المرأة من تمنحه الضوء الأخضر ليصبح مجرماً!

الخميس 03 أكتوبر 2019 05:06 م بتوقيت القدس المحتلة

اليوم وأنا أتجول بين أروقة الفيسبوك أقرأ خبراً مفاده أن شخصاً يضرب أخته بالمهدّة، فيهتك قدميها، ويفتت عظامها، ويحرمها من المشي من جديد، وربما تضطر للبتر، ولم يكتف بذلك، بل يهددها بالقتل أيضاً وهي قابعة في المستشفى بين مطرقة الألم الجسدي وسنديان القهر النفسي. وذلك العنف كله الذي تعرضت له كان فقط بحجة خروجها للبحث عن عمل بعد حبسها في البيت مدة ثلاث سنوات منذ طلاقها، إذ حبست ومنعت من المصروف، ومن رؤية أبنائها. تخيلوا معي امرأة في التاسعة والثلاثين من عمرها تبقى حبيسة البيت مكلومة الفؤاد بفراق أولادها تُمنع من الخروج والعمل، وكأنها قطعة أثاث بل أقل درجة، فقطع الأثاث في بيوت الأثرياء قد لا يمر عليها ثلاث سنوات في نفس المكان.

امرأة في التاسعة والثلاثين لا تملك أبسط قراراتها الشخصية، تخضع لحكم أشباه الرجال ليس لشيء إلا لكونهم ذكوراً.. ذكوراً ينسون أنهم متساوون مع الأنثى في الإنسانية والحقوق القانونية. وبعد كل هذا يخرج من هنا وهناك من يقول أن المرأة نالت كل حريتها وأكثر، ويخرج من يطالب بحرية الرجل تعبيراً عن المبالغة في نيل المرأة لحقوقها، وظلم الرجل! وأثناء قراءتي التعليقات على ذات المنشور وجدت رجلاً كتب حرفياً هذا التعليق: "إذا عاملة غلط الله لا يردها"!. وأي غلط أو خطأ يبيح لإنسان أن يسلب آخراً كرامته الإنسانية! أي خطأ يبيح لأخ أن يقذف أخته في حجارة الأذى والعقد النفسية! أي خطأ يمكن أن يمنح لأخ حقاً أن يتسبب لأخته بهكذا كارثة صحية! نعم لا بد أن نعترف أننا نعيش في مجتمع فقير بالإنسانية.. مجتمع يشع بتخلف أكثر خطراً من الأشعة فوق البنفسجية.

رسالتي اليوم للأمهات مربيات الأجيال.. ازرعن في أبنائكن المساواة منذ نعومة الأظفار. لا ضير أن يعتذر الأخ لأخته إن أخطأ بحقها. لا ينقص من شأنه أن يعد معها وجبة عشاء مثلاً من باب الحب والمشاركة

نحن في مجتمع لديه ثقب في العدالة وخرق في الهوية. كنا سابقاً أحراراً عندما كنا خير أمة، والآن نسقط رويداً رويداً في وحل العبودية. لكني هذه المرة لن أهاجم الرجال، ولا حتى أشباههم، ولن ألقِ عليهم كامل المسؤولية. وكم كان الشاعر صادقاً حين قال: "الأم مدرسة إذا أعددتها أعددت شعباً طيب الأعراق". فما كان ذلك من فراغ أو جهل بل عن دراية وحكمة ورويّة. كم من امرأة فرحت بولادة الذكر، وندبت حظها عندما أنجبت صبية! كم من امرأة زرعت في ابنها عن قصد أو جهل حب التسلط والذكورية، حتى ظن نفسه أكثر قدراً من الأنثى، وخطأه بسيط، وخطأها مصيبة وكبيرة وعار على البشرية. فالمرأة هي عدو المرأة الأكبر وفي الأولية. فلو ربَّت الأم على العدل والمساواة في الحقوق والواجبات لما سمعنا عن قصص ألف ضحية وضحية.. باسم الشرف أو الفورةِ الشرقية! لو أنها لم تُربِّ الذكر على أن له كامل الحرية فقط على أساس الذكورية.. لما خرج آباء وإخوة عديمي العطف والإنسانية والنخوة الحقيقية.

