هل زرت سجون وعرفت بأن الموت حنون؟

الخميس 21 نوفمبر 2019 04:37 م بتوقيت القدس المحتلة

(( لا بد بأنك زرت سجون

كي تعرف أن الموت حنون

سجن في شرق بلادي

سجن في غرب بلادي

سجن هي كل بلادي

سجن هي كل بلادي

سجن سجان وعيون))

-مقاطع من أنشودة قديمة-

 

اسم (نائل البرغوثي-أبو النور) كان حاضرا في الأيام الماضية في فضائنا الإعلامي، ولكن ربما الشخص الذي عبر بصدق وحرقة عن الحدث أي مرور أربعين سنة على اعتقال نائل المتواصل في سجون الاحتلال الإسرائيلي هو شقيقه الأسير المحرر(عمر البرغوثي-أبو عاصف) الذي ظهر في مقطع فيديو تناقلته مواقع التواصل وبعض وكالات الأخبار يتحدث عن الأمر بطابعه الخاص أي شقيقه الأسير نائل، والعام أي موضوع الأسرى:-

هل تعرف ما معنى أن يقبع إنسان في السجن أربعين سنة؟ وهذا الإنسان ليس تاجر مخدرات أو قاتل أو مرتكب لجناية أو جريمة نكراء؛ بل هو إنسان قام بما رآه واجبا وطريقة وحيدة لخلاص شعبة ووطنه من الاحتلال أي المقاومة، في تفصيلات الحياة اليومية أغلب الأشياء قد تبدو روتينية وطبيعية لمن هو خارج السجن؛ حين يحتار في اختيار طبق الأكل لأي وجبة، وحين يبحث في خزانة الملابس عما هو أليق وأنسب كي يرتديه، وحين يجلس يتابع فضائية فيضغط على زر ينقله إلى فضائية أخرى وأخرى وأخرى، وحين يجلس وأمامه كوب من الشاي يرتشفه وهو يمسك بهاتفه النقال يتصفح مواقع الإنترنت ويتجوّل في رحاب مواقع التواصل الاجتماعي، وحين يسأم من ضجيج أطفاله فينهرهم ويأمرهم بتوفير جو من الراحة، وحين يملّ من كل العائلة فيغلق على نفسه باب إحدى غرف بيته كي ينام، أو حين يخرج من البيت لزيارة صديق أو قريب أو لمجرد الترويح عن النفس راجلا أو راكبا، كل هذه الأمور والتفصيلات تبدو طبيعية لمن هو خارج السجن، وينشغل عن هذه النعم بهموم وانشغالات أخرى (أكثر أهمية).

ولكن السجين أو الأسير شيء مختلف تماما؛ فكما قال (أبو عاصف) فإن كل ما يخص الأسير قضية بحد ذاته...فالأسير مقيد ومحدود الحركة حتى في سجنه، وفوق قيوده قد تفرض عليه قيود وعقوبات إضافية تزيد من معاناته وآلامه؛ فقد يوضع في العزل الانفرادي مدة قد تكون أياما وقد تكون سنوات، ولا يرى في معزله سوى السجانين! والأسير الذي له أطفال قد يمنع من الزيارة لمدة قد يكبر أطفاله فيها دون أن يراهم من وراء الزجاج، وإذا سُمح له بالزيارة وحضر أطفاله وسمحوا له باحتضانهم فالأمر لا يتعدى وقتا قصيرا عابرا في أجواء لا يمكن أن توصف بالأسرية والعائلية. والأسير العازب ومحكوم مدة طويلة، سيسمع أخبار من كانوا معه في الصفوف المدرسية أو أصدقاء له، تزوجوا وأنجبوا، بل لربما صار لهم أحفاد بينما هو تُستهلك سنيّ عمره في السجون.

كل شيء ولو كان صغيرا بسيطا هو في حياة الأسير شيء مهم وكبير بالنسبة له؛ فإذا حصل الأسير على ملعقة طعام أو كان محظوظا وحصل على فناجين(صيني) أو على كأس زجاجي فهذا مغنم كبير ومكسب عظيم! هل تعرف ما هي (البوسطة) ؟إنها شاحنة كبيرة لنقل الأسرى، ويكون الأسير مكبل اليدين والقدمين بقيود صنعت في أمريكا وبريطانيا كما هو منقوش عليها، ويجبر على الجلوس على مقعد حديدي والحديد الذي يجلس عليه هو شبك له ثقوب دائرية، وهذا كفيل-خاصة في البرد- أن يسبب له المرض والألم، وقد يستمر(سفر) الأسير في هذه البوسطة اللعينة أسبوعا كاملا لقطع مسافة يمكن قطعها في سويعات، ولكن هذه البوسطة تتجول بين السجون، وتحط رحالها في بعض السجون للمبيت فيما يسمى (المعبار) وهو مكان احتجاز مؤقت منفصل عن غرف السجن الأخرى، يفتقد للنظافة وكل ظروف الحياة فيه صعبة، مما يجعل الأسرى يرددون عبارة مشهورة(الحبسة هي البوسطة)!

