الانتخابات.. المهدي المنتظر أم المسيح الدجال؟

الأحد 06 أكتوبر 2019 07:48 م بتوقيت القدس المحتلة

(1) المغناطيس السياسي

ينظر البعض الى ان الانتخابات أنها (الحل السحري) و( المسيح السياسي) الذي سيخرج البلاد من عنق الزجاجة, ويفتح لها ابواب المجتمع الدولي ويعزز الديمقراطية والشفافية ويبني نظاما سياسيا مستقرا وقويا.

وتصل ذروة (الهياج) السياسي الى ان يتحدى البعض الاخر : تعالوا الى صندوق الانتخابات كي يعرف كل منا حجمه !! وكأنها مسابقة لتحديد الاحجام السياسية !!

ويصر الرئيس ابو مازن على أن يطرحها أنها المخرج الوحيد الذي لا ثاني له ..وتنساق القوى السياسية والفصائل وراء هذا (المغناطيس) السياسي : الانتخابات , والانتخابات فقط , وتصل الفذلكة بالبعض ليطلب (انتخابات شاملة ومتزامنة) !!

والغريب أن البعض ينادي بها وهو ضد المشاركة فيها, والبعض الاخر المؤيد لها يجهر بضرورة التخلص من اتفاق اوسلو-الذي أفرز الانتخابات- باعتباره كارثة وطنية!!

تناقض غير مفهوم!!..

الاسئلة الكبيرة التي يجب ان تجيب عليها القيادات السياسية , بوعي وبدراسة ودون تسرع, قبل أن تقول نعم أو لا للانتخابات : هل تريدون اجراء انتخابات تحت حراب الاحتلال؟ ...هل ترون في بناء سلطة تحت الاحتلال منهجا صحيحا يمكن ان يقود لقيام دولة مستقلة ذات سيادة؟ .. هل يتناقض ذلك مع مشروع التحرر الوطني أم يصب لصالحه؟ ..وهل ستقود الانتخابات فعلا الى بناء نظام سياسي قوي ومستقر ؟؟

(2) لماذا الانتخابات معضلة ؟

لا خلاف ان الانتخابات بحد ذاتها وسيلة ديمقراطية واصلاحية لتنظيم الحياة السياسية, لكن هذا يكون في الوضع الطبيعي والمستقر, اما ان تكون الانتخابات تحت سلطة احتلال, كل همها وعملها اليومي اجتثاث الهوية الفلسطينية وسرقة الارض وبناء المستوطنات وتهجير المواطنين بل وتفريغ السلطة من مضمونها وتحويلها الى سلطة وظيفية, فهذا غطاء زائف وسلاح وهمي عاجز عن مواجهة كل هذه المخاطر.

لقد أجرينا انتخابات ديمقراطية ونزيهة عامي 1996 و2006, لكن هذا لم يغير من الواقع شيئا, ولم يردع الاحتلال عن ارتكاب الجرائم, ولم يدفع المجتمع الدولي( المتسلح بالشرعية الدولية!!) الى الوقوف الى جانب الفلسطينيين في تحقيق مشروعهم الوطني في الحرية والاستقلال.

لقد اختزل المجتمع الدولي نفسه في شيئين لا ثالث لها : قرارات غير قابلة للتنفيذ وتصريحات عقيمة لا أثر لها, لذا كل من يظن أن المجتمع الدولي سيصفق للانتخابات الفلسطينية وسيعترف بنتائجها ومن ثم سيشمر عن ساعديه لدعم الكيان الفلسطيني وردع اسرائيل ومعاقبتها فهو غارق في الوهم حتى أذنيه!!

المشكلة ان السلطة بنت كل (أوهامها) على مجتمع دولي- مشتت وغير متفق على موقف واحد-, سكت عن بناء المستوطنات وسوق منتجاتها في عواصمه , وصمت عن ضم القدس واكتفي ببيان هزيل ولم يتخذ أي اجراء عملي, وأغلق عينيه عن جرائم القتل اليومية , وفي المقابل كان يندد بكل صاروخ او عملية طعن ويصدر بيانات (شديدة اللهجة) !!

للاسف ان المجتمع الدولي (ريح نفسه) وألقى بالثقل على كاهل الولايات المتحدة والتي لم تعد تعترف بالفلسطينيين لا شكلا ولا مضمونا.

سأوجز معضلة الانتخابات في أريع نقاط :

أولا /ان الانتخابات هي جزء من الحياة السياسية والديمقراطية المستقرة, والتي تقود الى اقامة نظام سياسي يتمتع بصفات الاستقلالية والسيادة, وهذا مستحيل في وجود احتلال يتحكم بكل مفاصل الحياة السياسية والاقتصادية والامنية , وهذا ثابت بالتجربة الطويلة للسلطة الفلسطينية التي تحولت الى ما هو أقل من الحكم الذاتي.

