السعادة حظوظ تُمطر علينا أم أهداف نخطِّط لها؟

السبت 28 ديسمبر 2019 03:31 م بتوقيت القدس المحتلة

السعادة حظوظ تُمطر علينا أم أهداف نخطِّط لها؟

بقلم الباحث والروائي: محمد خمفوسي

إنَّ الأسباب التي تَحول بين الإنسان وسعادته كثيرة، منها ما يتعمَّد هو في افتعالها، ومنها ما تُقدَّر عليه قدرًا، لكن الإشكال لا يكمن هنا فقط، وإنما في استسلامه لهذه الأسباب بحجَّة أنه لا يجد في نفسه طاقة لتجاوزها، وهذا لا شكَّ خطأ قاتل! لأنه يقتل الحياة في نظرنا، ويُوئِدُ أمل السعادة في داخلنا، علمًا أنَّ الله لم يخلقنا لنموت فقط، ولم يُوجِدنا ليفرض علينا الشقاء، وإنما خلقنا لرسالة نؤدِّيها، حيثُ تكمن سعادتنا في تأديتها برغم كلِّ ما نُجابهه مِن مُنَغِّصات؛ ويعترضنا مِن مُعَوِّقات، ففي النهاية تحقيق الرسالة غير مشروط بالبيئة المناسبة دائمًا، بل قد تكون هذه البيئة مُعاكسة تمامًا لرسالتنا، بيد أنَّنا مع الإصرار والثبات نُتَوَّج بتأديتها، كما فعلها سيِّدنا موسى في بلاط فرعون، ويوسف في قصر عزيز مصر، والنبي صلى الله عليه وسلم في مكَّة، وقد كانت غارقة آنذاكَ في عبادة الأصنام إلى أذنيها!

مِن حق أي إنسان أنْ يسعى في سبيل إسعاد نفسه، مهما كانت ظروفه، ومهما تواضعتْ إمكاناته، فالحوائل التي تقف أمامنا مِن أجل ألَّا نعيش الحياة الهنيَّة، ليست إلَّا حوائل طبيعية يُمكن اجتيازها، ولا يليق بالإنسان أنْ يُنكر وُجودها، أو يتذمَّر مِن تعرُّضها له؛ إذْ لا حائل بلا حكمة، والمُوَفَّقُ مَن اجتاز المُعَوِّقَ في سبيل أنْ يَتَفَوَّقَ، بعيدًا عن إلقاء المعاذير، وخلق المبررات لنفسه.. فالحياة السعيدة مكافأة تسبقها ضريبة مِن المعاناة. لكن على العاقل ألَّا يمتنع مِن إسعاد نفسه بحُجة أنَّ سعادته مؤقتة، فتوقيت السعادة لا يُبرِّر الرضا بتعاسة العيش، وفناء الحياة لا يُسَوِّغ إتعاس النفس إلى درجة تمويتها، فهذه النفس أمانة أودِعها الإنسان ولا بدَّ أنْ يُسأل عنها.

السعادة مفهوم فضفاض لا يُمكن حَلْزَنَتُهُ في المال أو الشهرة أو النساء.. وإنما قد تكون في أشياء نحن نملكها ولا نعلم؛ إذْ مَن يعيش بين أروقة الـمُستشفى تختلف لديه معايير السعادة

كما على كل واحد منَّا أنْ يُدرك أنه مطالب بإسعاد نفسه بنفسه، دون الاتِّكال على الآخرين مِن أجل إسعاده، فالسعادة مثل الطريدة تُصطاد بالسعي ولا تأتي صيَّاديها بسيقانها، يقول مصطفى لطفي المنفلوطي: "لا أعرف أحدًا بين النَّاس يستطيع أن يرسم لي خطَّة سعادتي كما أرسمها لنفسي". وفي الوقت الذي يعمل فيه على إسعاد نفسه حريٌّ به ألَّا يحتكر السعادة عليها دون غيره مِن الناس، فالعقلاء وإنْ كانوا مِن شيمتهم عدم تسوُّل السعادة مِن أحد، إلَّا أنهم لا يبخلون أحدًا مِنها، لا سيَّما إنْ كان الأمر في قُدرتهم.