ولك أن تتخيل وضع الأسرى المرضى ومن لا يستطيعون المكوث مدة طويلة دون قضاء حاجاتهم، وعليهم هنا تدبير أمرهم وقضاء حاجتهم في زجاجات فارغة! وقد يكون مزاج قوات (النحشون) وهي فرقة عسكرية خاصة لنقل الأسرى بين السجون والمحاكم ومراكز التحقيق، سيئا فيتعرض الأسرى للشتم أو الضرب أو التوصية بفرض عقوبات عليهم في السجن لأتفه الأسباب، وحتى بعد أن يجبر الأسير نفسه على التأقلم مع واقعه، فإن وحدات القمع قد تقتحم عليه غرفة السجن وتنهال عليه بقنابل الغاز والهراوات، وتخرّب مقتنياته البسيطة وتنقله إلى سجن آخر كي يبدأ من الصفر وهكذا دواليك!

طبعا لا يتسع المجال لسرد كافة تفصيلات ظروف الحياة في الأسر الصهيوني، ولكن لا يعرف حقيقة الأمر إلا من مرّ به وجربه؛ وأنا شخصيا قرأت مئات الكتب والمقالات والدراسات وتابعت كثيرا من المرئيات وسمعت من عدد كبير من الأسرى المفرج عنهم عن ظروف السجن، ولكن الصورة ظلت ناقصة وغير مكتملة الوضوح حتى خضت التجربة بضعة شهور، وحتى من يجرب لا تكتمل عنده الصورة عن كل السجون؛ فكل سجن إسرائيلي له نظام وظروف فيها اختلاف عن السجون الأخرى من شتى النواحي المعيشية والظروف والمناخ ومدد الأحكام المفروضة على الأسرى فيه، والظروف المناخية؛ فبعض السجون في مناطق رطبة وأخرى صحراوية وغير ذلك؛ فمن سجن مجدو غربا إلى جلبوع وشطة شمالا إلى هدريم وعوفر في الوسط إلى إيشل وكتسعوت ونفحة جنوبا، وغيرها من السجون الموزعة على خريطة فلسطين المحتلة، هناك أنظمة وظروف وتفصيلات كثيرة هي مجمل حياة الأسرى الفلسطينيين الذين قد يمكث بعضهم مددا تقصر أو تطول إلى حد أربعين عاما أو أكثر كما في حالة نائل البرغوثي، ومنهم من يفتك به السرطان كما (ميسرة أبو حمدية) الذي قضى والقيد في معصمه في 2013 ومن ينتظر مصيرا مشابها مثل (سامي أبو دياك).

والذين يمكثون سنوات طويلة تخيلوا كم تقلبت الأحوال والظروف السياسية والاقتصادية والاجتماعية في هذه الدنيا وكبر جيل وهم يعيشون الظروف التي ذكرت شيئا قليلا عن ملامحها...إنها مقابر الأحياء! وهنا قد يقول قائل بأن سجون إسرائيل تظل أفضل من السجون العربية سيئة الذكر، بل تعتبر فنادق سياحية عند المقارنة؛ فلا مقارنة بين أي سجن إسرائيلي وسجن العقرب المصري أو سجون النظام السوري وغيره، ولأن هذه المسألة كثيرا ما تطرح فإنني أقول:

1)   الحديث عن جريمة كبيرة لا يعني التهاون مع جريمة أصغر منها وتبريرها.

2)   السجون الإسرائيلية حتى أصبحت هكذا مرت بمراحل نضالية عصيبة واستشهد أسرى وعانى آخرون كثيرا، وهي في مرحلة ما قبل الثمانينيات لا تختلف عن السجون العربية.

3)   ما ترونه (خدمات فندقية) وهو ليس كذلك بالطبع في السجون الإسرائيلية، يدخل ضمن خطة مدروسة إسرائيليا وقد تناولتها دراسة كتبها الأسير (وليد دقة) القابع في الأسر منذ 34 سنة بعنوان: صهر الوعي أو في إعادة تعريف التعذيب.

4)   إننا شعب قليل العدد مقارنة مع غيرنا من الشعوب وقد مرّ مليون فلسطيني بالتجربة الاعتقالية منذ عام 1967 وهذا يعني أن كل بيت فلسطيني تقريبا عايش هذه الظروف ولا أخال هذا حدث في بلد في العالم بله البلاد العربية.

كثير من الأمور التي يمكن الحديث عنها، والأهم أن الأسرى سجنوا عند غرباء اغتصبوا أرضهم، وأقاموا كيانهم فوقها، فحاولوا مقاومتهم...ومهما كتبنا وقلنا نظل مع هؤلاء في حيّز التقصير...نسأل الله لهم فرجا عاجلا.