الوحدة الوطنية أو كي وهندسة الوعي الفلسطيني

الثلاثاء 29 أكتوبر 2019 02:29 م بتوقيت القدس المحتلة

لا يبدو ما يجرى على أرض الواقع الفلسطيني عبثا هذه الأيام، ولا نتيجة عفوية بمجمل علاقات القوى على الأرض ومنها الفلسطينية والاحتلال الغاشم، فعندما يتحول المقهور لجزء من منظومة القهر التي تستهدفه والتي تحافظ على الاحتلال وتجعله ممكنا بأقل الخسائر، وعندما تتحول الوحدة الوطنية لمجالٍ للمناورة ول عبء على المشروع الوطني، عندها تتحول المقاومة المشروعة إنسانيا وقانونيا لعبثية بل وكارثية، ويتحول الانقسام لواقعية وضرورة سياسية وحينها تتعزز إبادة الشعب الفلسطيني السياسية ويزداد التطهير (الوطني) والذي لا يقل خطراً عن (العرقي) منذ العام 1984م ويحتفل الأبرتايد بكماله وتمامه فالقاهر والمقهور والظالم والمظلوم أصبحا جزءاً لا يتجزأ من منظومة بقائه وتطوره.

 إن البعد الآخر لما يجري على الأرض أمنيا وسياسياً، فلسطينياً داخلياً وفلسطينياً إسرائيلياً، هو بعد ثقافي ونفسي يتعلق بالدرجة الأولى لكي وعي الشعب الفلسطيني وتغيير ثقافته وإعادة هندسة وعييه ومفاهيمه الوطنية التي نشأ وترعرع عليها منذ بداياته أو تحييدها على أقل تقدير وذلك من قبل قوى القهر والاحتلال، التي تسعى لتخليد نفسها باستخدام ضحيتها ، رغم كل عقبات وتحديات التاريخ والجغرافيا التي تواجهها ، وقد حققت حتى الآن نجاحاً محدوداً قد يستمر ويترسخ إن لم تستدرك قوى المقاومة الوطنية الفلسطينية فتجمع أمرها وترتب صفوفها وتعيد ترتيب أوراقها وتوجيهها بالصورة المناسبة لمواجهة هذا الخطر المعنوي والفكري والنفسي المحدق، لأن الانتصار في مجال الوعي والثقافة والذاكرة يعني (خلود المنتصر وإبادة المهزوم).

كلما نجح الاحتلال في قمعه وسيطرته كلما زادت ورطته وتعاظمت تماما كما لو كان يتعرض لفشل مباشر أو لضربات وهزائم، فالاحتلال الإحلالي يحمل بين جنباته بذور فشله شريطة أن تجد هذه البذور من يرعاها بالصمود والمقاومة، ومن ذلك ما قد يعنيه استمرار الاحتلال لأراضي 1967م من تدمير لحلم ومساعي إسرائيل بأن تكون دولة يهودية وديموقراطية وتحويلها لدولة عنصرية تقمع الآخر/ أبرتايد كامل ، وإنهاء الاحتلال لأراضي 1967م وما يعنيه من انهيار لأحلام وأفكار ومبادئ اليمين القومي المسيطر "شركاء نتنياهوالطبيعيين" لدولة يهودية. حتى هذه اللحظة لم يصل الاحتلال لمبتغاه في كي الوعي الفلسطيني ومن باب أولى هندسة هذا الوعي وفق رؤيته في الهيمنة والاضطهاد، رغم تحقيقه لإنجازات واضحة في هذا المجال الخطير، ولم يكن ذلك ليتم لولا تحول فئة معينة من ضحاياه المقهورين لجزء لا يتجزأ من منظومته في السيطرة والاخضاع أو الإبادة وإعادة الإنشاء.

هكذا إذن تصبح مهمة استعادة الوحدة الوطنية وإنهاء الانقسام مهمة مصيرية للإنقاذ الوطني لا يمكن تجاوزها ليس من أجل مواجهة القهر والاحتلال فحسب، بل من أجل الحفاظ على الذات المقاومة.