المانيكان

الثلاثاء 26 نوفمبر 2019 07:43 م بتوقيت القدس المحتلة

وقف أمام محل الملابس الرجالي يتأمل من خلال واجهته الزجاجية اللامعة أناقة المعروضات، وتناسق ألوانها على جسد "المانيكان" الوسيم بدقة متناهية، وقواعد مدروسة، فالقميص السادة له بنطال يختلف عن ذاك المقلّم، و"البلوفر" الداكن له مواضع غير الفاتح، و"الجاكيت الكاجوال" يتماشى مع حذاء بمواصفات معينة.

إنه علمٌ قائم بذاته له رواده ومريدوه، ولأجله أقيمت دور الأزياء والموضة، وتنافست الماركات العالمية في إرضاء ذوق الإنسان العصري.

لم يعد الملبس كما كان في السابق لستر العورة، أو ليقي برودة الجو في فصل شتاء قارس، ولم تعد خزانة الملابس مشتركة بين الإخوة، مَنْ وافق مقاسه ثوبٌ كان له، وإنما أصبح الملبس "بريستيج" يعكس المستوى الاجتماعي للناس.

وبينما كان يتنقل بنظره من مانيكان إلى آخر إذا عيناه تتوقفان عند وجه سيدةٍ شقراء فاقع لونها تسرّ الناظرين، بابتسامة جذابة لا تقل أناقة عن المعروضات، وبكلماتٍ ترحيبية لم يسمعها من قبل تدعوه، وكأنها مغناطيس يجذبه إلى داخل المحل.

كانت هذه هي المرة الأولى التي ترحب به سيدة "غريبة" وتُشعره بأهميته منذ أن وطئت قدماه تلك البلاد قبل أسبوعين للدراسة الجامعية، فمحلات الملابس الرجالية في بلده يديرها رجال وغالبًا ما يكونون أصحاب المحل، ورغم كل اللطافة والوسامة التي يجهدون أنفسهم ليظهروها في استقبال الزبائن تبقى ذكورية جامدة لا روح فيها.

كان معروفًا بحيائه الشديد من الجنس الآخر، حتى مع بنات عمومته وجاراته، يطرح عليهن السلام ثم يجف حلقه، ويرتبط لسانه رغم فصاحته وسرعة بديهته.

كانت المسافات في مجتمعه بين الجنسين واسعة، والمناسبات منفصلة، والحواجز لم تدكّها بعد وسائل التواصل الاجتماعي التي لم تكن موجودة في ذلك الحين، ورغم الاحترام المتبادل بين الجنسين كانا يعيشان في كوكبين منفصلين، ما عدا قصص حب معدودة محدودة، كبيرها رسالة ورقية عابرة، أو نظرات إعجاب في الغدو والرواح، وسهر على وسادة خالية على أنغام أغاني العندليب.

دخل محل الملابس برفقة البائعة الشقراء، وما هي إلا دقائق حتى أقنعته بشراء قميصٍ بُنيٍّ رغم أنه لا يحب اللون البني، ثم لبّقت له ربطة عنقٍ عليه، رغم أنه وقتها لم يكن يلبس ربطات العنق بتاتًا.

ثم اقتادته إلى "الكاشير" حيث سدد ثمن المشتريات.

ووسط سيلٍ من الابتسامات والمجاملات نسي القميص وربطة العنق، وغادر المحل.