دلالات فوز بن سعيد على المعركة مع الثورة المضادة

الثلاثاء 15 أكتوبر 2019 08:01 م بتوقيت القدس المحتلة

من المؤكد أن أسبابا موضعيّة جعلت مسار تونس من بعد الثورة مختلفا عمّا هو عليه في جملة البلدان العربية؛ التي اعتملت فيها ثورات عميقة ما تزال تُغيّر في حقائقها حتّى الآن، لكن ذلك لا يعني أبدا أنّ قوى الثورة المضادة، وطلائع الاستعمار، كانت ستترك تونس من محاولات التأثير، حتّى لو كان هذا البلد العربي؛ أبعد مسافة عن بؤرة الصراع، وعن جوهر المشكلات العربيّة، أيّ الوجود الاستعماري الصهيوني في مشرقنا العربي، وهو ما قد يعني من وجه ما؛ أنّ الاهتمام بإفشال الحالة التونسية سيكون أقلّ مما هو عليه في بلدان أكثر مركزية؛ وأقرب جغرافيّا إلى تهديد الوجود الإسرائيلي، كمصر أو سوريا، هذا بالإضافة لعوامل ذاتية أخرى تميّزت بها تونس.

ومن المؤكد أنّ هناك حالة من النقد لمسار الدولة وأداء نخبتها السياسية، الجديدة منها والقديمة من بعد الثورة، وهناك استشكالات تُطرح على الأداء السياسي والاقتصادي، وعلى الخطاب الثقافي والفكري لبعض القوى السياسية الفاعلة في تونس، وهناك فحص لموقع الثورة من عمق الدولة وآليات عملها، وهو الأمر الذي يعني بالضرورة أنّ الحديث ليس عن حالة نجاح مطلقة، وإنّما هي حالة نسبية في حدود معينة تختلف إزاء العديد من جوانبها وجهات النظر، بيد أنّ هذا وغيره، لا ينفي أن نتائج الانتخابات التونسية مهمّة للغاية، وبما يتجاوز الحدود التونسية.

ثمّة الكثير مما يمكن قوله في هذا الصدد، ليس أقلّه تمكّن مرشح فرد، بلا قواعد حزبية ولا كوادر تنظيمية ولا حتّى مقرّ انتخابيّ واضح، من تجاوز الحالة التقليدية كلّها، سواء النخبة القديمة أو النخبة الجديدة، وهو ما يعطي مؤشّرا على احتمالات الدخول في مرحلة ما بعد الأحزاب والتنظيمات، وهي مرحلة تُلمّح إليها العديد من المؤشرات في العالم العربي، لا في تونس وحدها. وإذا كان البعض قد يرى هذا الاستنتاج مستعجَلا، فهو من المهم بمكان إلى درجة ينبغي أن تدفع قوى الإصلاح والتغيير، وفي طليعتها القوى الإسلامية المنظمة بصورها المتعددة، لأخذ الأمر بجدّية بالغة تدفعها لإعادة حساباتها في كلّ مكوّنات وجودها وأدوات نشاطها وعملها، وهو ما لا يبدو ظاهرا حتّى الآن.

على أيّ حال، وفي ما يتعلق بقوى الثورة المضادة، والتي هي في غالبها من يقود قاطرة التطبيع مع "إسرائيل"، وتنتقل بها إلى مرحلة العمالة المكشوفة، فإنّ فوز قيس بن سعيد بانتخابات الرئاسة التونسية، وبخطابه المعادي لـ"إسرائيل"، والذي يتبنى مصطلحات الأصالة في الموقف من الوجود الصهيوني في بلادنا، وفي الوقت نفسه في فوزه على ظاهرة قيل إنّها مدعومة من قوى الثورة المضادة، بل ومن "إسرائيل" نفسها، وقد انكشفت اتصالات لها مع الاستخبارات الصهيونية.. فإنّ ذلك في ذاته وبمجرّده، هدف مهم في مرمى الثورة المضادة، والتي هي قوى العمالة لـ"إسرائيل".

دلالة فوز بن سعيد في هذا المستوى الذي نتحدث عنه، يمكن تلخيصها في كون المعركة بين قوى التغيير وتطلعات الأمّة وأشواقها وبين القوى المناوئة لذلك كلّه.. لم تُحسم بعد، بالرغم مما تملكه قوى الثورة المضادة المستندة إلى الحضور الاستعماري في بلادنا؛ من أدوات القوّة والفعل والتأثير، وهو ما يجعلنا نشعر بالأوجاع شديدة الألم، ونرى الدماء والمآسي في كل مكان، لأنّ المعركة غير متكافئة أساسا، ولأنّ إرادة التغيير لا تتجه صوب الحسن والخير، وإنما صوب السوء والشرّ. وهذا السوء والشرّ الذي نروم تغييره أقوى منّا بأدواته وقدراته ويملك ما لا نملكه، وبالضرورة حينئذ سنتلقى كلّ هذه الضربات الموجعة، ولكن من الواضح أنّها غير مميتة، وأنّه لم يحسم المعركة، وأنّه لن يحسمها، وأنّه يعاني كما نعاني، وهذه صور فشله في أكثر من ملف، وانعدام استقراره، واضحة للجميع.

لا يعني ذلك أن هذا الفوز في تونس هو الضربة القاضية للثورة المضادّة ومضامينها الاستعمارية، ولا يعني ذلك استبعاد حصول انتكاسة ما في تونس. فتونس حجما وقدرة لا ينبغي تحميلها فوق طاقتها، وكذا الرئيس الجديد. والحديث في دلالات الفوز على المعركة مع قوى الثورة المضادة، لا يتضمن المسارات الممكنة ما بعد الفوز، وإنما هو يقتصر على الفوز بمجرده، أي مجرد أن يفوز شخص كهذا، بخطاب كهذا، ويتعزز هذا الخطاب بهتافات الجماهير "فلسطين حرّة حرّة والصهيوني على برّة".. يعني بالتأكيد أنّ حسم الثورة المضادة بعمالتها لـ"إسرائيل" معركتها مع الأمّة بعيد جدّا، وأنّ مآلات هذه المعركة قد لا تكون في صالحها.

أمّا خطاب بن سعيّد وهتافات الجماهير، فلا يعني أنّ طمس فلسطين من وجدان الأمّة وضميرها محال فحسب، مهما سُخّر في ذلك الإعلام وأنفقت الأموال وكُمّمت الأفواه وُصدمت الأمّة بالخطوات التطبيعية والخيانية، ولكن وبالإضافة إلى ذلك، فإنّ الثورة ضدّ قوى الاستبداد والاستعباد والاحتكار والنهب والإفساد، وطلب الحياة الكريمة والنهضة والإصلاح والتنمية، هي ثورة ضدّ "إسرائيل" بالضرورة، وإلا لماذا يطلب الفاسدون والطغاة المدد منها والعون؟ ولماذا يربطون بين استقرارهم في حكمهم وبين التطبيع معها والعمالة لها؟ أليس الأجدر بهذا الربط الآن قوى الثورة والإصلاح بعدما تبينت الحقائق كلّها؟!