حياة الفاروق مع الفرقان

الخميس 19 ديسمبر 2019 05:40 م بتوقيت القدس المحتلة

كان المنهج التربويُّ الَّذي تربَّى عليه عمر بن الخطاب وكلُّ الصَّحابة الكرام هو القرآن الكريم، المنزَّل من عند ربِّ العالمين، فهو المصدر الوحيد للتلقِّي، فقد حرص الحبيب المصطفى على توحيد مصدر التلقِّي، وتفرُّده، وأن يكون القرآن الكريم وحده هو المنهج، والفكرة المركزيَّة الَّتي يتربَّى عليها الفرد المسلم، والأسرة المسلمة، والجماعة المسلمة، فكانت للآيات الكريمة الَّتي سمعها عمر من رسول الله (ص) مباشرةً أثرها في صياغة شخصية الفاروق الإِسلاميَّة، فقد طهَّرت قلبه، وزكَّت نفسه، وتفاعلت معها روحه، فتحوَّل إِلى إِنسانٍ جديدٍ بقيمه، ومشاعره، وأهدافه، وسلوكه، وتطلُّعاته.

حياة الفاروق مع القرآن الكريم

 عرف الفاروق من خلال القرآن الكريم مَنْ هو الإِله الَّذي يجب أن يعبده، وكان النَّبيُّ (ص) يغرس في نفسه معاني تلك الآيات العظيمة، فقد حرص (ص) أن يربِّي أصحابه على التصوُّر الصَّحيح عن ربِّهم وعن حقِّه عليهم، مدركاً: أنَّ هذا التصوُّر سيورث التَّصديق، واليقين عندما تصفو النُّفوس، وتستقيم الفطرة، فأصبحت نظرة الفاروق إِلى الله، والكون، والحياة، والجنَّة، والنَّار، والقضاء والقدر، وحقيقة الإِنسان، وصراعه مع الشَّيطان مستمدةً من القرآن الكريم، وهدي النَّبيِّ (ص).

وعرف أنَّ هذا الإِنسان خلقه الله بيده، وأكرمه بالصُّورة الحسنة، والقامة المعتدلة، ومنحه العقل، والنُّطق، والتَّمييز، وسخر الله له ما في السَّماء، والأرض، وفضَّله الله على كثيرٍ من خلقه، وكرَّمه بإِرساله الرُّسل له، وأنَّ من أروع مظاهر تكريم المولى عزَّ وجلَّ سبحانه للإِنسان أن جعله أهلاً لحبِّه، ورضاه، ويكون ذلك باتِّباع النَّبيِّ (ص) الَّذي دعا النَّاس إِلى الإِسلام؛ لكي يحيوا حياةً طيِّبةً في الدُّنيا، ويظفروا بالنَّعيم المقيم في الاخرة، قال تعالى: {مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ *} [النحل: 97].

 موافقات عمر للقرآن الكريم:

كان عمر من أكثر الصَّحابة شجاعةً، وجرأةً، فكثيراً ما كان يسأل الرسول (ص) عن التَّصرُّفات الَّتي لم يدرك حكمها، كما كان رضي الله عنه يبدي رأيه، واجتهاده بكلِّ صدقٍ، ووضوحٍ، ومن شدَّة فهمه، واستيعابه لمقاصد القرآن الكريم نزل القران الكريم موافقاً لرأيه ـ رضي الله عنه ـ في بعض المواقف.

1. موافقته في ترك الصَّلاة على المنافقين:

