راوية 1984.. من نبوءةٍ إلى حقيقة!

السبت 02 نوفمبر 2019 05:05 م بتوقيت القدس المحتلة

راوية 1984.. من نبوءةٍ إلى حقيقة!

بقلم المدون: يوسف عمر يوسف

لا يفتأ المواطن العربيّ أن يسمع يوميًا كلمة ديموقراطيّة، ولا يفتأ شعورٌ يشي بالسخرية الممزوجة بالأسى ينبعث في حسّه، إذّ أنّه يدرك تمامًا أنّ واقعنا المعاصر أبعد ما يكون عن هذه الكلمة، وإنني - أثناء كتابتي لهذه المدوّنة - أكاد ألمح البصاق الذي يكاد ينزلق من فم المواطن العربيّ أثناء سماعه هذه الكلمة.. إنّها في حسّ المواطن العربيِّ أكذوبة كبيرة، أهازيج وشعارات، طلاء وزواق لحالة خصاء إنسانيّة الإنسان وهدرها ودوسها بالبساطير!

الإنسان العربيّ في الوقت الراهن يُمثل ونستون سميث، بطل رائعة جورج أورويل السوداء 1984، ويعيش حكم التوليتاريّة -وهو نظام حكم شمولي يسيطر على أبسط تفاصيل حياة المواطن، يسلب وعيه ويهدر كرامته ويجرّده من مشاعره ليرضخ للحكم باللاوعي- صحيح أنّ الرواية تنتمي لأدب الخيال السياسي أو الديستوبيا -وهو مجتمع خيالي، فاسد أو مخيف أو غير مرغوب فيه بطريقة ما- وقد ذهب البعض إلى أنّ هذه الصورة الأورويليّة السواد لا يمكن تحقيقها واقعيًا، إلّا أننا نرى أنّ هذه الصورة قد تحققت، وتحولت نبوءة أورويل إلى واقع يشير بإصابع الإتهام إلى أنظمة الحكم الديكتاتوريّة ويعريّ فسادها.

المستعرب الياباني نوبوأكي نوتوهارا يصف هذه الحالة في كتابه "العرب وجهة نظر يابانيّة" -الذي أرجع فيه سبب التخلف العربي إلى القمع وغياب العدالة الاجتماعيّة

على سبيل المثال فإن شاشات الرصد في المجتمع الأورويلي المنتشرة في الشوراع والأزقة والبيوت، والتي تراقب أنفاس الناس وتحركاتهم وتتأكد من ولائهم للحزب، أحدى صور الخيال في سيطرة نظام الحكم الشمولي على الناس باستخدام التكنولوجيا.. إنّ واقعنا الراهن لا يقلّ سوداويّة ورضوخًا عن المجتمع الأورويلي، إذّ أنّ اجهزة المخابرات، تستخدم أكثر الأجهزة تطورًا في العالم لتحصي أنفاس الناس وتحركاتهم للتأكد من عدم وجود نزعات معاديّة للسلطة. والحال أبعد من هذه بكثير على مستوى قمقمة الفكر العربي وإخصاءه. فشرطة الفكر في المجتمع الأورويلي وظيفتها أن تطارد أي مصدر فكري يشكل خطرًا على النظام لتسومه سوء العذاب ثم تقتاده لعود المشنقة.. إنّه تهديد صارخ يُجبر الفرد على تغيير عقله الباطن ولاوعيه وسلوكه ليدرأ هذا العقاب الرهيب.

أما في واقعنا فقد عبّر الدكتور مصطفى حجازي عن هذه الحالة بعبارة الاقتران الشرطي بين السلطة والتهديد، وهي الربط بين العقاب الصارم المحتوم وبين أي سلوك أو فعل أو ميل يمكن أن ينال من سلطة المستبد أو يهدد استباببها، وأبعد من ذلك أنّ يتعلم الإنسان أن لا يردع سلوكه وحده بل فكره ونواياه نظرًا لفداحة وكلفة أي سلوك أو فكرة معارضة للنظام، لقد تجاوز الإنسان العربيّ مصطلح التفكير الإزدواجي الذي ابتدعه جورج أورويل -وهو أن تحمل الفكرة وتحمل نقيضها في نفس الوقت- بحالة النقد الذاتي واللوم الذاتي والقمع الذاتي لأيّ فكرة أو سلوك قد يقوده لعقابٍ لا رادّ له، والذي عبّرت عنه يونغ تشانغ في كتابها بجعات برّية حيث تقول: "حينذاك كنت قد تمرست بعادة النقد الذاتي، وكنت ألوم نفسي تلقائيًّا على أي نوازع تتعارض مع توجيهات ماو، كانت مثل هذه المشاعر في الحقيقة تخيفني، ولم يكن واردًا أن أناقشها مع أحد، بدلاً من ذلك حاولت كبتها، بطريقة التفكير السليمة، وعشت حالة الإتهام الذاتي الدائم".

المستعرب الياباني نوبوأكي نوتوهارا -الذي قضى أربعين عامًا من عمره في العالم العربي- يصف هذه الحالة في كتابه "العرب وجهة نظر يابانيّة" -الذي أرجع فيه سبب التخلف العربي إلى القمع وغياب العدالة الاجتماعيّة- بقوله: "عندما تسأل عن موقع سجن ما بالتحديد، فإن من نسألهم يصابون بالذعر وطبعًا لا يجيبون ويهربون كأنّهم واجهوا غولاً مخيفًا، منذ ثلاثين سنة لم أعرف موقع سجن عربي تمامًا، هذا أمر ممنوع ومحرّم، كيف؟ هذا يحصل فعلاً، أما الأدهى من ذلك فهو خوف الناس من رجال الأمن سواء كانوا شرطة أو شرطة سرية أو مخابرات كما يسمونهم في البلدان العربيّة" ويتحدث في كتابه عن "اختفاء فلان أو تبخر علّان لأنّه تفوّه بكلمه ضد مسؤول!". مؤسف أنّ الإنسان العربي يحوّل أدب الخيال السياسي إلى واقع، كما أنّه من المؤسف أن الإنسان العربي لا زال يعيش حالة تعتبر من مخلفات قرون الظلام الأوروبيّة.