الحرب التي انسحب منها العرب وتصدى لها العجم!

الإثنين 07 أكتوبر 2019 07:01 م بتوقيت القدس المحتلة

الحرب التي انسحب منها العرب وتصدى لها العجم!

بقالم الباحث والكاتب السوداني: محمد عبد الجبار حسن

يقول الفيلسوف عبد الرحمن بن خلدون في مقدمته: "من الغريب الواقع أن حملة العلم في الملة الإسلامية أكثرهم العجم، وليس في العرب حملة علم لا في العلوم الشرعية ولا في العلوم العقلية إلا في القليل النادر، وإن كان منهم العربي في نسبه فهو أعجمي في لغته ومرباه ومشيخته مع أن الملة عربية وصاحب شريعتها عربي أي رسولنا الكريم محمد بن عبد الله". ويضيف "إن العرب إذا تغلبوا على أوطان أسرع إليها الخراب؛ والسبب في ذلك أنهم أمة وحشية باستحكام عوائد التوحش وأسبابه فيهم، فصار لهم خلقاً وجبلة، وكان عندهم ملذوذاً لما فيه من الخروج عن ربقة الحكم".

فالعرب قبل الإسلام كغيرهم من الأمم تأخروا كثيراً في اكتشاف الحضارة والثقافة والفنون إلا القليل منهم، لذلك وقتها لم يعرفوا الملك الذي تتولد منه السلطة والدولة بمفهومها البسيط، والتي تمثل حفظاً للحقوق ونظاماً اجتماعيا يحتكم فيه العامة إلى العرف والقانون القبلي، مع توفير الرعاية الكاملة والحماية لتلك الرعية، فعندما بعث رسول الله بالرسالة الخاتمة كان العرب على أصلهم من البداوة والقفار يتناحرون في ما بينهم، وفي الجانب الأخر كان للفرس والروم نظام ملكي ساد العالم وقتها، وعلى رأس كل أمبرطورية ملك مُطاع، وكان للحبشة أيضاً نظام ملكي متقدم حجز مكانه في بلاد الأحباش والسود.

عندما بدأ رسول الله يُبشر بدعوته تصدت له قريش وحاربته وآذته، بالرغم من أنه يريد أن يخرجهم من الظلمات إلى النور إلى نظام الرسالة والحضارة الإسلامية، فنصر الله الإسلام بغير العرب منذ وهلته الأولى فكان صهيب الرومي وبلال الحبشي وسلمان الفارسي من أوائل الذين دافعوا عن الإسلام وعن رسوله، وعندما اشتدّ الأذى بالمسلمين في مكه دعاهم النبي للهجرة إلى أرض الحبشة مادحاً ملكها بأنه ملكً لا يُظلم عنده أحد، فهنا يتبين فضل الأحباش في صدر الإسلام فهم من جعلوا الإسلام ينتشر وينمو، وذلك بفضل نظام حكمهم الذي كان يوفر العدل والحرية والسلام، ملك لا يُظلم عنده أحد.

أبداع وتميز العجم على العرب تجسد بعقلية متقدمة وسابقة لأوانها في ذلك الوقت، فعندما اجتمعت الأحزاب لغزو المدنية المنورة والقضاء على الإسلام، هنالك أبتُلى المؤمنين وزلزلوا زلزالا شديدا، فأشار الصحابي سلمان الفارسي إلى النبي بأن يحفروا خندقا حول المدنية وفعلوا ذلك، فعجزت الأحزاب من الوصول إلى المدنية فكان نصرا للمسلمين في تلك المعركة التي سميت بالخندق، هذا النوع من فنون الحرب لم يألفه العرب من قبل فهو ثقافة وفعل فارسي.

أيضاً يذكر التاريخ وبفخر كبير القائد صلاح الدين الأيوبي الكردي الأصل، الذي أطلق عليه ابن خلدون "خادم الحرمين الشرفين"، وذلك تعظيماً لدوره في الإسلام, ولم لا وهو الذي استرد أولى القبلتين بيت المقدس الشريف من الصلبين في تلك المعركة الشهيرة بمعركة حطين.

كذلك قدمت العثمانية للإسلام أصغر فاتح وزعيم شاب ذى الإحدى والعشرين ربيعاً، الأمير محمد الفاتح الذي فتح القسطنطينية التي كانت عصية على المسلمين منذ الفتوحات الأولى، إلى أن تحققت بُشرى رسول الله والذي قال فيها: "لتفتحن القسطنطينية فنعم الأمير أميرها ولنعم الجيش ذلك الجيش"، فأين الذين هم في ذلك العمر اليوم من القضية الإسلامية؟! أم أن اليوم خمر وغدًا خمر ولهو.