قال عمر: لمَّا توفي عبد الله بن أُبيٍّ؛ دُعي رسول الله (ص) للصَّلاة عليه، فقام إِليه، فلمَّا وقف عليه يريد الصَّلاة؛ تحوَّلتُ حتَّى قمت في صدرهِ، فقلت: يا رسول الله ! أعلى عدوِّ الله عبد الله بن أُبيٍّ القائل يوم كذا وكذا: كذا وكذا ـ يعدُّ أيَّامه ـ قال: ورسول الله (ص) يتبسَّم، حتَّى إِذا أكثرتُ عليه، قال: « أخِّر عني يا عمر ! إِني خيِّرت، فاخترت، قد قيل لي: {اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لاَ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ} [التوبة: 80] لو أعلم أنِّي إِن زدت على السَّبعين؛ غفر له؛ لزدتُ ». قال: ثمَّ صلَّى عليه، ومشى معه، فقام على قبره حتَّى فُرغ منه. قال: فعجب لي، وجرأتي على رسول الله (ص)، والله ورسوله أعلم، فوالله ما كان إِلا يسيراً حتَّى نزلت هاتان الآيتان: {اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لاَ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ} [التوبة: 80] لو أعلم أنِّي إِن زدت على السَّبعين؛ غفر له؛ لزدتُ ». قال: ثمَّ صلَّى عليه، ومشى معه، فقام على قبره حتَّى فُرغ منه. قال: فعجب لي، وجرأتي على رسول الله (ص)، والله ورسوله أعلم، فوالله ما كان إِلا يسيراً حتَّى نزلت هاتان الآيتان: {وَلاَ تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا وَلاَ تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ} [التوبة: 84] إِلى آخر الآية، فما صلىَّ رسول الله (ص) بعده على منافقٍ، ولا قام على قبره حتَّى قبضه الله عزَّ وجل.

2. موافقته في أسرى بدر:

قال عمر رضي الله عنه:... فلمَّا كان يومئذٍ فهزم الله المشركين، فقُتل منهم سبعون رجلاً، وأسر منهم سبعون رجلاً، فاستشار رسول الله أبا بكرٍ، وعليّاً، وعمر، فقال أبو بكر: يا نبيَّ الله ! هؤلاء بنو العمِّ، والعشيرة، والإِخوان، فإِنِّي أرى أن تأخذ منهم الفداء، فيكون ما أخذنا منهم قوَّةً لنا على الكفَّار، وعسى الله أن يهديهم، فيكونوا لنا عضداً ! فقال رسول الله (ص): ما ترى يا بن الخطاب ؟! فقال: قلت: والله ما أرى رأي أبي بكر ! ولكنِّي أرى أن تمكِّنني من فلانٍ ـ قريبٍ لعمر ـ فأضرب عنقه، وتمكِّن عليّاً من عقيلٍ، فيضرب عنقه، وتمكِّن حمزة من فلانٍ أخيه فيضرب عنقه، حتَّى يعلم الله: أنَّه ليس في قلوبنا هوادةٌ للمشركين، هؤلاء صناديدهم، وأئمتهم، وقادتهم. فهوي رسول الله (ص) ما قال أبو بكر، ولم يهوَ ما قلت، فأخذ منهم الفداء.

فلمَّا كان من الغد؛ قال عمر: غدوت إِلى النَّبيِّ (ص) فإِذا هو قاعدٌ، وأبو بكرٍ، وإِذا هما يبكيان، فقلت: يا رسول الله ! أخبرني ماذا يبكيك أنت وصاحبُك ؟ فإِن وجدت بكاءً؛ بكيت، وإِن لم أجد بكاءً؛ تباكيت لبكائكما! قال: قال النَّبيُّ (ص): «الذي عَرَضَ عليَّ أصحابك من الفداء، ولقد عُرض عليَّ عذابُهم أدنى من هذه الشَّجرة» لشجرةٍ قريبة ـ وأنزل الله تعالى: {مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الأَرْضِ} [الأنفال: 67] إِلى قوله: {لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ} [الأنفال: 68] من الفداء.

3. موافقته في الاستئذان:

أرسل النَّبيُّ (ص) غلاماً من الأنصار إِلى عمر بن الخطَّاب، وقت الظَّهيرة؛ ليدعوه، فدخل عليه، وكان نائماً، وقد انكشف بعض جسده، فقال: اللَّهمَّ حرِّم الدُّخول علينا في وقت نومنا ! وفي روايةٍ قال: يا رسول الله ! وددت لو أنَّ الله أمرنا، ونهانا في حال الاستئذان... فنزلت {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِيَسْتَأْذِنْكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ وَالَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الْحُلُمَ مِنْكُمْ ثَلاَثَ مَرَّاتٍ مِنْ قَبْلِ صَلاَةِ الْفَجْرِ وَحِينَ تَضَعُونَ ثِيَابَكُمْ مِنَ الظَّهِيرَةِ وَمِنْ بَعْدِ صَلاَةِ الْعِشَاءِ} [النور: 58].