ثانيا/ ان الانتخابات تعكس رغبة الشعب بعمومه , وهذه الانتخابات لا تسمح لأكثر من نصف الشعب الفلسطيني المشاركة فيها.

ثالثا/ وهي السؤال الاهم : لماذا نجري الانتخابات, والتي هي احدى افرازات اتفاق اوسلو, والذي اجمعت الفصائل – باستثناء فتح- على رفضه واعتباره كارثة على القضية الفلسطينية ؟ هل نعزز الرأي القائل بان الانتخابات ستوقف اتفاق اوسلو على قدميه من جديد؟.

رابعا/ الاجماع الوطني والمنطق والمصلحة الوطنية تقول انه لا يمكن اجراء انتخابات بدون توطئة وطنية وسياسية ,وان اجراءها في ظل الانقسام هو ضرب من الجنون والعبث والمغامرة غير المحسوبة.

خامسا/ ترى لو أجرينا الانتخابات هل ستتغير موازين وأحجام القوى والفصائل ؟ هل ستحدث طفرة في الخارطة السياسية؟ هل سينتهي الصراع المزمن بين حماس وفتح ؟ اذن ما الذي سيطرأ على النظام السياسي الفلسطيني أم أنه سيعود الى نقطة الصفر(استنساخ الفشل)؟

(3) العزل السياسي

من يعتقد ان الانتخابات يمكن ان تعقد معزولة عن باقي المكونات الوطنية ,كمن يتوهم انه يمكن بناء عمارة من عدة طوابق من غير أساسات متينة قادرة على حملها. فالانتخابات لا يمكن ان تقوم الا على قاعدة (أساس) برنامج وطني واضح ومحدد المعالم والتفاصيل والاليات والمراحل , والبرنامج الوطني هو القاعدة الصلبة القادرة على حمل الطابق الوطني الاول (منظمة التحرير) بكل هياكلها , والتي بدورها قادرة على حمل الطابق الثاني (النظام السياسي) بما فيها الحكومة والبرلمان والانتخابات , ثم الطابق الثالث (العلاقات الوطنية) التي يجب ان تخرج من دائرة الاستهلاك الذاتي والصراع الوهمي الى ساحة التكامل والتعاون والعمل المشترك.

هكذا تكون (العمارة) الوطنية شامخة قوية قادرة على مواجهة عواتي الرياح والعواصف

اما الانتخابات- لوحدها- فانها أعجز من أن (تشيل) الثقل السياسي بكل أعبائه وتعقيداته.

لهذا انصح كل الذين يجرون وراء الانتخابات باعتبارها المنقذ الوحيد أن يستيقظوا من هذا (الحلم الجميل).!!

في مرحلة التحرر الوطني لا يجوز بناء أوهام ولا تسويق مغالطات تقود الى استعصاء أو الى طريق مسدود, كما أننا لسنا بحاجة في مرحلة التحرر الى استعراض العضلات والمنافسة في تقدير الاحجام السياسية للقوى والفصائل, ولا التسابق على من سيقود الحكومة او النظام السياسي, وانما هي مرحلة صياغة الرؤية الوطنية وتوحيد الجهود وحشد الطاقات وتحديد الاولويات.

(4) الحيطة مايلة !!

ان الحالة الوطنية قائمة منذ زمن بعيد على (حيطة مايلة), أو قل هي حسابات خاطئة, أي: رؤية ضبابية وحلول جزئية وتشرذم فصائلي ووسائل غير مجدية , لذلك فان سياسة الترقيع والحلول الجزئية واستنساخ تجارب الماضي لن تقود الا الى مزيد من الفشل .

هناك استعجال فلسطيني دوما – تحت وطأة الواقع – للخروج من عنق الزجاجة والبحث عن حلول سريعة, دون دراسة معمقة ودون استحضار لكل الابعاد الوطنية والاقليمية والدولية, مثلما حدث في اتفاقات اوسلو أو المصالحة أو التهدئة.

هذا هو السبب الرئيس لحالة الفشل الملازمة للحالة الوطنية.

لذلك لابد من هدم (الحيطة المايلة) وعدم البناء عليها او الاعتماد على قواعدها التي نخر فيها (السوس) !!

ان البداية الصحيحة ستقود الى نتائج صحيحة , والعكس صحيح.

الانتخابات لوحدها لن تكون خيارا ما لم تكون (ترسا) في منظومة وطنية تعمل ب(مولد جماعي) وتستمد وقودها من (استراتيجية وطنية).

لذا أتوا (البيوت من أبوابها) !!

الوطن ليس له الا بوابة واحدة : بوابة التوافق الوطني المؤدي الى رؤية وطنية شمولية.

دون اشتراطات.. دون أحكام مسبقة ..دون فرض مواقف أحادية.

ادخلوا من بوابة الحوار الوطني الجاد والمعد له, ومن ثم تصلون الى الرؤية الوطنية الجامعة وهي الوحيدة القادرة على الاجابة عن السؤال : هل نعقد انتخابات في مرحلة التحرر الوطني أم لا ؟