لو أن الأم منذ صغر الأبناء ربت الأخ أنه سند لأخته وكتف يسندها من الرياح العتية بدل أن تربيه أنه سيد وهي أقل قدراً.. مسلوبة الحرية لكان الأخ ستراً وأماناً وما تجرأ يوماً على إيذاء أخته أو التسلط عليها تحت أي ذريعة وهمية. وفي أسوء الأحوال إن أخطأت الأنثى فليست نهاية الدنيا، فكلنا خطاؤون، وأي خطأ يمكن تقويمه وعلاجه إن وجدت الاحتواء.. أما أن نبقى بعقلية أن الذكر يبقى ذكراً ويحل له ويغفر أي شيء، وخطأ الأنثى جريمة وعار. وكأن الأنثى حين تخطئ لا يشاركها ذلك ذكر! عندها سنظل نفيق كل يوم على خبر ضحية جديدة منها ما يُعَنون تحت بند الانتحار، أو الظروف الغامضة وأقبح الأعذار. إحداهن تقتل لأنها تطلب الطلاق، وأخرى لأنها وقعت ضحية علاقة عاطفية أو رفيقة سوء أو لأنها رفضت قيوداً مجتمعية لا تمت للدين بصلة.

فرسالتي اليوم للأمهات مربيات الأجيال.. ازرعن في أبنائكن المساواة منذ نعومة الأظفار. لا ضير أن يعتذر الأخ لأخته إن أخطأ بحقها. لا ينقص من شأنه أن يعد معها وجبة عشاء مثلاً من باب الحب والمشاركة. لا تتهاونن بأخطاء الأبناء الذكور وكنَّ تجاهها بنفس الحدة حتى لا يتكون بعقلهم الباطن أنه يسمح لهم ما تُمنع منه أخواتهم. علموهم أن يستقيموا أولاً حتى يطالبوا غيرهم بالاستقامة، فلا ينهوا عن خلق بالعلن ويأتوا مثله بالخفاء. علموهم على المصداقية والشفافية. تمنين لزوجات أبنائكن ما تحببنه لبناتكن. علمن أبناءكن أن الأنثى كيان مستقل، لا ينقص منه أن لا يرتبط بذكر فالأنثى بدون أخ أو أب أو زوج يمكن أن تكون وتنجح.. لن توضع عليها علامات الاستفهام إن خرجت للعلم أو العمل أو سافرت لأجله ما دامت تربيتكن سليمة وسوية.

تذكرن أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال "أمك ثم أمك ثم أمك ثم أبوك" في الجواب عن سؤال أحد الصحابة: يا رسول الله من أحق الناس بحسن صحابتي؟ وهذا جزاء وإثابة على حمل المسؤولية العظيمة في التربية السليمة القائمة على الدين السمح لا العادات والتقاليد التي لا يصلح جميعها لهذا الزمان. وكما قال علي بن أبي طالب كرم الله وجهه: لا تربوا أولادكم كما رباكم آباؤكم فإنهم خلقوا لزمان غير زمانكم".  وهذا لا يعني تغير القيم بل تغير المهارات الحياتية المتبعة، وأن العادات والتقاليد السابقة لن يناسب جميعها هذا العصر. فالناس سابقاً كانوا يعيشون في إطار ضيق وبيئة ضيقة محدودة أما اليوم ففي ظل وسائل التواصل الاجتماعي والعولمة التي نعيشها لن يكون حلاً أن نبقى في العصر القديم ولا نواكب الحاضر، لكننا لا نحتاج مواكبة الحاضر فقط في استخدام وسائل التواصل الاجتماعي فحسب بل نحن بأمس الحاجة لتعلم فنون التواصل مع القريبين منا.

الأنثى كائن من لحم ودم ومشاعر، وليس من الدين في شيء كبت شعورها، وإجبارها على حياة لا تريدها. الأنثى التي تفضل حياة تخلو من الحياة على أن تصبح مطلقة ويؤول بها الحال إلى نهاية صاحبة القصة المذكورة أعلاه لأن الأم في البيت ترضخ لكلام الزوج والأخ والابن والعم والخال، وتربي البنت أن طاعتهم واجبة ولو على حساب أي شيء فهم رجال قوامون! لو كانت الأم قوية وصاحبة كلمة لوقفت بجانب ابنتها، ولم تتستر على أي جرم بحقها حتى لو كان من أقرب الناس إليها.. إن سكوت الأمهات عن سوء أزواجهن، والتغاضي عن أخطاء أبنائهن هو ما آل بنا إلى هذا الحال، وأعيد وأكرر الأم هي التي تربي الرجال، هي من تزرع فيهم حب التملك والعدائية، هي من بتفضيلها لهم تجعل جيناتهم تمزج بالتهور والأنانية، والانفعال تحت بند العادات والتقاليد البالية. فنحن بحاجة لأمهات واعيات قادرات على اتخاذ قرار. أمهات يقفن بوجه الظلم والاستبداد الواقع على بناتهن، ويدافعن عن حقوقهن، ولا يلتزمن الصمت مهما كان الثمن.