4. عمر ودعاؤه في تحريم الخمر:

قال عمر: لمَّا نزل تحريم الخمر؛ قال: اللَّهُمَّ بيِّن لنا في الخمر بياناً شفاءً ! فنزلت هذه الآية الَّتي في البقرة: {يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ} [البقرة: 219] قال: فدعي عمر، فقرئت عليه فقال: اللَّهمَّ بيِّن لنا في الخمر بياناً شفاءً ! فنزلت الآية الَّتي في النِّساء: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَقْرَبُوا الصَّلاَةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى} [النساء: 43] فكان منادي رسول الله (ص) إِذا أقام الصَّلاة نادى أن لا يقربن الصَّلاة سكران، فدُعي عمر، فقرئت عليه، فقال: اللَّهمَّ بيِّن لنا في الخمر بياناً شفاءً ! فنزلت الآية الَّتي في المائدة، فدُعي عمر، فقرئت عليه، فلمَّا بلغ {فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ *} [المائدة: 91] قال عمر: انتهينا، انتهينا!

وهكذا خضع تحريم الخمر لسُنَّةِ التدريج، وفي قوله: فهم عمر من الاستفهام الاستنكاري بأن المراد به {فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ *}، لأن هذا الاستفهام أقوى وأقطع في التحريم من النهي العادي، فقط ألفاظ الآية وتركيبها وصياغتها تهديد رهيب واضح كالشمس في التحريم.

إِلمامه رضي الله عنه بأسباب النُّزول:

حفظ عمر القرآن كلَّه في الفترة الَّتي بدأت بإِسلامه، وانتهت بوفاة الرَّسول (ص) وقد حفظه مع أسباب التَّنزيل إِلا ما سبق نزوله قبل إِسلامه، فذلك ممَّا جمعه جملةً، ولا مبالغة إِذا قلنا: إِنَّ عمر كان على علمٍ بكثير من أسباب التَّنزيل، لشدَّة اتِّصاله بالتَّلقِّي عن رسول الله (ص)، ثمَّ هو قد حفظ منه ما فاته، فإِنْ يلمَّ بأسباب النُّزول والقرآن بِكْرُ التنزيل، والحوادث لا تزال تترى؛ فذلك أمرٌ يسيرٌ.

وقد كان عمر سبباً في التنزيل لأكثر من آيةٍ، بعضها متَّفقٌ على مكِّيته، وبعضها مدنيٌّ، بل كان بعض الآيات يحظى من عمر بمعرفة زمانه، ومكانه على وجهٍ دقيق، قال عن الآية الكريمة {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِيناً} [المائدة: 3]: والله إِنِّي لأعلم اليوم الَّذي نزلت على رسول الله، والسَّاعة الَّتي نزلت فيها على رسول الله عشيَّة عرفة في يوم الجمعة.

سؤال عمر بن الخطاب لرسول الله (ص) عن بعض الآيات:

كان عمر رضي الله عنه يسأل رسول الله (ص) عن بعض الآيات، وأحياناً أخرى يسمع صحابيّاً يستفسر من رسول الله (ص) عن بعض الآيات، فيحفظها، ويعلِّمها لمن أراد من طلاب العلم، فعن يَعْلى بن أميَّة، قال: سألت عمر بن الخطاب، قلت: {فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاَةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا} [النساء: 101]، وقد أمن الله النَّاس؟ فقال لي عمر: عجبتُ ممَّا عجبتَ منه، فسألت رسول الله (ص) عن ذلك، فقال: « صدقةٌ تصدَّق الله بها عليكم، فاقبلوا صدقته».