روى مُسلم أنَّ عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: "لأقُولنّ شيئًا يُضحِك النَبي صلَّى الله عليه وسلَّم"، علَّق الحافظ ابن حجر العسقلاني رحمه الله في "فتح الباري" على الحديث فقال: "فيه استحباب مَن رأى صاحبه مهمومًا؛ أنْ يُحدِّثه بما يُزيل همَّه، ويُطيِّبُ نفسه". أمَّا أولئكَ الذين يَشُحُّون عن إدخال السرور على قلوب غيرهم بدعوى أنَّ لا أحد يُسهم في فرحهم فمُخطؤون جُملة وتفصيلًا؛ لأنَّ المعاملة المثلية حِرفة الضعفاء لا الأقوياء، فليسَ بالضرورة حينما لا يُوجَد مَن يُسعدكَ أن تُحَوِّج غيركَ إلى السعادة وأنتَ تملكها، فقد يكون امتناع الآخر عن إسعادكَ لخلل فيكَ بينما امتناعكَ عن إسعاده خطيئة منكَ، فلا يُسألون عمَّا رأيته تقصيرًا منهم وهو لخطئكَ، بينما تُسأل عمَّا كان بمقدوركَ منحه فحبسته عندكَ!

وحاجة الإنسان لمن يُسعده ليست دائمًا لحظِّه السيء، بل ربما كان ذلك نتيجة أخطائه التي تصدر منه، ومعروف أنَّ الآخرين عادةً لا يُكلِّفون أنفسهم عناء إسعادنا، الأمر الذي يوجب علينا أنْ نشقَّ لهم طريق ذلك، ونُذلِّل لهم الصعاب ليصلوا إلينا مِن أجل أنْ يكونوا سببًا في خلق السعادة. أمَّا العوامل الخارجية التي يرى الناس أنها حالت وتَحول دون سعادتهم في هذه الحياة، فجُلها عوامل موهومة لا حقيقة لها، وما هو حقيقة أن الحوائل حالة طبيعية يُمكن اجتيازها، أو تغيير الأساليب المتاحة مِن أجل سلوك مسلك آخر بديلًا عنها، لكن أنْ يجعلوا منها شَمَّاعة لعدمية السعادة فهذا عامل له علاقة بقلة النضج الذاتي وليس لوُعورة العامل الخارجي.

إنَّ هذه الحياة مليئة بالأهداف، ولا شكَّ أنَّ مِن أجَلِّ أهدافها هي إسعاد الإنسان لنفسه، ولمن حوله إذا استطاع لذلك سبيلًا، دون أنْ يسمح لأي ظرف أنْ يقصمَ ظهر الأمل فيه، أو أنْ يخنق هواء التفاؤل لديه، فالحياة برغم كلِّ مصائبها إلَّا أنها تستحقُّ أنْ تُعاش، وبرغم كلِّ شيء مؤقتٍ فيها تستحقُّ أنْ نُكابد فيها. صحيح أنَّ السعادة مؤقتة، لكن لا ينبغي لهذا التوقيت أنْ يُدخلنا في حالة اكتئاب عند فقدها؛ لأنَّ هذا سبق سُنُّيٌّ في الكون شَمَلَ الناس مِن آدم إلى آخر رجل على ظهر هذه الأرض، ناهيك عن طبيعة الدنيا التي طُبعتْ على الصفو والكدر، بخلاف الجنة التي مِن أوصافها ديمومة الحال، ولو أنَّ الله أدام رغد العيش في الدنيا فما الفائدة مِن خلق الجنة إذن؟!

لا يُمكن للإنسان أنْ يعيش دائمًا في سعادة؛ لأنَّ دوام الحال مُناقض للسُّنة الكونية، والله تعالى لمَّا خلقَ الشيء ونقيضه فلحكمة يعلمها، وصاحب الصنعة أدرى بما صنع، ناهيكَ أنَّ دوام رغد العيش يقتضي إهمال الإنسان لقدر النعمة التي أُغدقَ بها، ومعلوم أنَّ قيمة الأشياء تُعرف بأضدادها، فلولا وجع المرض ما عرفنا قيمة العافية، ولولا قسوة الفقر ما اهتدينا إلى نعمة الغنى.. ومِن حكمة الله تعالى أنَّه جعل هذا المزج في الحالات مؤقتًا، فنمرض حينًا ونبرأ أخرى، ونفرح تارة ونحزن تارة أخرى.. فحتى قسوة الحال ليست دائمة!

