"واتساب" القشة التي أشعلت ثورة لبنان

السبت 19 أكتوبر 2019 07:49 م بتوقيت القدس المحتلة

"واتساب" القشة التي أشعلت ثورة لبنان

بقلم المدونة اللبنانية: هانم جمعة

كان هذا الاسبوع قاسيا وصعبا على لبنان وشعبه، فمنذ سنوات ولم تتوالى عليه هكذا أزمات لم ترحم أهله وأرضه، أحداث طويلة حافل بالفساد وصلت حد الحجر والشجر والهواء، طالت جميع قطاعاته فمن أزمة الطحين والخبز إلى أزمة الحرائق وصولا إلى الواتساب والتطبيقات الاجتماعية، حتى أعلنها اللبناني ثورة ضد الطبقة الحاكمة وحدت جميع أطيافه.

استقبلنا الأسبوع بأزمة الدولار الذي ارتفع بعد عقود طويلة من الثبات، من 1500 ليرة حتى وصل حاجز 1800 ليرة مقابل دولار واحد، كارثة كبيرة طالت البلد الذي يستورد أغلب منتجاته كما خدماته يدفعها بالدولار، حتى فاتورة الهاتف تدفع بالدولار ولكن العملة المتداولة ومدخول اللبناني المسكين بالليرة، خسائر بالجملة أدت إلى إضراب محطات الوقود مطالبة بالدفع بالليرة، بعد يومين أصحاب الأفران بدأت تلمح بالإضراب أيضا لنفس الأسباب الاستيراد بالدولار، والبيع بالليرة تعني خسائر فادحة.

ومن إضراب إلى اضراب، ومن تهديد لآخر، كان اللبناني يعيش لحظات حرجة ووضع نفسي صعب من خوفه من انقطاع الوقود، إلى الخبز، ناهيك عن ديونه المتراكمة جراء مرتبه المتواضع، أو كما أغلب الموظفين لم يتم دفع مستحقاتهم وتؤجل من شهر إلى آخر، أخبرتني صديقتي التي تعمل في المدرسة الرسمية المجاورة أنها سوف تترك عملها بسبب عدم قدرتها على دفع اجرة المواصلات اليومية، فهي من دون مدخول منذ أشهر؛ إذ ان الوزارة تؤجل دفع المرتبات حتى بات المواطن يعيش بالدين.

حسنًا الوسائط والمحسوبيات موجودة في أغلب الدول العربية الفاسدة ولكن في لبنان وصلت إلى حد غير طبيعي يحتار الشعراء في وصفه، لقد اعتدنا على الوسائط في مجال العمل والوظيفة، ولكن في لبنان تدخل الوسائط حد القطاعات الإنسانية الطبية وحتى التعليمية، يذكر أن شاب أراد التسجيل في معهد مهني رسمي ولأن هذا المعهد تسيطر عليه فئة لبنانية دون غيرها رفضوا تسجيله بحجة عدم وجود كرسي له داخل الصف وذلك بعد الاستفسار عن مكان سكنه وطائفته، باختصار "أنت لست معنا أو احضر واسطة قوية"، هذا مثل بسيط يطال أغلب مؤسسات الدولة التعليمية، ناهيك عن القطاع الصحي، وشحذ اللبناني لإحضار واسطة لكي تغطي الدولة المصاريف، أو حتى لمساعدته في الضمان. فساد ليس بعده فساد ينخر في هذا البلد، ولن يكفي مقال واحد لفضح الفساد الذي يعيش فيه اللبناني.

كل اجتماع لمجلس الوزراء يخرج بفلسفة ضرائبية عجيبة وغريبة تطال اللبناني الذي بات مصروفه أضعاف مدخوله، ضرائب لن يستفيد منها ! فالضمان والتعويض وحتى التقاعد باتوا على المحك، ومن الصعب الحصول عليهم خاصة بعد أن اوقفوا التوظيف الثابت، واستعانوا بعقود عمل غير ثابتة لا تتمتع بحقوق إنسانية.

