السجن.. وعالم الكلمات

الإثنين 07 أكتوبر 2019 07:02 م بتوقيت القدس المحتلة

بداية، لا بد من القول إنني احتجت وقتاً قبل أن أجد دافعاً لتدوين جانب من تجربتي في رحلة الأسر، كانت ثمة أمور تقيّد قلمي منذ خروجي، ليس منها الخوف، إنما الحاجة للتأمل الذاتي الداخلي في التجربة بأثر رجعي بعد الانتهاء منها، لذلك لم أكتب عنها كثيراً داخل السجن، ليس فقط لأنني كنت أرى أن الكتابة عنها بعد التحرر أفضل حتى لا يكون القلم أسير ضيق المكان وإكراهاته، بل كذلك لأنني خشيت ألا أتمكن من إخراج النصوص التي سأكتبها، خصوصاً بعد مصادرة بعض رسائلي، ثم تأكد لي جدوى هذا التخوف يوم خروجي، عندما صادرت مخابرات السجن بعض دفاتري، رغم أن كل ما تحتويه كان اقتباسات من الكتب التي قرأتها داخل السجن، لكنَ اللجنة التي أُحضرت لفحص أغراضي المكتوبة خرجت بهذه (الغنيمة)، وما كان يليق بها أن تخرج خالية الوفاض!

حاولتُ خلال رحلة الأسر أن أُغيّب عن ذاكرتي مرحلة التحقيق، وهي التجربة الأقسى في الرحلة كلها، وكنت أرغب أن أفرد لها مساحة خاصة في يوم ما أراه مناسبا، إنما ظللتُ أتذكر ما قاله لي أحد المحققين يوما: إنه سينتظر أن يقرأ تجربتي أو يشاهدني أتحدث عنها، معقباً كلامه بتعبيرات ساخرة حول ما يتوقعه من مبالغات عن (وسائل التعذيب) في أقبية التحقيق، قطعتُ يومها عليه الطريق قائلة: "أنا لا أكذب، لكنني سأتحدث عن كل ما حدث معي، إنما ستظل هناك أمور لن أتحدث عنها إلا بعد زوال الاحتلال". لم أقدم له إجابة حينما سألني عن السبب، مثلما لم أفتش عن دوافع فضوله لمعرفة ما سأرويه عن التجربة.. لاحقاً بعد خروجي علمتُ أن محققي المسكوبية سألوا أسامة: ماذا أخبرتك أمك عن التحقيق؟!

كانت الأسيرات يبرعنَ في صناعة عالم ذكريات الكلمات، بأشكال وأنماط عديدة، ومن أمثلة ذلك أن كل أسيرة توشك على التحرر تمرر دفترها على بقية الأسيرات ليكتبن لها، وتكتب لهن على دفاترهن الخاصة

الآن، ومع تنويه كثيرين لي بأنهم لا يزالون في انتظار قراءة شيء عن التجربة، أحاول استنهاض رغبتي في التدوين عنها، والاقتناع بجدوى ذلك قبل كل شيء، رغم أنني أعي جيداً أن الكتابة تريح النفس وتخفف عنها شيئاً من أثقالها.. وأذكر كم تمنيتُ لو كان لديّ قلم خلال مكوثي في زنازين التحقيق، لأخط بعض العبارات على جدرانها الجرداء، ذلك أن تلك العبارة القرآنية التي صافَحَت عينيّ في إحدى الزنازين (هم العدوُّ فاحذرهم) ظلّت خلال تلك الأيام محفورة على جبيني، ومرتسمة في مدى رؤيتي.

لاحقا، خلال وجودي في السجن، كانت الكتابة تلحّ عليّ في بعض الأحيان، فأسلم لقلمي أن يخطّ ما شاء، ثمّ وجدتُ مع نهياة الاعتقال أن معظم النصوص كانت وجدانية، بعيدة عن الفكر والسياسة، وهي حصيلة التأمل الصامت في كثير من الظواهر والأشياء داخل السجن وخارجه، كان للكلمات داخل السجن أثرها الخاص، فليس هناك مواقع تواصل ينشغل الأسير بتصفحها والملل من محتوى طوفانها الكلامي، فأكثر ما يُكتب نتاج مشاعر حقيقية، في الرسائل وبطاقات التهنئة والمواساة والاعتذار التي تتبادلها الأسيرات. فبضع عبارات تصلك على بطاقة يدوية قد تحفر أثرها فيك أياماً وتنير عالمك بالتفاؤل.

وكانت الأسيرات يبرعنَ في صناعة عالم ذكريات الكلمات، بأشكال وأنماط عديدة، ومن أمثلة ذلك أن كل أسيرة توشك على التحرر تمرر دفترها على بقية الأسيرات ليكتبن لها، وتكتب لهن على دفاترهن الخاصة، وهو دفتر كبير غلافه من الكرتون المقوى المغلف بقطعة قماش، وداخله مجموعة من الدفاتر تشتريها الأسيرات على حسابها الخاص من (كنتينة السجن)، كحال معظم المقتنيات في السجن. كان هذا التقليد الجميل يعيدني إلى أيام الطفولة في المدرسة، يوم كانت وسائل التواصل شحيحة، أفضلها هاتف منزلي، يستخدم للمكالمات الضرورية فقط، وتعدّ العائلة التي تملك مثله محظوظة، فكنا نتبادل الدفاتر لنكتب لبعضنا قبل كل عطلة صيفية قد لا يتاح لنا خلالها التواصل.

في إحدى أيام الأسر أحضرت لي الأسيرة عطايا أبو عيشة دفتراً يحوي رسمات مطبوعة غير ملونة، أدخله لها أهلها خلال الزيارة، وطلبت مني أن ألوّن إحدى رسماته وأضع توقيعي عليها، كانت فكرة جديدة ولطيفة لتوثيق الذكريات، ولكن لأنني لم أكن أحب التلوين بحثتُ عن رسمة خفيفة، فوجدتُ واحدةً لطائر محلّق، لونتُ معظمه بالأخضر، وكتبتُ لها على الصفحة ذاتها: "يوماً ما سنغادر هذه القلعة على جناحيْ طائر أخضر". فيما بعد وجدتُ العبارة قد راقت لكلّ أسيرة أخذت الدفتر بعدي، فسجّلَتْها عندها.

لم أغادر السجن على جناحي هذا الطائر، ويبدو أن عطايا التي أمضت أربع سنوات في السجن، وستتحرر بعد أيام لن تغادر على جناحيه أيضا، لكننا سنظلّ على ثقة بأن بوابات السجن حينما تفتح يوماً للمغادرة الجماعية فسيكون هذا الطائر منتظراً على أعتابها، ليحمل الأسرى والأسيرات على جناحيه، كما فعلها في تشرين الثاني، عام 2011.