كُنْ "هَيولاً"

الثلاثاء 26 نوفمبر 2019 07:39 م بتوقيت القدس المحتلة

يا مساحاتنا التي تضيق بما نكتبه على أنفسنا، يا حدودنا التي تُرسمُ بأقلام عقولنا، يا جدراننا التي تبنى بصلف اعتقادنا، ثم لمّا أردنا الانطلاق حدّنا ألف حدًّ وحد، وبرز لنا في دواخلنا ألف قيدٍ وقيد، وافتقدنا المساحة على وسعها، وتشبثنا بالحدود على سرابها، واصطدمنا بجدران الصلف رغم وهميتها، منذ النفخة الأولى فيك، أريد لك الاتساع، وما الطين إلا الحد الرمزي لروحك الطوّافة، وما الجسد الناسوتي إلا نقاط ارتباطك بالمحيط. والمحيط ممتد، ألا تراه يتسع بمقدار ما تصل إليه، ألا تراه يزداد عمقاً بقدر ما أطلقت لمغامرتك الغوص، فما الذي يبقيك على هامش الشواطيء؟ ما الذي يجعلك لا ترى من الجسد إلا حدوده؟ ولا ترى التماهي بحدوده مع كل ما يصل إليه؟ وما لك تقفُ ما ليس لك به علم؟ ولك في السمع إصغاء، وفي البصر بصيرة، وفي الفؤاد فهم.

يُكسبك المبدأ نقطة انبثاق، تسير نحوها إلى هدفٍ مرسوم مرحلياً، حتى إذا تحول المرحلي إلى دائم، سلبك المبدأ كل شيء، فهل تراني أدعوك إلى اللامبدأ؟ أم أنني أهمس لك في قلب الوعي، بأن تجعل مبدأك مساحة للتفكر، ونقطة للارتكاز؟ فإذا ما بدأ يسلبك أكثر مما يضيف إليك، أعدت فيه التقليب والنظر، وارتضيت منه بذاك القدر، الذي يوسعك ولا يضيق عليك، ويحررك فلا يقيدك، ويطلقك فلا يستعبدك، يرسم لك العقل، مساحات المنطق المتاحة، وحسابات القوانين التي وصل إليها، ويتجاهل على غرور من النتائج، القلب التواق للانعتاق. أتظنني أدعوك لإلغاء العقل؟ أم أنني أهمس لك، بأن تفتح لقلبك عينين وعقلا، وتحيل القوانين عليه، فلا تكتفي بنظر العقل المحدود بالمنطق، وتعطي لقلبك الفرصة المُنقذة لك من الجمود والصلابة. فيكون النظر للأمور نظرين، والتفكر في المساحات تفكرين. والنتائج، معقولة بحجج العقل، ومُرطبّة بذوق القلب.

لماذا لا تكون هيولاً غير محدود بما وُجدت عليه، بل تجِدُ ما ستكون عليه، وتنتقل مما وجدت إلى ما ستجد، ومُدرِكاً أن الوصول مراحل ممتدة، وكلما وصلت تُقت، وكلما فهمت نضجت، وكلما ارتقيت رأيت

نتشكل في هذه الحياة المعمعمة حول محاور عدة، يقيم صلبها المجتمع والثقافة والاعتقاد، وتتداخل فيها الجغرافيا والسياسة والبيئة، فتتوالى الحجب طبقات طبقات، على ذاك المولود العلوي، وتلك الكينونة الغضة. فتسير هذه الروح العلية في اتجاهات متخبطة، جل ما فيها يراكم الحجب علينا، ويسترنا عن نورانيتنا الأولى، تلك التي كانت قابلة لكل صورة، ومدركة لكل لغة، ومتوقدة لكل فهم وعالمةً لكل اسم، ومنها ما تلتمع فيه لمعة النفحة الأولى، فتسير نحو التحرر، وتغالب إلى تبديد الحجب، وتتوق إلى سيرتها الأولى، يوم أن علمت الأسماء كلها، وما علّمها الأسماء إلا لتعرفها، وما المعرفة إلا أساس وجودها، وغاية خالقها منها، فسجد لها النور بكل تسبيحه.

في هذا الكون المتوسع على الدوام، نَبينُ كذوات، وقد لا نَبين كهباءات، وكلما عدنا لذواتنا تمترسنا، وكلما تذكرنا هباءنا، تسامينا. وما بين الإدراكين، نحن في جَزرٍ من الحدية ومدٍ من الفهم. والهيول، هو ذاك الضوء، الذي يدخل الكوة من البيت، فهو ذات ترى وأثرٌ غير حاد، قادر على النفاذ، دون ألم الاختراق، متوسع بتوسع الفضاء، وهباءٌ بالنسبة إليه، رغم لا نهائيات مكوناته، ومبثوث ذراته. هو كينونة قوامها الاتساع، ومداه اللاحدود، ومآله مدى البصيرة والأبصار. لماذا لا تكون هيولاً من الاعتقاد والفهم، لا نهائياً في القبول، متلبساً صور الآخرين فهماً، وممعناً في التوسع في هذا المدى الذي لا يقبل منك الا التوسع حتى الفناء، فتغرف من المحيط دون توقف، وتشرب من الإدراك دون ري، وتتوالى أمامك الحجب انكشافا.

لماذا لا تكون هيولاً غير محدود بما وُجدت عليه، بل تجِدُ ما ستكون عليه، وتنتقل مما وجدت إلى ما ستجد، ومُدرِكاً أن الوصول مراحل ممتدة، وكلما وصلت تُقت، وكلما فهمت نضجت، وكلما ارتقيت رأيت، فليكسبك الارتقاء نظراً من أعلى، فتتجاوز به صراعات من سفلوا، فيورثك الحكمة لا الكِبر، وبُعْد النظر لا عماء الأنفة، وتذوق القلب لا غرور العقل، لماذا لا تكون هيولاً، حاوياً كل الصور، لا مائعاً تُشكله القوالب، ضوء لا يعرف الحيود، ذراته أفهام الخلائق ومكنونه تلاقيها في قوامه،  يضيء المعتم في أنحاء ذاته ويحيله نوراً من المعارف .

يقول أحد العارفين، لن تصفو حتى توقر كل الخلائق، ودعوته هذه ليست استسلامية ارتهانية، بل هي عرفانية فهمية، فإنك لن تصفو في حياتك، وستبقى متقلباً بين المباديء، تأخذك الأفكار في موج من التلاطم؛ حتى توقر أفهام الخلائق وتنصت لكل هذا ولو كان مضاداً مخالفاً، ثم تصفو على فكرٍ وذوق قلب ومساحة حياة. ولن تصفو دون أن تكون هيولاً تستوعب كل شيء، ثم تنفذ إلى حيث ينبغي لك، وهذا الذي ينبغي لك، ما زال في طريق التكشفُ والبحث، وأولى خطواته " كن هيولاً"