التصعيد الأخير على غزة.. ما لا يسع العاقل تجاهله!

الأحد 17 نوفمبر 2019 12:56 م بتوقيت القدس المحتلة

انتهت جولة التصعيد الأخيرة على غزة بعد 72 ساعة من المواجهة بين حركة الجهاد الإسلامي والعدو الصهيوني، إثر تدخل الوسيط المصري الذي نجح في التوصل لاتفاق تهدئة ينهي حالة الاشتباك القائمة، حيث بدأت جولة التصعيد بعد جريمة اغتيال العدو الصهيوني للقائد في سرايا القدس "بهاء أبو العطا" فجر الثلاثاء باستهداف بيته في حي الشجاعية شرق مدينة غزة، وردّت سرايا القدس بقصف مدينة "تل أبيب" والقدس المحتلة وغيرها من المدن والمغتصبات الصهيونية حول القطاع، ليرتقي 34 شهيداً فلسطينياً غالبيتهم من النساء والأطفال بالإضافة إلى إصابة العشرات، كان آخرهم ارتقاء 8 شهداء مدنيين من عائلة واحدة مزّقتهم الطائرات الصهيونية في مجزرة بشعة ارتكبها العدو قبل سويعات قليلة من اعلان اتفاق التهدئة.

بعيداً عن المجاملات والمداهنات وأساليب التملّق والتطبيل المعهودة لدى البعض، ومع كامل الاحترام والتقدير لجهود وتضحيات الفصائل الفلسطينية التي هي بمثابة الدرع الحصين للشعب والقضية؛ سأجتهد أن أتحدث بمنطقية وموضوعية، بعيداً عن استخدام مساحيق التجميل، للوقوف على الدروس والعبر المستفادة من هذه الجولة "الكارثية" على المقاومة الفلسطينية؛ فالفصائل العسكرية مجتمعة -قبل جولة التصعيد هذه- أظهرت قوةً وعنفواناً ونكايةً في العدو حتى أدمت وجهه ومرّغت أنفه، وحققت نظرية “توازن الرعب“ وفرضت “معادلة الردع“ خلال ما يقرب من 10جولات تصعيد ماضية على مدار عامين سابقين، بخلاف الجولة الأخيرة التي كانت الأقل تأثيراً على الإطلاق؛ هذا برغم حجم الجريمة التي ارتكبها العدو بالعودة إلى سياسة الاغتيالات، وتجرّئه على كسر الخطوط الحمراء التي لم يجرؤ على كسرها منذ عام 2012 م، يوم اغتال قائد الأركان في كتائب القسام "أبو محمد الجعبري" الذي تمر الذكرى السنوية السابعة على استشهاده هذه الأيام.

سأعتبر -جدلاً- أن ما سبق ذكره هو محض ادّعاء وظلم وتحامل على حركة الجهاد الإسلامي، لذلك تعالوا بنا لنتتبّع السلوك العسكري للحركة خلال الأشهر الماضية من أجل اثبات أو نفي هذه "الادعاءات" من خلال عدة نقاط، مع ضرورة التأكيد على الدور المهم لحركة الجهاد الإسلامي كفصيل مقاوِم، فهذه المقالة ليست للانتقاص من الحركة التي أثخنت في العدو وآلمته في مراحل مختلفة، وإنما هي لوضع النقاط على الحروف وتصحيح المسار:

أولاً: سأعود معكم بالذاكرة يوم انطلقت مسيرات العودة وكسر الحصار في مارس 2018م، وفق رؤية وطنية جامعة انبثق عنها تشكيل جسم سياسي موحّد تحت مسمى "اللجنة الوطنية العليا لمسيرات العودة وكسر الحصار" والتي تضم كافة الفصائل الفلسطينية -دون حركة فتح- لتتطور هذه الحالة الفريدة إلى التوافق على تشكيل "غرفة العمليات المشتركة" لضبط إيقاع العمل المقاوِم والتنسيق بين القوى العسكرية المختلفة، وتجاوز سلبية العمل المنفرد والعشوائي في إدارة الصراع مع الاحتلال، وقد حققت إنجازاتٍ عسكريةٍ مهمة وفرضت معادلاتٍ جديدة أهمها "القصف بالقصف" والتي جعلت قادة الاحتلال يحسبون ألف حساب قبل قصف أي هدف في القطاع، بعدما كانت غزة مستباحة للعدو يقصفها متى شاء وكيف شاء، و قد أدارت "الغرفة المشتركة" المعركة مع الاحتلال بكفاءةٍ وفاعلية؛ في ظل دعم واحتضان شعبي وجماهيري، وبأقل تكلفة بشرية مقارنة بالفترات التي سبقت تشكيلها، ومقارنة بجولة التصعيد الأخيرة.

