علاقة الناس بالدين ومنظومة الأخلاق والتعميم الخاطئ

الخميس 02 يناير 2020 05:09 م بتوقيت القدس المحتلة

لا شك بأن الأخلاق الحسنة هي من مقومات طاعة الله -سبحانه وتعالى- وكذا المعاملة القائمة على التسامح والعدل ومراقبة الله؛ فالإسلام دين لا يقتصر على الشعائر والعبادات، مع أهميتها وكونها أركان لا يجوز تمرير أي استهانة بأدائها. وتحبيب الناس بهذا الدين وجذبهم إليه، كانت بداية مع كون خاتم النبيين محمد -صلى الله عليه وآله وسلم- صاحب خلق عظيم وقد أكد القرآن الكريم هذه الحقيقة "وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ"- سورة القلم، وهذا ما كان له أثر في انتشار الإسلام وتقبل الدعوة إليه، وازدياد الداخلين فيه، لأن الصورة المعاكسة جاءت في قول الله تعالى (... وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ ۖ ...-سورة آل عمران) وغيرها من الآيات الكريمة التي تؤكد أثر الرحمة والرأفة وحسن الخلق في الناس خاصة المؤمنين منهم.

ولكن مع تغير الظروف السياسية والاقتصادية والاجتماعية، وتكالب أعداء الأمة على منظومتها وضياع بوصلتها وتمييع رسالتها الحقيقية، وتحولات أخرى كثيرة، وجد من المسلمين من يأخذ ويطبق شيئا من الإسلام ويدع أشياء أخرى، أو يهمل جوانب ويهتم بجوانب أخرى؛ لا سيما وجود من يؤدي الفرائض وبعض السنن ولكنه يقوم بأعمال مرفوضة شرعا، ففتن بعض الناس، وجعلهم يقعون في فخ التعميم المقيت.

فقد تجد شخصا يحرص على صلاة الجماعة ويصوم رمضان وأياما أخرى نافلة، ويحج ويعتمر، وقد يعفي لحيته باعتبار تطبيق السنة، ولا يشرب الخمر ولا يزني، بل تراه يأخذ بحرمة التدخين، ولكنه مع ذلك يغش ويماطل إن كان تاجرا أو حرفيا، ولا ينصح المرضى ويستغلهم إن كان طبيبا، ويقبل الرشوة إن كان موظفا، وقد يأكل حقوق الناس بمن فيهم أقرب المقربين إليه، والبخل عنوان شخصيته، وقد يكون جار سوء بمعنى الكلمة وقد وقد وقد.. كل هذا معروف وكلنا ربما يرى مثل هذه العينات من الناس، وعانى منهم ما عانى، ولكن ردة الفعل فيها ظلم وإجحاف؛ حيث دأب بعض بل كثير من الناس إلى إطلاق حكم فيه تعميم ظالم يعتبر أن كل الملتزمين بالشعائر وذوي المظهر الديني من أهل النصب والاحتيال والغدر وسوء الخلق، بل صاروا يضيفون إلى ذلك حكما أعم وهو أن العصاة ممن لا يصلون ولا يصومون ويعاقرون الخمر هم خير وأفضل من المتدينين! أضف إلى ذلك تلك النظرة والحكم الذي مرده برأيي هزيمة ثقافية ونفسية بأن غير المسلمين على الإطلاق خير من المسلمين، باستحضار نماذج معينة من بلدان أخرى واعتبار الشر وكل ما في الكون من سوء متمظهرا في المسلمين عموما وفي الملتزمين منهم خصوصا!

لو فهمنا طبيعة الإنسان وظروف العالم وطبيعة المجتمع، لما وجد التسرع وإطلاق الأحكام المبنية على تجارب أو ظروف معينة؛ فكلنا نواجه الناس السيئين في حياتنا، ولكن من الإجحاف بل هي ظاهرة سيئة وصم فئة بالسوء

ولعمري هذا ظلم وإجحاف، فهل كل اللصوص ملتزمون دينيا؟ وهل كل معاقري الخمر لا يغشون ولا يأكلون المال الحرام؟ وهل الغرب خال من سوء التهذيب وارتكاب الجرائم؟ ألم نر أنه عند وقوع إعصار في بعض ولايات بلاد العم سام يستعان بقوات الجيش لضبط الأمن لانتشار السرقات والسلب والنهب؟ ألا نرى في أوروبا حالات مقززة مما يصنف تحت انتكاس الفطرة يتم حتى شرعنتها وحمايتها بقوانين معتمدة في تلك الدول.. ألا يعتبر الضابط المانع لتلك البلاد من انفلات في مجال المعاملات هي منظومة القوانين القوية التي تمت مراكمتها عبر مراحل زمنية طويلة، ولا يوجد موانع تتعلق بالضمير والوازع الديني؟ وبمنطق العلم والإحصاء هل من يطلقون هذه الأحكام الظالمة والانطباعات السيئة تحققوا منها ولو في أضيق نطاق؟ مثلا كم من الغشاشين واللصوص ومقترفي العقوق والقتلة من المصلين الذين يحفظون القرآن الكريم؟ حقيقة ستجدهم قلة لا تكاد تذكر، بل إن عدم الالتزام بالشعائر وأداء الأركان لطالما كان سببا رئيسا في الانحراف السلوكي والعكس صحيح.