وقد سُئِل عمر بن الخطاب عن هذه الآية: {وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ} [الأعراف: 172]، فقال عمر: سمعت رسول الله (ص) سُئل عنها، فقال رسول الله (ص): « إِنَّ الله خلق آدم، ثمَّ مسح ظهره بيمينه، واستخرج منه ذرِّيَّةً، فقال: خلقت هؤلاء للجنَّة، وبعمل أهل الجنَّة يعملون، ثمَّ مسح ظهره فاستخرج منه ذرِّيَّةً، فقال: خلقت هؤلاء للنَّار، وبعمل أهل النَّار يعملون ». فقال رجل: يا رسول الله ! ففيم العمل ؟ فقال رسول الله (ص): « إِنَّ الله عزَّ وجلَّ إِذا خلق العبد للجنَّة؛ استعمله بعمل أهل الجنَّة حتَّى يموت على عملٍ من أعمال أهل الجنَّة، فيدخله به الجنَّة، وإِذا خلق العبدَ للنَّار؛ استعمله بعمل أهل النَّار؛ حتَّى يموت على عملٍ من أعمال أهل النَّار، فيدخله به النَّار ».

ولمَّا نزل قول الله تعالى: {سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ *} [القمر: 45] قال عمر: أي جمعٍ يهزم ؟ أيُّ جمعٍ يغلب ؟ قال عمر: فلمَّا كان يوم بدر رأيت رسول الله (ص) يثبت في الدِّرع، وهو يقول: فعرفت تأويلها يومئذٍ.

 تفسير عمر لبعض الآيات، وبعض تعليقاته:

كان عمر يتحرَّج في تفسير القرآن برأيه ولذلك لمَّا سئل عن قوله تعالى: {وَالذَّارِيَاتِ ذَرْوًا *} [الذاريات: 1] قال: هي الرياح، ولولا أنِّي سمعت رسول الله (ص) يقوله؛ ما قلته، قيل: {فَالْحَامِلاَتِ وِقْرًا *} [الذاريات: 2]. قال: السَّحاب، ولولا أنِّي سمعت رسول الله (ص) يقوله؛ ما قلته، قيل: {فَالْجَارِيَاتِ يُسْرًا *} [الذاريات: 3] ؟ قال: السُّفن، ولولا أنِّي سمعت رسول الله (ص) يقوله؛ ما قلته، قيل: {فَالْمُقَسِّمَاتِ أَمْرًا *} [الذاريات: 4] ؟ قال: هي الملائكة، ولولا أنِّي سمعت رسول الله (ص) يقوله، ما قلته.

وكان رضي الله عنه له منهجٌ في تفسيره للآيات، فإِنَّه رضي الله عنه إِذا وجد لرسول الله (ص) تفسيراً؛ أخذ به، وكان هو الأفضل مثل ما مرَّ معنا من تفسيره، وإِذا لم يجد طلبه في مظانِّه عند بعض الصَّحابة مثل: ابن عباسٍ، وأبيِّ بن كعب، وعبد الله بن مسعود، ومعاذ، وغيرهم ـ رضي الله عنهم ـ وهذا مثالٌ على ذلك؛ فقد قال عمر ـ رضي الله عنه ـ يوماً لأصحاب النَّبيِّ (ص): فيم ترون هذه الآية نزلت: {أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ أَنْ تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنَابٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ لَهُ فِيهَا مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ وَأَصَابَهُ الْكِبَرُ وَلَهُ ذُرِّيَّةٌ ضُعَفَاءُ فَأَصَابَهَا إِعْصَارٌ فِيهِ نَارٌ فَاحْتَرَقَتْ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الآيات لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ *} [البقرة: 266]. قالوا: الله أعلم ! فغضب عمر، فقال: قولوا: نعلم، أولا نعلم. فقال ابن عبَّاسٍ: في نفسي منها شيءٌ يا أمير المؤمنين ! قال عمر: يا بن أخي ! قل، ولا تحقر نفسك. قال ابن عباس: ضربت مثلاً لعملٍ. قال عمر: أيُّ عملٍ ؟ قال ابن عباس: لعملٍ. قال عمر: لرجلٍ غنيٍّ يعمل بطاعة الله عزَّ وجل، ثمَّ بعث الله له الشَّيطان، فعمل بالمعاصي حتَّى أغرق أعماله. وفي روايةٍ: قال ابن عبَّاس: عنى بها العمل، إِنَّ ابن آدم أفقر ما يكون إِلى جنَّته؛ إِذا كبر سنُّه، وكثر عياله، وابن آدم أفقر ما يكون إِلى عمله يوم يبعث، فقال عمر: صدقت يا  بن أخي!

