي، لا سيما أننا نتحدث هنا عن بلدان ديمقراطية نامية. ويحصل ذلك عادةً من خلال المشهودية للشخص بالكفاءة في إدارة الأعمال وامتلاكه لمؤسسات كبيرة ناجحة أو إسهامه في مشاريع خيرية كبيرة على مستوى الدولة، أو في حالة كان الوضع الاقتصادي قد انتعش بالفعل في الدورة الأولى للشخص الذي كان قد انتُخب بالفعل ويرغب في الترشح لدورة ثانية4.

إن أعمال الخير التي كان يقوم بها نبيل القروي واقترابه من الفقراء والمهمشين ووعدهم بتحسين أوضاعهم وإنقاذهم من الفقر الذي يقبعون فيه قد يكون جزءاً لا يستهان به من نجاح القروي في الحصول على ثاني أعلى نسبة أصوات في الانتخابات الرئاسية رغم الشبهات التي تحوم حوله. وفي إجابات صادمة من حوالي 600 مليون شخص من 18 دولة لاتينية، قال ما يزيد على 54% من الأشخاص الذين استُطلعت آراؤهم إنهم ليس لديهم مشكلة في دعم حكومة ديكتاتورية في حال كانت ستحّل مشاكلهم الإقتصادية. 40% آخرون قالوا إن النمو الإقتصادي أهم من الديموقراطية بالنسبة لهم، في حين رأى 42% أن الحكومة يجب أن تُعامَل كسلطة فوق القانون. وفي دراسة مشابهة أجريت عام 2015 بينت أن المجتمعات غالباً ما تقبل الفساد المالي من حكوماتها في حال كان الوضع الاقتصادي جيداً أو كان الناس يستفيدون من تخفيض في الضرائب أو يثقون بوعود بإصلاحات اقتصادية قادمة5. 

كما أن عدم وجود بديل نظيف يمكن أن يحقق نفس النتائج الإقتصادية، يعطي قوة أكبر للحزب أو المرشح الفاسد لكي يتصدر دوائر الإقتراع. حيث تقبل كثير من المجتمعات بالفاسدين وتنتخبهم ليس لقبول تلك المجتمعات بالفساد ذاته، ولكن لعدم وجود بديل أنظف أو ذو مصداقية أعلى يخوض الانتخابات ويحقق ذات النتائج الاقتصادية المرجوة. في هذه الحالات، يميل الناس غالباً إلى الخيار الأقل سوءاً بالنسبة لهم، وهو من يمكن أن يحقق أفضل نتائج اقتصادية، متجاهلين أثر الفساد المالي على المدى الطويل6.

هل المجتمعات محقّة في اختيارها للفاسدين إذن:

مما لا شك فيه أن الفساد المالي نتائجه وخيمة على الدول، فبالإضافة إلى تأثيره على الوضع الاقتصادي العام، خاصة على المدى الطويل، فهو يعيق تحقيق العدالة في توزيع الموارد ويؤدي إلى ارتفاع معدلات الفقر بين الناس، ويخلق جواً من انعدام الثقة بين المواطنيين والجهات الحكومية. إن القصور في إدراك هذه الحقائق والاستهانة بها كان أحد الأسباب التي أدت إلى الأزمة الاقتصادية في اليونان عام 2008 والتي أثرت على العالم أجمع لتتحول إلى أزمة عالمية وخيمة يكاد لم يشهد عصرنا الحديث مثلها. بدأت القصة من تساهل الناس مع الفاسدين وإعادة انتخابهم رغم ثبوت فسادهم في مقابل تخفيض الضرائب والوعود بتحسن اقتصادي قريب، لتتفجّر بعد ذلك أزمة رزح تحتها اليونان سنوات طويلة وأدت إلى ركود مهول على مستوى الدولة كان له تأثير كبير على مستوى الاقتصاد العالمي ككل7. وتقع مسؤولية كبرى على الأحزاب والنقابات والمؤسسات الإعلامية ومؤسسات المجتمع المدني المختلفة لقرع ناقوس الخطر حول هذه الحقيقة المهمة، والعمل على رفع مستوى الوعي السياسي لدى المواطنيين وتوضيح نتائج الفساد على المدى الطويل بما يحقق ديمقراطية فعّالة تساهم في محاسبة الفاسدين وتجريمهم بدلاً من انتخابهم وترميزهم.

----------------------------------------------------------------------------------------------------------------

المراجع:

1- نبيل القروي.. رجل التسويق المخضرم

2     Ferraz, C. & Finan, F. (2008). Exposing Corrupt Politicians. The Effects of Brazil's Publicly Released Audits on Electoral Outcomes. Quarterly Journal of Economics 123(2):703–745.

3     Anduiza, E., Gallego, A. & Munoz, J. (2013). Turning a Blind Eye: Experimental Evidence of Partisan Bias in Attitudes Toward Corruption. Comparative Political Studies 46(12): 16641692.

4     Zechmeister, E., & Zizumbo-Colunga, D. (2013). The Varying Political Toll of Concerns about Corruption in Good versus Bad Economic Times. Comparative Political Studies. 46(10): 11901218

5     Carlin, Ryan E., Gregory J. Love, and Cecilia Martínez-Gallardo. 2015. Cushioning the Fall: Scandals, Economic Conditions, and Executive Approval. Political Behavior 37(1):109-130.

6- Xezonakis, G., Kosmidis, S. & Dahlberg, S. (2016). Can electors combat corruption? Institutional Arrangements and Citizen Behaviour. European Journal of Political Research, 55(1):160-176. De Vries, Catherine and Hector Solaz. Forthcoming. “The Electoral Consequences of Corruption”. Annual Review of Political Science.

7- Konstantinidis, Iannis and Georgios Xezonakis. 2013 Sources of Tolerance towards Corrupted Politicians in Greece: The Role of Trade-Offs and Individual Benefits. Crime, Law and Social Change, 60(5):549-563