ثانياً: وجود حركة الجهاد الإسلامي ضمن "غرفة العمليات المشتركة" باعتبارها القوة العسكرية الثانية بعد كتائب القسام؛ يحتّم عليها الالتزام بالتنسيق والتوافق مع جميع مكوناتها، بعيداً عن التفرّد بالقرار أو فرض سياسة الأمر الواقع، لإرغام الفصائل الفلسطينية وخصوصاً كتائب القسام على الدخول معها في معركة تفرضها عليهم بقرار خارجي، يأتيها من قيادة الحركة في سوريا أو لبنان، في تجاوزٍ واضح وتجاهلٍ مؤسف لوجود فصائل كبيرة ووازنة في الساحة توافقت على العمل العسكري المشترك، كي تكون المسؤولية جماعية وتتحمل الفصائل سوية نتائجه وآثاره، فالقرار الوطني ينبع من "غرفة العمليات المشتركة" التي ارتضت "الجهاد" أن تكون جزءاً منها، وذلك بالتشاور مع كافة الفصائل قبل اتخاذ أي قرار؛ سيكون بالتأكيد له تداعيات وتأثيرات على مصير الشعب المحاصر ومشروعه المقاوِم، فقيادة المقاومة في الداخل تستطيع تقدير الموقف بشكل أدق وأعمق بحكم وجودها على الأرض وفي دائرة الصراع، بخلاف الحال عند قيادة الخارج التي غالباً ما يغيب عنها تفاصيل الواقع الغزي وما يحيط به من فرصٍ وتحدياتٍ مختلفة.

ثالثاً: قامت حركة الجهاد الإسلامي في الأشهر الأخيرة بخرق الإجماع الوطني لغرفة العمليات المشتركة عدة مرات، ما شكّل صدمة كبيرة للفصائل وعموم الشعب الفلسطيني الذي اعتبر التوافق الوطني على "قرار السلم والحرب" بمثابة الحلم الذي تحقق بعد عقودٍ من العمل العشوائي المنفرد، وبعد سنواتٍ من التنازع على قيادة الساحة، وما ترتب عليه من اهدارٍ للجهود والطاقات من قبل القوى والفصائل المختلفة (الجبهة الشعبية، فتح، حماس) بسبب التفرّد بالقرار السياسي والعسكري، ما أضعف الموقف الفلسطيني على الدوام وأعطى الاحتلال أفضلية بالاستفراد بالفصائل الفلسطينية كلٌ على حدة، في ظل وقوف باقي الفصائل متفرجة؛ أو في أفضل الأحوال مشاركة بشكل خجول مع الفصيل المُستفرَد به، وهذا ما شهدناه خلال السنوات الماضية بتفرد العدو مرة بقادة القسام، ومرة بقادة سرايا القدس، وأخرى بقادة ألوية الناصر صلاح الدين، وهلم جرا.

رابعاً: الأمين العام لحركة الجهاد الإسلامي "زياد النخالة" صرّح علانيةً في مقابلته الأخيرة على قناة الميادين حين قال أن عناصر الجهاد الإسلامي لا يطلقون رصاصة واحدة إلا بقرار من قيادة الحركة، وهذا يؤكّد ما ذهب إليه بعض المراقبين بأن 3 جولات تصعيد سابقة خاضتها حركة الجهاد الإسلامي منفردة، ودون التنسيق مع شركائها في "غرفة العمليات المشتركة" كانت بقرار خارجي من السيد زياد النخالة شخصياً، والذي أشار خلال المقابلة عن قرب توقيع اتفاق هدنة مع العدو الصهيوني إن وافق على شروط المقاومة قائلاً: "إذا اتفقنا؛ الآن "على جهاز التليفون" نعلن وقف إطلاق النار بعد ساعة، و"أنا موجود هنا" نستطيع أن نعقد اتفاق وقف إطلاق النار مباشرة…." في تفرّدٍ جديدٍ بالقرار وتجاهلٍ وتقزيمٍ واضحٍ للفصائل التي قاتلت مع حركة "الجهاد" جنباً إلى جنب خلال المعركة الأخيرة!

