موت عبد العُزّى وموت أبراهام.. إشارات مبشرات

الخميس 05 ديسمبر 2019 04:39 م بتوقيت القدس المحتلة

في مكة المكرمة قبل حوالي 1440 عاما مات أحد المبشرين بالنار؛ وهو عبد العزى بن عبد المطلب بن هاشم الملقب بأبي لهب والذي خصّه الله -جل وعلا- بسورة قرآنية قصيرة سهلة الحفظ فلا ينسى إلى يوم الدين، تبشره بنار ذات لهب... (سورة المسد). موت هذا المشرك الموغل في عدائه الفاجر لرسول الله -صلى الله عليه وسلم- مع أنه عمه، كان في توقيت لم يحمل لمشركي مكة فرحا ولا سرورا؛ فقد كانوا لبضع ليال خلت يعيشون هول صدمة ما جرى لهم في بدر؛ فقد قتل منهم سبعون وأسر مثلهم، ومن بين القتلى عدد من زعاماتهم ورؤوسهم الكبيرة، فجاء موت أبي لهب كي يزيد من شعورهم بالخزي وتتابع المصائب، لا سيما أن موته وطريقة دفنه كانت فضيحة كما نعلم.

لقد تذكرت هذه التفصيلات وغيرها حينما أعلن الإعلام العبري خبرا مقتضبا: وفاة (أبراهام دار) أحد كبار مؤسسي وحدة سييرت متكال (Sayeret Matkal) عن عمر يناهز 94 عاما. لقد كانت وفاته بعد ساعات قليلة من بث برنامج (#ما_خفي_أعظم) على شاشة قناة الجزيرة الفضائية والذي تناول عملية نفذتها مجموعة تتبع الوحدة المذكورة في قطاع غزة وتحديدا في منطقة خانيونس وباءت بفشل ذريع واضح وقتل من تبين أنه قائد المهمة وجرح آخرون، واستمرت العملية التي وقعت أواخر تشرين ثاني/نوفمبر من العام الماضي 2018 زهاء أربعين دقيقة، وكشف البرنامج الذي جرى تداوله عبر مواقع التواصل الاجتماعي بكثافة والتعليق عليه من قبل المحللين والنشطاء وغيرهم عن مقاطع مصورة وتسجيلات صوتية وأجهزة ومعدات تركتها القوة المهاجمة خلفها وجميع ذلك يعرض على الإعلام للمرة الأولى... ودشن نشطاء وسما/هاشتاج هو(#أم_محمد) حمل كثيرا من التعليقات والنكات وهو يشير إلى امرأة من مقاتلي الوحدة المذكورة تنكرت بزي عربي فلسطيني وانتحلت هذا الاسم.

ومع أنني عموما لست مولعا بالتوقف والربط بين مثل هذه الحوادث والأشياء؛ إلا أنني هذه المرة شعرت بأن في الأمر إشارات ومبشرات ربانية، لا يجوز تجاهلها، خاصة أنها ذكرتني بموت أبي لهب بعد غزوة بدر! ويكأن الله -سبحانه وتعالى- يقول لقريش وقتها أن كبرياءها وجبروتها انتهى ويوشك بقاء وثنيتها في البلد الحرام على الموت المحقق، وهي التي ذهبت إلى بدر بعنجهية لشرب الخمر ونحر الجزور والاستماع إلى عزف القيان وكأنها في حفل أو مهرجان لا حرب وقتال، فقتل من اقترح هذا الخروج شرّ قتلة (أبو جهل، عمرو بن هشام) ومعه كثير من قادتها وزعمائها، ولما عادت للبكاء واللطم والحداد جاءتها رسالة أخرى بموت أبي لهب.. لم تعودي يا قريش كما كنت، ولن يطول مقام أصنامك هنا، وفعلا ما هي إلا بضع سنين إلا وقد تطهرت من الشرك وأذل الله رقاب من بقي من أهله.

أما فشل مقاتلي الوحدة النخبوية (سييرت متكال) التي تؤكد التقارير التي يسمح بنشرها عن دورها المخابراتي والقتالي، وكفاءة وبراعة ودموية وشراسة من ينتسبون إليها، وتفاخرهم بتنفيذ مهماتهم الإجرامية القذرة، وانكشاف أمرهم وكادوا يقتلون جميعا، أو يقعون في الأسر لولا تفوق قوة النيران والطيران الإسرائيلي، وعرض حقيقة جزء مما جرى وما خفي أعظم، ثم موت أحد كبار مؤسسيها بالتزامن مع هذا العرض فلا تخفى الإشارات ولا تغيب البشرى!

فهي إشارة بأن هذه الدولة التي أقيمت على أرض تم اغتصابها بقوة السلاح واستغلال ضعف القوة المادية لشعبها الحقيقي الأصلي، لن يطول بقاؤها ووجودها بات محل شك بل ثمة يقين بأن هذا الكيان الغريب سينهار وينتهي.. هذا على الرغم مما يبدو من انتفاشه وغطرسته، وإعطاء بعض ممن يفترض أنهم أعداء طبيعيون له، الدنية في التعاطي معه، والمسارعة إلى ما يسمى التطبيع.