إلَّا أنَّ الذي يعنينا ههنا ألَّا نأسى على فقد السعادة في ظرف مِن الظروف، وإنما الصواب أنْ نسعى في استحضار سعادة لم يسبق لنا أنْ عشناها وراء كل سعادة نفقدنا، ونمشي على هذه النمطية إلى أنْ يأخذ الله منَّا أمانته. وبهذا نستفيد أنَّ الإنسان بمقدوره أنْ يعيش أكثر سنين حياته سعيدًا، إنْ هو مَهَّدَ الطريق إلى السعادة، أقول: "مَهَّدَ" أي هو مَن يُبادر للتمهيد ولا ينتظره مِن غيره، بحيثُ يُعِدُّ عدَّته ويُجَيِّشُ جيشه للظفر بها؛ إذْ على قدر الاستعداد يكون الإسعاد، أمَّا مَن أرادها بالأماني فذلك معدود في قائمة العجزة، فالسعادة رزق يُستجلب بفعل الأسباب ويُمنَع بالتواكل، يُعطى بالسعي ويُحرَم بالتقاعد.

أمَّا مَن اعتقد أنَّ السعادة حظ يُوهَب وليست تخطيطًا يُرسَم، فلا ريبَ أنَّ مثل هذه الاعتقادات أضر على العقول مِن المهلوسات؛ لأنَّها تُورِّط الإنسان في إبقاء يديه مكتوفتين ينتظرها أن تُشرق عليه كالشمس، ولا يعمل جاهدًا في استجلابها. السعادة لم تكن يومًا حظًّا، وإنما هي نتيجة لتخطيط مسبق، سواءً كان هذا التخطيط متواضعًا أو مُحكمًا، فهي مثل أن نقول: "مَن زرع حصدَ، ومَن جدَّ وجد"؛ أي أنَّ السعادة تخطيط يُرسم في الذهن ويُنفَّذ على أرض الواقع، وليست حظًّا يُستَمطَر مِن السماء.

ولأنها كذلك ينبغي على الإنسان أنْ يبذل جُهده في الحفاظ عليها مِن الاختطاف، لعلَّ مِن ذلك أنْ يُدركَ كلِّ واحدٍ فينا أنَّه مِن المستحيل أنْ يحصل على نفس اللحظة التي عاشها في حياته لمرتين.. فلا أقلَّ مِن أنْ يستثمر جلَّ لحظاتهِ سعيدًا بكلِّ ما أُوتيَ مِن شعور، وألَّا يبخسَ لحظةً حقَّها مِن المتعة؛ لأنَّ دقيقة من النَّكد تساوي عشرة حِجج من الشيخوخة، وليس في صالحه أنْ يستقدِمَ ضعف الكِبَر في قوة شبابه! كل لحظة مع أمكَ وأنتَ في العشرينات لا يُمكن أنْ تكون بمتعة لحظاتكَ معها وأنتَ ابن الثلاثينات، وذكريات دراستكَ برغم قسوة ظروفها لا يُمكن أنْ تُعوَّض بذكريات أخرى مهما بلغت الثانية مِن لِينِ الظروف، سنوات العزوبة لها متعتها التي لا يُمكن أن تجد مثلها في الزواج، وسنوات الزواج لها متعتها التي لا يُمكن أنْ تبلغها في العزوبة..

بما أنكَ بدأتَ تستوعبُ أنَّ لكل لحظاتكَ رزقها مِن السعادة، يليق بكَ أيضًا أنْ تستوعبَ أنَّ السعادة مفهوم فضفاض لا يُمكن حَلْزَنَتُهُ في المال أو الشهرة أو النساء.. وإنما قد تكون في أشياء نحن نملكها ولا نعلم؛ إذْ مَن يعيش بين أروقة الـمُستشفى تختلف لديه معايير السعادة، فالفرح مرتبط بنتيجة تحليل، والراحة غالبًا في ليلة بدون إبرٍ.. وسعادة المَدِين في قضاء دَينه، وسعادة السجين في إثبات براءته، وسعادة الغريب حينما يحطُّ عصا الترحال في دِياره..