وقفة مع أوبريت "ملاك السلام"

الأحد 08 ديسمبر 2019 12:19 م بتوقيت القدس المحتلة

النرجسيّة قوة غاشمة تنبت من بُصيلات النفاق، وتستمدّ غذاءها من نظرات الإعجاب المصنوعة، وصرخات التصفيق الثملة، وأنغام الألحان المدفوعة، وزوابع الغبار والأوراق اليابسة المحمولة... وفي النهاية ستكون كلها كالحطب المتوحّد في الحقل المحصود تسقط عليه الشمس فتشعل أطرافه حتى تأكله بقايا الرماد

الفكرة كما يقول مخرج أوبريت "ملاك السلام" فراس عبد الرحمن أن بابا الفاتيكان لقّب محمود عباس بملاك السلام وهذا وصف عظيم يستحق الاحتفاء لذلك طلب من الشاعر خالد سكر أن يكتب في هذا المعنى العظيم؛ و"ملاك السلام" ليست كما ظنوها إذ هي قلادة بروتوكولية ترمز للسلام بين الشعوب يهديها البابا للشخصيات المهمة التي تزوره، فقد أعطاها من قبل للرئيس الروسي بوتين والمستشارة الألمانية ميركل وحتى شيخ الأزهر أحمد الطيب نال هذه القلادة قبل عباس .

كل كلمة في أوبريت ملاك السلام مدفوعة الثمن سياسياً أو مالياً، كلمات فخمة تفخر بزعيم مصنوع لا يقدر على شيء تحت قدميه ... وهي كلمات تعود بنا إلى نمط التكسّب بالأدب المذموم في سيرة التاريخ.

الكلمات منظومة بتكلف شديد كحجارة الرصيف الملصق بتجويفات مملوءة بالرمل الرخيص، وبناؤها ضعيف مهزوز لا يستحق أن يوصف بالشعر، مع أخطاء نحوية لا تخفى على أي دارس ...

أما الكسور في الوزن والتي عالجها التوزيع الإيقاعي بالمدّات، والمؤدون بإشباع الحركات فهي ترتع في العمل، ومن الصعب أن أدرج هذا النظم في الشعر الحر فضلاً عن الشعر الخليلي ...

وفيها من المبالغات الممجوجة التي يعرف كل شخص مبلغ الإسراف فيها (بعثرتَ أرتال العِدا ... بالحنكة المتوقدة... جرّدتَ أنياب الطغاةْ... و "مخالباً" مترصّدة !) و( حثّ الخُطا نحو الفضا) حتى إن الكلمات حمّلته "الرصاص" الذي يرفضه قولاً وفعلاً واعتقاداً في كل أدبياته المنشورة والمذاعة السرية والعلنية بشهادة الحلفاء الأمريكان و"الإسرائيليين".

وليس في الأوبريت أي دراما داخلية ولا مشاعر دافئة، مجرد كلمات مصفوفة ثقيلة تتغنى لرأس السلطة الهرم الفاني ، وحتى وصفها بالأوبريت يحتاج مراجعة حقيقية من أهل الاختصاص الفني.

كتب هذه القصيدة خالد سكر مدير التلفزيون شخصياً وافتخر بذلك الأمر علناً، وأحسب أنه لن ينال المجد الذي يتمنّاه عندما يكتب التاريخ عنه للدلالة على الحاشية التي تطبّل للزعماء "حراس الأحلام وصنّاع الأمجاد" الزائفة .

التلحين لخالد صدوق والتوزيع لرامي عرفات ومع أنهما ذوا خبرة في الموسيقى الغنائية لكننا لم نجد الإبداع الذي تحدث عنه المتحدثون إذ ليس في الألحان والتوزيع نغم جديد جاذب أو بصمة ظاهرة، فكثيراً ما سمعنا هذا اللون الرتيب من الإيقاعات التي استجدّت فيها هذه الحشود في مكان واحد.

سنة من العمل والأموال منذ الفكرة حتى التنفيذ بجيش من الأصوات والإداريين والموسيقيين والمهندسين والعاملين أنفقوا فيها ما أنفقوا من إنتاج "الهيئة العامة للإذاعة والتلفزيون" برعاية الوزير العساف شخصياً، وليس خافياً أن هذه الهيئة لا يمكنها تمويل ذلك إلا بميزانية استثنائية من جهة عليا هي صاحبة الولاية المتنفذة على المال العام وهي السيد الرئيس شخصياً، ولك أن تتخيل مبالغ الإنفاق على الإضاءة والهندسة والإمكانات الفنية وستوديهات التسجيل لكل توزيع ... ومشاركة 25 وزارة ومؤسسة تابعة للسلطة كأجهزة الأمن والدفاع المدني في تفاصيل هذا الحدث...

إنني ما رأيت عملاً سخر منه الأقربون من هذا الملاك والأبعدون عنه كهذا العمل ويظهر لك ذلك في متابعة التعليقات الغاضبة في وسائط التواصل حتى اضطروا لإخفاء التعليقات أو وقفها وحذفها في المنصات التابعة لهم... وكم أشفقت على نفسي - وأنا من قبيلة الأدب والفن - وأنا أتابع خيبتي من هذا المشروع الذي وصفوه بالإبداع في كل تفصيل إلا في ذاك التوزيع الهندسي الجميل لوقفاتهم في مسرح حديقة الاستقلال الخارجي في لحظة غروب الشمس.

هذا المشروع الفني العملاق "مادياً" وفق الإمكانات الفلسطينية خرج من بين أنقاض قرارات تهويد القدس وتهويد الخليل وحصار قطاع غزة وفي ظل أزمة مالية خانقة واستأثر بحصة الأسد باسم الإبداع من أجل قضية باردة هي نفخ الزعيم الأوحد فيما تستصرخ القضايا العظيمة من حوله طالبةً بعض الجود من فائض ما يجده مشروع النفخ هذا...

إن كنت يا ملاك السلام تريد البقاء وخلود الذكر فاركن إلى أهلك، وانظر إلى أحوالهم وضمّهم إليك جميعاً: مقاتلَهم وأسيرهم وجريحهم ولطيمهم ويتيمهم وكبارهم وصغارهم وشيوخهم وعامتهم وأقِم بينهم بالرحمة والعدل وكفّ الأذى منك ومن جلاوزتك عنهم إن لم تكن قادراً على أن تتقدّم صفوفهم في مواجهة الأعداء على عتبة بيتك .

أما الظلم وخذلان الناس وإهدار كرامتهم واعتقال حريتهم ومنعهم من مقارعة عدوهم بكل سبيل فما ثمة شيء يستحق الزوال مثله غير مأسوف عليه ...

إذا أردتم إنفاق المال على أحد فأنفقوه على من بذل دمه شهيداً أو اخلفوا الشهداء والأسرى في أهاليهم ...

وإذا كان لابد أن نقول لأحد "يا سيدي" فليس أحقّ بهذا الوصف سوى شهدائنا العظام فحسب .