ما ذكرته آنفا من نبذة تمهيدية تاريخية مقتضبة عن دورغير العرب في الإسلام، ما هو إلا غيض من فيض حتى لا يتعجب جيلي من الشباب اليوم من أفعال هؤلاء العجم من تصدي للقضايا الإسلامية والدفاع عن مكتسباتها، في ظل تقاعس وتخاذل عربي مريب مقرون بتحييد كامل للمناهج والمراجع والبحوث الحديثة للحديث عن الأرث التاريخي للإسلام العربي فقط دون إعطاء كل ذي حقٍ حقه.

في خاتمة أعمال الجمعية العامة للأمم المتحدة الدورة الحالية بنيويورك صرح رئيس الوزراء الباكستاني عمران خان، أنه اتفق مع الرئيس التركي رجب طيب أردوغان ورئيس الوزراء الماليزي مهاتير محمد، على تأسيس قناة تليفزيونية ناطقة باللغة الإنجليزية من أجل مكافحة التحديات التي تشكلها ظاهرة الإسلاموفوبيا وتصحيح المفاهيم الخاطئة عن ديننا العظيم الإسلام.

فعمران خان لم تمنعه أزمة إقليم كشمير من المبادرة في طرح قضايا ذات تأثير عالمي كبير وكذلك أرودغان لم يرفضها بحجة ضعف اقتصاده وتهاوي عملته الليرة أمام العملات الأخرى، وكذلك مهاتير الذي يُشكل برنامج خفض الديون تحدياً لحكومته، فهؤلاء تناسوا جراحهم الداخلية بهدف مكافحة تلك الظاهرة، التي تسببت فيها دول اسلامية عربية بطرق مباشرة أو غير مباشرة، بفهمها الخاطيء والعاجز للإسلام وقواعده التي تدعوا للسلام والمحبة، ورغم ذلك لم تبادر تلك الحكومة بتأسيس منبر أو منصة اعلامية تدافع فيها عن تلك الظواهر.

في حين تنفق تلك الدول - أي العربية - مبالغ ضخمة على قنوات ومنصات إعلامية لا تسمن ولا تغني من جوع، فتجدها خالية من المحتوى، لا تملك رسالة واضحة ولا رؤية ثاقبة، بل تحارب الإسلام بتقديمها برامج تمثل الإسلام بأنه تراث وحضارة سابقة لا تصلح للحاضر، مع تعريفها للحركات الإجتماعية الإسلامية الحديثة التي أنتظمت الدول الإسلامية بأنها جماعات إرهابية، وما ذلك إلا لأن تلك الجماعات نادت بفهم الإسلام فهما صحيحا قولاً وفعلاً وتطبيقاً، أما القليل من تلك القنوات التي أنشئت وهي تحمل رسالة ومحتوى قيم فطالبوا بإغلاقها وتكميم آفواهها.

فحاضر أمتنا الإسلامية بصفة عامة والعربية على وجه الخصوص اليوم، حاضر مقيت ومستقبل مظلم ومجهول لا يردع عدوا ولا ينصر صديقا، بالرغم من عظمة تلك الحضارة وتأثيرها الواضح في النهضة الشرقية والغربية، ولا سيما عبر ابن رشد وعلماء الأندلس البارزين في الطب والنبات والفلك والهندسة وتخطيط المدن وسائر العلوم. وهذا الضعف والهوان إنما هو فعل طبيعي وأصل ضارب في القدم، فالبداوة والفوضوية هي السمة الغالبة لتك الدول عندما تتخلى عن رسالتها السماوية صبغة الله؛ " ومن أحسنُ مِن اللهِ صِبغة ". فتبايعوا بالعينة واتبعوا أذناب البقر، فهل هنالك بقرة اليوم أكثر من ترامب وأمثاله؟. يقول الخليفة القرشي ذلك الصحابي الجليل عمر بن الخطاب الذي أعز الله به الإسلام: " لقد كنا أذلاء فأعزنا الله بالإسلام فإذا ابتغينا العزة بغيره أذلنا الله".