وكانت له بعض التَّعليقات على بعض الآيات مثل قوله تعالى: {الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ *أُوْلَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ *} [البقرة: 156 ـ 157] فقال: نِعْمَ العدلان، ونعم العلاوة! ويقصد بالعدلين: الصَّلاة والرَّحمة، والعلاوة: الاهتداء.

وسمع القارئ يتلو قول الله تعالى: {يَا أَيُّهَا الإِنْسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ *} [الانفطار: 6] فقال عمر: الجهل. وفسَّر قول الله تعالى: {وَإِذَا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ *} [التكوير: 7] بقوله: الفاجر مع الفاجر، والطَّالح مع الطَّالح، وفسَّر قول الله تعالى: {إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحًا} [التحريم: 8]، بقوله: أن يتوب، ثمَّ لا يعود، فهذه التَّوبة الواجبة التَّامَّة.

تربَّى عمر على القرآن الكريم مع توفيقٍ من الله تعالى له في العيش مع القرآن الكريم؛ الَّذي أثَّر في عقله، وقلبه، ونفسه، وروحه، وانعكست ثمار تلك المعايشة على جوارحه، وكان سبب ذلك ـ بعد توفيق الله له ـ تتلمذه على يدي رسول الله (ص).

لقد أكرم المولى عزَّ وجلَّ عمر بن الخطَّاب بالإسلام من خلال بضع آيات قرأها عمر من القرآن في أوائل سورة طه ؛ الَّذي قدَّم له عقيدةً صحيحةً، صافيةً، خلفت عقيدته الأولى، وقضت في نفسه عليها، فانهارت أركان الوثنيَّة، فلا زلفى لوثنٍ، ولا بناتَ لله، ولا صهر بين الجنِّ واللهِ، ولا كهانة تحدِّد للمجتمع مساره، وتقذف به في تيه التَّشاؤم والطِّيرة، ولا عدم بعد الموت. انتهى ذلك كلُّه، وخلفته عقيدة الإِيمان بالله وحده مصفَّاةً من الشِّرك، والولد، والكهانة، والعدم بعد الحياة الدُّنيا ليحلَّ الإِيمان بآخرةٍ ينتهي إِليها عمل الإِنسان في تقويم مجزيٍّ عليه. انتهى عبث الجاهليَّة في حياةٍ بلا بعثٍ، ولا مسؤوليَّةٍ أمام الدَّيان، وخلفتها عقيدة الإِيمان باليوم الاخر ومسؤوليَّة الجزاء، وانصهر عمر بكلِّيته في هذا الدِّين، وأصبح الله ورسوله أحبَّ إِليه ممَّا سواهما، وعبد الله وحده في إِحسانٍ كأنَّما يراه.

...........................................................................................................

المصادر والمراجع:

* علي محمد محمد الصلابي: سيرة أمير المؤمنين عمر بن الخطاب شخصيته وعصره، (2005)، مؤسسة اقرأ، القاهرة، صفحة (37:27).

* يحيى إبراهيم يحيى: الخلافة الراشدة والدولة الأموية من فتح الباري، (1996)، دار الهجرة، الرياض، ط1، صفحة (305).

* علي الطنطاوي، ناجي الطنطاوي: أخبار عمر وأخبار عبدالله بن عمر، (1983)، المكتب الإسلامي، ط8، صفحة (308).

* علي أحمد الخطيب: عمر بن الخطاب حياته علمه أدبه، عالم الكتب، بيروت، صفحة (15,90,92).