تونس الخضراء.. تجربة ديموقراطية فريدة

الثلاثاء 15 أكتوبر 2019 08:00 م بتوقيت القدس المحتلة

تونس الخضراء.. تجربة ديموقراطية فريدة

بقلم الباحث المغربي: رضوان جخا

سهرة تاريخية أمسية استثنائية يوم وطني كلها عبارات وصف بها المواطن التونسي موقعة يوم أمس أفراح في عدة مدن أهازيج الشباب وزغاريد النساء كلها تلخص التجربة التونسية، إن الحديث عن هذه التجربة هو حديث ذو شجون كيف لا وتونس الخضراء تعطي في كل استحقاق درسا ديموقراطيا فريدا من نوعه وما حدث ليلة أمس التاريخية لخير مثال بانتخاب الأستاذ الجامعي قيس سعيد متفوقا بنسبة كبيرة جدا على خصمه رجل الأعمال نبيل القروي وصلت تقريبا لاثنين وسبعين في المئة حسب آخر نتائج رسمية للهيئة العليا للانتخابات التي نشرت هذا المساء هي بمثابة إرهاصات لأصدق كلام على هذه التجربة الفريدة التي أفرحت الشعب التونسي وجعلته يفتخر بتجربته السياسية.

إن هذه الاستحقاقات لم ولن تمر مرور الكرام بل قد أفرزت العديد من الملاحظات" المثيرة" التي يستحيل تجاهلها أو عدم التطرق إليها من أهمها؛ أولا المفاجأة الكبيرة والمدوية التي حققها المرشحين المتأهلين للدور الحاسم الأستاذ الجامعي الغير منتمين حزبيا قيس سعيد ورجل الاقتصاد نبيل القروي وتفوقهما على أبرز المرشحين للفوز برئاسة الجمهورية أقصد هنا رئيس الحكومة الحالي يوسف الشاهد ورئيس الجمهورية السابق منصف المرزوقي وممثل حزب النهضة عبد الفتاح مورو وبذلك عكست الآية وقلبت التقاليد السياسية والتوقعات الإعلامية واستطلاعات الرأي رأسا على عقب مما يؤكد على بداية ظهور تيار جديد.

تونس تعطي درسا للعالم وتوضح نضجها الكبير عبر إحداث قطيعة مع العزوف السياسي خاصة بالنسبة للطبقة المثقفة ولفئة الشباب

أما الملاحظة الثانية التي تظهر بشكل جلي أيضا فهي معاقبة الناخب التونسي للأحزاب السياسية عبر تصويتها العقابي ضدها وتأكيد عدم رضاها منها عبر منحها الفرصة هذه المرة للتكنوقراط والامنتمين ورجال الاقتصاد وهذا الأمر يحيل على رغبة التونسيين في رجل دولة يخرجهم من التداعيات السلبية التي يمر بها قطاعهم الاقتصادي والسياحي أما الملاحظة الثالثة التي يمكن أن نستقيها كذلك من هذه النتائج فتتمثل في التصويت المهم جدا لفئة الشباب التي قلبت الكفة للمرشح قيس سعيد خاصة في المرحلة النهائية بنسبة تناهز 90 في المئة بالنسبة للشباب المتراوحة أعمارهم ما بين 18 و25 سنة ولهذا المؤشر دلالات عميقة جدا.

أما بخصوص الملاحظة الرابعة فتتجلى في دخول الطبقة المثقفة غمار التصويت بنسب مثيرة للإعجاب بحيث بلغت نسبة المصوتين على الفائز بالرئاسة 86 في المئة من خريجي الجامعات والذين مازالوا يدرسون بها في المقابل نجد منافسه نبيل القروي قد حصد نسب مهمة من تصويت شرائح مجتمعية أخرى على غرار فئة غير متمدرسين التي بلغت نسبة تصويتها عليه حوالي 57 في المئة من هذه الفئة دون نسيان شريحة المسنيين التي صوتت للقروي بحوالي 50 في المئة.

انطلاقا من كل هذه الملاحظات التي أعتبرها هامة جدا يتضح بأن التجربة الديمقراطية بتونس الخضراء "تجربة نموذجية" يمكن اعتبارها استثنائية مغاربيا وعربيا بحيث أفرزت وعيا مواطناتيا جعل المواطن التونسي يختار من يريد ويعكس القاعدة السياسية التقليدية التي تنطلق من الأحزاب السياسية ونظام الحملات الانتخابية التي ترتكز على المال فقط إلى اختيار الأمثل حتى وإن كان خارج المنظومة السياسية وبدون أموال طائلة في الحملات الانتخابية وهذا ما فعله الرئيس الجديد ببعض المدن التونسية التي تطوع فيها الشباب للقيام بحملته الانتخابية وهذا الأمر له دلالات عميقة جدا.

إن تونس بذلك تعطي درسا للعالم وتوضح نضجها الكبير عبر إحداث قطيعة مع العزوف السياسي خاصة بالنسبة للطبقة المثقفة ولفئة الشباب ما يحتم على الرئيس الجديد قيس سعيد وعبره كذلك المؤسستين التنفيذية والتشريعية مسايرة تطلعات وطموحات المواطنين التونسيين الكبيرة خاصة من الناحية الاقتصادية والاجتماعية والأمنية واسترجاع تونس الخضراء لمقوماتها السياحية باعتبارها قطبا مغاربيا وعربيا هاما في هذا القطاع.

إن من بين أولويات الرئيس الجديد حسب العديد من مطالب التونسيين حتمية اعتماد مقاربة تشاركية أكثر فعالية ودينامية مع البرلمان والحكومة وأخذ بعين الاعتبار نتائج البرلمان التونسي التي أعطت الصدارة لحزب النهضة والعمل على وضع مخطط تنموي أكثر واقعية وموضوعية لتلبية وتحقيق طموحات المواطن التونسي.