من وعد بلفور إلى صفقة القرن ما الذي تغير؟!

السبت 02 نوفمبر 2019 05:03 م بتوقيت القدس المحتلة

من وعد بلفور إلى صفقة القرن ما الذي تغير؟!

بقلم المدونة الجزائرية: آمـــال بوحفارة

"يظهر التاريخ أن مصير بلد من البلدان يكون أحيانا رهنا بيوم واحد، ولكنه يظهر أيضا أن التحضير لهذا اليوم غالبا ما يتطلب السنين الطوال" تلخص هذه الكلمات لبونابرت حقيقة وعد بلفور الذي أبدت بريطانيا من خلاله عطفها على أماني اليهود باقامة وطن لهم على أرض فلسطين وتعهدت ببذل غاية جهدها لتحقيق ذلك، وهو ما حدث بالفعل فالوثيقة التي لا يزيد عدد كلماتها على المائة، غيرت تاريخ وجغرافية الوطن العربي الذي كانت شعوبه تطمح لنيل استقلالها من تركيا وانشاء دولة عربية موحدة.

كانت بريطانيا تشعر برعب شديد اتجاه هذه الدولة، التي ستهدم طرق المواصلات بينها وبين مستعمراتها، وحتى تضمن وجودا حقيقيا في المنطقة العربية؛ كان عليها اقناع العرب أن مستقبلهم رهن بالتحالف مع بريطانيا وعلى رأسهم الشريف حسين بن علي الذي بلغت سذاجته حدا أن وضع ثقته في مستعمر لكي يخلصه من مستعمر آخر، وهو ما عرف فيما بعد بمراسلات حسين_مكماهون أما الهدف الحقيقي من خلف هذه المراسلات فكان أن تنفصل الشعوب العربية عن الإمبراطورية التركية حتى يتسنى لبريطانيا وحليفتيها فرنسا وروسيا القيصرية اقتسام ممتلكات الرجل المريض.

لعب "ابن سلمان" دورا بارزا في محاولة تنفيذ صفقة القرن من خلال مباحثاته السرية مع كوشنر وزيارته المتكررة للولايات المتحدة وموقفه العلني السافر من التطبيع مع الصهاينة

دفعت هذه المراسلات بريطانيا لجس نبض حلفائها حتى لا تتضارب الأطماع الاستعمارية دون ذكر شيء عنها، وبدأت المفاوضات بين الحلفاء في سرية تامة والتي عرفت باتفاقية "سايكس بيكو"، كانت فلسطين هي المشكلة المعقدة التي واجهت المندوبين الثلاثة، فالفرنسيون كانوا يرونها من حقهم وبريطانيا كانت تريدها لتحمي قناة السويس، وادعى الروس أن لهم أماكن مقدسة فيها، فتم الاتفاق بوضعها تحت إدارة دولية، وما كاد مارك سايكس ينتهي من ذلك حتى شارك في المفاوضات التي انتهت بصدور وعد بلفور الذي أقر بحق اليهود في أخذ فلسطين، وبهذا فقد أعطت بريطانيا ثلاثة وعود متناقضة في ثلاثة أعوام لكنها لم تف الا بوعد بلفور.

كان الوعد صفقة رابحة عقدها وايزمن مع بلفور، فربح الأول وطنا وهميا لن يستطيع اليهود الاحتفاظ به، وضمن الثاني مصالح بريطانيا، ولأن الموضوع كله كان صفقة تتعلق بالأسواق والمستعمرات وبنفوذ بريطانيا في قناة السويس وفي الهند ومنافسة فرنسا لبريطانيا في الشام، ولو كان الأمر يتعلق باليهود لما تصدى له بلفور الذي بدأ حياته معاديا لهم، وأصدر قانون الأجانب عندما كان رئيسا للوزراء للحد من هجرة اليهود إلى بريطانيا، وفجأة في السبعين من عمره عدل عن موقفه وأصبح شديد الحماس للحركة الصهيونية، وعد بلفور الذي كان بمثابة الاعلان الدولي لقيام الدولة الصهيونية بقرار من الدول الاستعمارية التي خرجت منتصرة بعد الحرب العالمية الأولى، لم تجسر بريطانيا على اصداره دون الحصول على موافقة فرنسا والولايات المتحدة وهذا ما يؤكد المؤامرة الدولية التي دبرتها بريطانيا ثم اخذت ترعاها وتحميها وتقويها الولايات المتحدة الأمريكية.