خامساً: بعد سويعاتٍ قليلة من انتهاء المقابلة مع السيد "زياد النخالة" أُعلن عن بدء سريان اتفاق التهدئة بين حركة الجهاد الإسلامي والاحتلال، وهو ما لاقى رفضاً شعبياً وجماهيرياً، وأشعَرَ المواطنين بخيبةِ أملٍ كبيرة، وأحدث شرخاً ليس على صعيد العمل الوطني فحسب، بل على القاعدة الجماهيرية والعسكرية للحركة التي انقسمت بين مؤيدٍ ومعارضٍ للاتفاق بسبب ما اعتُبر تفريطاً بدماء الشهداء، وأن جولة التصعيد لم ترقى لحجم الجريمة الصهيونية، خصوصاً أنه وقبل اعلان التوصل لاتفاق التهدئة ارتكب العدو مجزرة بشعة في حق عائلة "السواركة" جميع ضحاياها كانوا من المدنيين "نساءً وأطفال".

سادساً: في العام الماضي أقدمت قوة صهيونية خاصة على التسلل إلى المناطق الشرقية في خانيونس، وقامت باغتيال القائد في كتائب القسام "نور بركة"، وبعد اكتشاف أمر القوة الخاصة قامت طائرات العدو بقصف المنطقة بصورة جنونية فاستشهد 6 من مقاتلي القسام وأصيب آخرون، تداعت قيادة القسام بحكمة للاجتماع مع باقي مكونات الغرفة المشتركة للتشاور، وتم التوافق على الرد المشترك على عملية الاغتيال الجبانة بحق القائد "نور بركة" واخوانه، وقدّمت المقاومة يومها نموذجاً راقياً في العمل العسكري المركّز والأداء القتالي المنضبط، ابتداءً باستهداف حافلة للجنود الصهاينة بصاروخ "كورنيت" واحتراقها بالكامل، مروراً باستهداف آلية عسكرية بصاروخ موجّه، وليس انتهاءً باستهداف البلدات المحتلة بمئات الصواريخ وبكثافة نارية وقدرة تدميرية عالية، ونتج عن ذلك مقتل مغتصبين، وجرح ما يزيد عن 70 آخرين، وتضرر 317 شقة سكنية ما بين أضرار وتدمير جزئي، لتخرج مقاومتنا بجبهة ناصعة وشعبنا برأس مرفوع، وتحتفل الجماهير في الشوارع بهذا النصر المؤزر الذي سطرته قوى المقاومة مجتمعة.

خلاصة القول: إن ما حدث في جولة التصعيد الأخيرة هو تراجع خطير على مستوى التنسيق والتفاهم في العمل العسكري، يجب أن يدفع بالجميع للوقوف أمامه بحكمةٍ ورويّة، مسؤوليةٍ عالية، وحزمٍ شديد، لتقييم هذا التراجع والوقوف على أسبابه ونتائجه، ثم التعهد بعدم العودة لمثله، فإن من أوجب الواجبات في مثل هذه الأوقات هو رص الصفوف، وجمع الكلمة، وتنسيق المواقف، لمواجهة العدو الذي يتربص بنا الدوائر ويسعى لشق صفنا وتمزيق وحدتنا، ليسهل عليه الاستفراد بفصائلنا فصيلاً تلو الآخر، فلن نستطيع أبداً مواجهة عدونا ونحن متفرقين، ونستطيع حتماً مقارعته وهزيمته ونحن متوحدين.

وصدق المهلب بن أبي صفرة حين قال:

كونوا جميعا يا بني إذا اعترى .. خطب ولا تتفرقوا آحادا