وأصلا لولا شعور الناس بأن على الملتزم أن يكون مثاليا لما وجد هذا اللوم المضاعف تجاهه، ولأن المثالية وعلاقة الناس بدينها متفاوتة، مع ضرورة التأكيد أن المثالية المطلقة لا توجد في ابن آدم ولن توجد؛ وإلا لما كان الاستغفار بابا من أبواب علاقة المرء بربه، ولما وجدت أحكام تتعلق بمعاقبة مرتكبي الجرائم بحق إخوتهم في الدين أو نظرائهم في الخلَق. ولكن هذا التعميم المتواصل في الاتساع يجعل من الواجب على الملتزمين العمل على تغيير الانطباع ويلقي على كاهلهم عبئا جديدا باعتبارهم بصورة أو بأخرى في أعين الناس يمثلون الدين ويحملون رسالته، فليتقوا الله ولا يكونوا ممن يفتنون الناس في دينهم، خاصة في تعاملاتهم المالية والاجتماعية.

ولكن ليكن معلوما أن علاقة الناس بالدين تختلف من شخص إلى آخر؛ ولو فهم الناس هذه الحقيقة لتخلوا عن إطلاق الأحكام الظالمة؛ فهناك من الناس من علاقته بدينه تنحسر في أضيق نطاق، فهو يأتي على المحرمات فيغرق فيها، وهو لا يصلي إطلاقا، لدرجة أنه إذا مات أبوه مثلا انتظر خروج الجنازة باب المسجد ولم يكلف نفسه الصلاة عليه وقد (يضطر) إلى قراءة الفاتحة على المقبرة، وقد يصلي على رسول الله بحكم العادة اللفظية، وغير ذلك لا علاقة له بدينه إلا بالاسم والهوية فقط.. ومن الناس من لا يصلي ولا يصوم ولكنه لا يؤذي الناس ويتحرى الدقة في مواعيده، ويفي بالعقود، وهو بار بوالديه، وأعلم أن الناس يرتاحون لهذا الإنسان، ولكنه يظلم نفسه بتركه فرائض لا مجال لالتماس العذر فيها، بغض النظر عما قد يقوله عادة (صحيح أنا لا أصلي وأفطر بغير عذر في رمضان ولكن لا ألمس الخمور ولا أسرق ولا ولا...).

هذا لا يكفي، لأن الإسلام تسليم وانقياد إلى الله تعالى وليس خيارات انتقائية، ولو أعجب الناس حالك؛ فأنت ستأتي إلى الله فردا، ومثله من يصلي الجمعة فقط أو يصوم ولا يصلي وما شاكله.. ومن الناس من يصلي ويصوم ويحج ولكنه يقترف ذنوبا لا تضايق الناس لأنها لا تمسهم مباشرة.. ومن الناس من يصلي ويصوم ويقرأ القرآن ولا يقترف ذنوبا والله أعلم بالسرائر وهو جار طيب، ورفيق سفر مريح، ولا يؤذي الناس، وابن وأخ وزوج وأب يحسن إلى أهله.. وهؤلاء أكثر مما يظن الناس، ولا أقول هذا تفاؤلا أو مبالغة، ولكن برأيي أن هؤلاء متفرقون لا يتكتلون، وهذا تقصير منهم، ولكن لو جمعتهم لحمدت الله على أنك من هذه الأمة، ولم تطلق الحكم الظالم.

لو فهمنا طبيعة الإنسان وظروف العالم وطبيعة المجتمع، لما وجد التسرع وإطلاق الأحكام المبنية على تجارب أو ظروف معينة؛ فكلنا نواجه الناس السيئين في حياتنا، ولكن من الإجحاف بل هي ظاهرة سيئة وصم فئة بالسوء لأن منها من أساء لأحدنا. على أية حال ربما تكون هذه الأحكام الظالمة على أهل الدين -إذا جاز الوصف- أن يستنفروا آخذين النبي أسوة لهم، فيصحح من أخطأ منهم سيرته وسلوكه مع الناس، ويعلم أنه صار مطلوبا منه تقديم النموذج الحسن، ولتفجر هذه الانطباعات في قلبه الغيرة، حيث صار بعض الناس يقارنون خلق المصلي مثلا بخلق العاصي تارك الفرائض والسنن، فيرون الثاني أفضل في معاشرته لهم من الأول، فيصحح -وهو بعون الله قادر- لهم فهما مغلوطا سببه نفر قليل ممن أساء بسوء أخلاقه وخشونة معاملته واعتدائة وتسبب في تكوين وبلورة صورة هزت ثقة الناس بأهل الالتزام.