اليوم حين يموت أبراهام دار تزامنا مع كشف إخفاق كبير لوحدة سهر طويلا على تقوية مخالبها وإطالة أذرعها كي تضرب في كل أرجاء الأرض، حين نقول بأنه خلال بضع سنين لن يظل هنالك في فلسطين دولة اسمها إسرائيل

فقطاع غزة منطقة من الناحية الاستراتيجية تعتبر ضعيفة جدا، فأنت تتحدث عن شريط ساحلي ضيق مكتظ بالسكان محاصر تماما، ومع ذلك تمكن رجال المقاومة متسلحين بإيمانهم بالله وقناعتهم بحقهم، وأن لا مكان للمستحيل في ميدان المناجزة، من تطوير أدائهم وأدواتهم بكل ما يمكّنهم من مواجهة القوة الغاشمة، وهم ليسوا جيشا يبتلع مليارات الدولارات على التسلح والإنفاق، ولم يتدربوا في أكاديميات عسكرية وأمنية عريقة، ولا يأخذون راحتهم في الحركة والتنقل، وبالمقارنة الأولية السطحية هم أضعف وأبعد ما يكونوا عن هزيمة ما يصنف كأقوى جيش في المنطقة وأحد أقوى جيوش العالم...مع ذلك لقد نجحوا وأذلوا كبرياءه في غير مرة، وما فشل مهمة إحدى مجموعات وحدة نخبوية فيه، إلا إشارة مبشرة على أن (ما بقي أعظم)!

أعلم أن الصورة ليست وردية والطريق ليس مفروشا بالورود بل حتى بالتراب أو الحصى والصخور، بل بالألغام والأشواك والعقبات الكأداء، ودون المبتغى بحار من الدماء، كما أن الفقر وضيق العيش والارتفاع في معدلات البطالة بنسب مخيفة، ومغادرة أعداد لا يستهان بها أرض قطاع غزة، ناهيك عمن يحلمون أو يسعون للحاق بالمغادرين إلى بلاد الله الواسعة، وفشل حماس -بغض النظر عن المبررات والأسباب- في تدشين حكم رشيد وإدارة ناجحة هناك.. كل هذا لا يجوز التغاضي عنه عند قراءة المشهد، ولكن ما انكشف وما أعلن عنه من أداء رجال المقاومة وشجاعتهم (تم عرض صورة مقاوم يواجه طائرة متطورة بسلاح خفيف بشجاعة نادرة) وحرصهم الدائم المتواصل على مراكمة خبراتهم وتحسين أدائهم وتطوير ما بأيديهم من سلاح وعتاد ومعلومات واتصالات، إشارة تحمل بشرى كبيرة، وإسرائيل بكافة أذرعها ومؤسساتها تدرك هذه الحقيقة.

فهؤلاء المقاومون ليسوا مثل أسلافهم المساكين المستضعفين الذي شُرّد منهم كثير وقتل كثير وعاشوا وقع تبعات النكبة والصدمة وهول هزائم الجيوش العربية؛ بل إنهم -رجال المقاومة- يجترحون ما بدا قبل سنوات محالا، ويتقدمون بإصرار وعناد ووعي والهدف الاستراتيجي نصب أعينهم: استرداد الحق والأرض المسلوبة، والهدف التكتيكي: جعل هذه البقعة من الأرض نواة صلبة، وقاعدة منيعة ودفع المؤسسات الإسرائيلية كافة إلى قناعة باستحالة اختراقها أو هزيمتها، والنكاية بالجيش (الذي صار يقهر في مواجهات تشتد وتخبو).

ولربما يوم أن مات أبو لهب، ومع كل الخزي والعار الذي لحق بقريش لو قال قائل: تخيلوا أن محمدا الذي هاجر من مكة متخفيا حذرا قبل سنتين سيعود بعد أعوام قليلة على رأس جحافل من المقاتلين، وسيصعد بلال الحبشي فوق الكعبة مؤذنا، وستزال كل هذه الأصنام من الكعبة ومن حولها، لبدا الأمر في نظر من لا يلتقطون الإشارات والبشريات (سورياليا) أو هذيانا.

واليوم حين يموت أبراهام دار تزامنا مع كشف إخفاق كبير لوحدة سهر طويلا على تقوية مخالبها وإطالة أذرعها كي تضرب في كل أرجاء الأرض، حين نقول بأنه خلال بضع سنين لن يظل هنالك في فلسطين دولة اسمها إسرائيل، ولن يبقى لا موساد ولا شاباك ولا تساهال ولا سييرت متكال ولا غير ذلك، فإن الأمر سيبدو شبيها بذاك الاستشراف لو طرح -ولعله فعلا قد طرح- قبل 1440 عاما.. الإشارات مفعمة بالبشريات، هذا مع كل ما في الوضع العربي والفلسطيني من المثبطات والخيبات والأمور المبكيات!