جميع دول العالم تخرج بمظاهرات ضد حكومة أو رئيس فاسد أي أن الهدف واضح وصريح ولكن هنا الحالة اللبنانية مختلفة فهناك أحزاب وعصابات متعددة تتقاسم فساد السلطة خرجت من صميم المجتمع تتحكم به

في ظل حرارة المشهد اللبناني اشتعلت أراضي الشوف، وأحراج لبنان دامت ثلاثة أيام مع سقوط شهيد والكثير من النازحين، هي الأحراج نفسها التي تقبع دون حراسة؛ بسبب أن الموظفين الناجحين في تلك الوظيفة غير موزعين طائفياً على الشكل المثالي بحسب وزير الخارجية جبران باسيل فقد نجح 17 مسيحي من أصل ما يقارب 100 ناجح وهذا غير عادل!! يسأل اللبناني اين طوافات لبنان التي اشتراها منذ سنوات لإطفاء الحريق؟؟ يبرر السياسي اللبناني بأن الطائرات الغير مستعملة تحتاج إلى صيانة ولا نملك تكلفة صيانتها. واقع صادم فمن سرق مال الدولة؟؟!

بعد هذه الاحداث المشتعلة لم يسترح اللبناني 24 ساعة حتى خرج قرار من المجلس الوزاري بضرورة فرض ضرائب على الواتساب (المكالمات) 20 سنت، هو التطبيق المجاني الذي راح السياسي اللبناني لاستغلاله لسرقة المزيد من اموال الشعب، ولكن على ما يبدو لا يوجد للوقاحة حدود في بلدان لا تستجيب الا لصوت الشارع فالإعلام اللبناني يضع يده يومياً على وجع اللبناني، وحالات الفساد ناهيك عن مواقع التواصل الاجتماعي وفضائحها المدوية عن السياسيين وافعالهم، ولكن لا حياة لمن تنادي.

يحتارون في سرقة الشعب بطريقة مضحكة مبكية فلم يعد يملك اللبناني ما يدفعه لهم حتى الهواء بات صعباً تنشقه بعد الحرائق!! فلم تبقى شجرة، ولا سهل لكي يستريح فيه ذلك الشعب المتعب بعد نشوب حرائق مفتعلة على الأغلب لعمل صفقات من تحت الطاولة، يبرر الوزير أو حتى نائب، أو زعيم حزب بطريقة ذكية وداهية، وعند إحراجه بأسئلة عن الفساد تكون حجته دائما بأنه وصل إلى الكرسي بعد أن طال المركز تكدسات من الفساد عبر عقود ولن يتمكن من إصلاحها في ليلة وضحاها، وعلى الناس الصبر، في المقابل يخرج الزعيم السياسي ويلعب على وتر الطائفية ويستفز أبناء طائفته بأكاذيب معروفة "بأنهم يهاجموننا نحن" "يريدون اقصائنا هم الفساد وهم المسؤولون"، السياسي الآخر التابع لطائفة اخرى يعيد الكلام نفسه ولكن مع اضافة كلمة "مؤامرة" عليه وعلى طائفته، وهكذا تخرج المعادلة السياسة اللئيمة تحت شعار فرقهم طائفياً تسد.

ألاعيبهم باتت مكشوفة، ولكن يبقى على المارد اللبناني أن ينهض من صومعته، ويحل قيوده الطائفية التي كبلته منذ سنوات، فالحالة اللبنانية هي الاكثر تعقيدا في المنطقة العربية أو ربما في العالم، فجميع دول العالم تخرج بمظاهرات ضد حكومة أو رئيس فاسد أي أن الهدف واضح وصريح ولكن هنا الحالة اللبنانية مختلفة فهناك أحزاب وعصابات متعددة تتقاسم فساد السلطة خرجت من صميم المجتمع تتحكم به، وبالتالي على اللبناني أن يثور على زعماء طائفته الذين خرجوا من رحم منطقته ربما أو من مدينته وهكذا تنجح الثورة وإلا سوف تذهب ثورته أدراج الرياح.

الكثير يرغب بالنزول إلى الشارع ولكن القلق والخوف من جرزان الطائفية المندسة كبير فمن شأنهم إحداث فوضى وتخريب، وتبقى امال اللبناني وصلواته متجهة نحو هذه الثورة علها تنقذهم من دوامتهم الكئيبة وحالتهم المزرية التي وصلوا لها، كلا يا سادة ليس الواتساب من حركنا، ولا هي ثورة واتساب كما يقول البعض، وكما تُصور مواقع التواصل أو يحكي الإعلام، بل هي القشة التي قصمت ظهر البعير، وأشعلت الثورة فمن يسمع كلام المتظاهرين لكل واحد قصة وجع وألم، بطالة، فقر، وظلم، والكثير من القهر، يروون قصة بلد انهار، وبات حلم الكثيرين إما الثورة أو الهجرة.