في الوقت الذي قام فيه وايزمن بألفي مقابلة سياسية للحصول على وعد بلفور، كان الشريف حسين يمهد له الطريق دون أن يدرك أن الوعود الانجليزية لم تكن سوى تملق وتزلف كاذب لخداعه ومجاراته في مطامعه، وبلغت سذاجته وثقته العمياء في بريطانيا بتعهده ببذل كل نفوذه ليساعد اليهود ويهيأ لهم ملجئا من الاضطهاد في فلسطين، وعلى خطى والدهما لم يتوانى ابناه على السير على نهجه، فوقع "فيصل الأول" في شرك الحركة الصهيونية ووقع مع وايزمن اتفاقية يعطي بموجبها اليهود تسهيلات لإنشاء مجتمع للتعايش في فلسطين والتي عرفت فيما بعد باتفاقية فيصل_وايزمن وذلك مقابل اقامة عرشه فوق أكبر مساحة عربية تمنحها له بريطانيا.

أما ابنه عبد الله الأول ملك الأردن فكان يدين بالطاعة العمياء لبريطانيا التي كانت تمده ببعض مساعداتها وتسند عرشه ببعض القوات والقواعد العسكرية ووجدت فيه الصهيونية العالمية صديقا وفيا وخير معين لها على تحقيق مخططاتها وتسهيل احتلالها واستقرارها فوق الأراضي الفلسطينية، وعلى خطى عبد الله الأول دان الحكام العرب من بعده بالطاعة العمياء لبريطانيا ومن خلفها الولايات المتحدة، فقد جاء في مذكرات حاييم وايزمن "أن إنشاء الكيان السعودي هو مشروع بريطانيا والمشروع الثاني من بعده انشاء الكيان الصهيوني بواسطته، وأنه يتمنى بعد انتهاء الحرب مساعدة عبد العزيز آل سعود في أن يصبح سيدا على الشرق على ألاّ يعارض في تحقيق أهدافه".، وهو ما حدث بالفعل فقد منح مؤسس الدولة السعودية الثالثة عبد العزيز آل سعود وعدا لبريطانيا أن لا مانع لديه من إعطاء فلسطين للمساكين اليهود أو غيرهم ولن يخرج عن بريطانيا حتى تصيح الساعة على حد قوله.

مئة عام بعد صدور وعد بلفور، قام ترمب بتنفيذ وعده الذي قطعه خلال حملته الانتخابية بنقل السفارة الأمريكية إلى القدس، والاعتراف بها كعاصمة أبدية للشعب اليهودي، ومنذ توليه الرئاسة وصهره اليهودي كوشنر يتردد على المنطقة في زيارات سرية ومعلنة للقاء الزعماء الصهاينة وقادة فلسطين والأردن ومصر والسعودية والامارات ترويجا لصفقة القرن والتي تقوم على التخلي على فكرة حل الدولتين وضم القدس كلها لإسرائيل واسقاط حق العودة للفلسطينيين، وضم المستوطنات بالضفة إلى الكيان الصهيوني، وتطرح السماح بحكم ذاتي للفلسطينيين على الأجزاء المتبقية من الضفة وقيام كيان فلسطيني على غزة وأجزاء من شمال سيناء المصرية مع سيطرة أمنية شبه كاملة لإسرائيل.

لعب "ابن سلمان" دورا بارزا في محاولة تنفيذ صفقة القرن من خلال مباحثاته السرية مع كوشنر وزيارته المتكررة للولايات المتحدة وموقفه العلني السافر من التطبيع مع الصهاينة، ما يثبت أن الخيانة متجذرة في أصول آل سعود وأن ما يفعله اليوم "ابن سلمان" ليس وليد اللحظة بل له جذور تمتد لجده المؤسس "عبد العزيز" الذي باع فلسطين بثمن بخس، على مدى أكثر من مائة عام تزاحمت فيها الوعود الباطلة، المتضاربة والمتناقضة من وعد بلفور إلى صفقة القرن يعيد التاريخ نفسه لكن ثمنه يتضاعف مع كل صفقة! مائة عام من الخيانة وأكثر كانت فيها "الأرض منفى والتاريخ مأساة" وأثمرت بذور الشر التي ألقى بها بلفور في أرض فلسطين أشواكا ودما ودموعا لكن مهما طال بقاؤها بين أيدي اليهود ... لنا عودة.