فالمحك الحقيقي هو تلك الصِبغة السماوية التي فُضلت بها تلك الأمة على غيرها من الأمم، فتميًّز العرب هذا ما كان ليكون إلا بإضافة هذا الإسلام الذي أشرق أول ما أشرق في صميم بلادهم، وتنزل وحيه على رسولا منهم، وخاطب أول ما خاطب القومية العربية في لسانها، "ولقد نعلم أنهم يقولون إنما يعلمه بشر لسان الذي يلحدون إليه أعجمي وهذا لسان عربي مبين" سورة النحل 103، أي فخرٍ نبحث عنه اليوم وأي مجدٍ نصبوا إليه؟ ألا تكفي تلك الصبغة؟!.

هذا الأفول الجلي للعرب وعلمائهم ليس مبررا، فالماديات والإمكانيات المتاحة اليوم أكبر من الأمس، ولكن هي رغبة كثير من سلاطين اليوم فحتى الأصوات العربية الضئيلة التي تريد لأمتها العلو والرفعة بهذا الإسلام تكمم وتصادر وتختفي بلا عودة، فزج بالعلماء والمفكرين في السجون وحكم على بعضهم بالإعدام، كل ذلك من أجل أن تطول فترة بقائهم في السلطة، فهم يرون أن الإسلام مهدد لعروشهم التي بُنيت على باطل، ولكن الله لا يعجزه أن يخلق من ينصر عقيدته، فخرج أحمد ديدات رحمه الله لكي يقدم أعظم مسيرات الدعوة إلى الإسلام ويدحض الشبهات، ثم يتبعه تليمذه الهندي زاكر نايك مطاردا اليوم لأجل هذه الدعوة الإسلامية، ومعه ثلة قليلة أمثال الداعية الأمريكي يوسف أستس يكتسحون العالم بآلاف المسلمين الجدد.

فالإسلام اليوم يتنكر له العرب ويطبقه غيرهم، فتمنع المساجد ومكبرات الصوت التي تصدح بلا إله الإ الله في دولهم، بل في أخرى ذهبوا إلى أبعد من ذلك فمنع الشباب من الصلاة والنساء من أرتداء النقاب، وحجمت بناء المساجد الجديدة وأنشأت بدلا عنها الكنائس والملاهي، في حين تحولت الكنائس إلى مساجد في ألمانيا وفنلندا وغيرها من الدول الأوربية، وزعيمة حزب المحافظين الأسكتلندي روث دافيدسون اليوم تدافع عن ارتداء النقاب معللة أن النقاب والصلبان لهما ذات الحجة ولكن في عقيدة مختلفة لذلك يجب التعامل معهم بنفس المعطيات. وأما جانب المعاملات وبالتحديد المالية منها تجد غالبية المؤسسات المالية العربية تتعامل بسعر الفائدة الذي يحرمه الشارع الإسلامي، في حين تجد اليوم عدد كبير من البنوك الأوروبية تخلت عن التعامل بالفائدة في معاملاتها المالية إيمانا منها بأن سعر الفائدة أكبر مهدد للاقتصاد.

فالنماذج كثيرة جداً في ما يتعلق بتقاعس العرب عن الإسلام وقضاياه، فتجد قضية القدس المحتل يدافع عنها العجم سواء كانوا مسلمين أو غير ذلك، وما أسطول الحرية الذي سيره شباب أوروبا من جنسيات مختلفة بهدف كسر الحصار عن غزة ببعيدٍ عن ذلك، في حين تجد الشباب العربي اليوم يعترف بإسرائيل وعاصمتها القدس كما فعل ذلك الشاب السعودي حينما زار القدس، فالتطبيع والتودد هو جوهر هؤلاء الطغاء من العرب، فمؤتمر المنامة والذي ناقش صفقة القرن بحضورعربي كبير، إنما هو إعتراف بإسرائيل وبشرعيتها على الأراضي الفلسطينية. كل ذلك بهدف أن ترضى عنهم أمريكيا وابنتها غير الشرعية في المنطقة.

ختاما؛ ما ذكرته من نماذج ووقائع إنما هي على سبيل المثال لا الحصر، فالشواهد كثيرة جدا سواء كانت مخزية من جانب العرب أو منيرة ومشرفة من جانب غيرهم، فأمر الله نافذ في هذه الأمة ولكن لكل أجل كتاب قال الله عزوجل: "وإن تتولوا يستبدل قوما غيركم ثم لا يكونوا أمثالكم" سورة محمد 38.