أيهما أشد خطرا: إيران أم إسرائيل.. هل هو جدل بيزنطي؟!

الخميس 09 يناير 2020 04:29 م بتوقيت القدس المحتلة

السؤال الوارد في العنوان أعلاه لا يعبر عن حقيقة هذا الجدل العقيم؛ وحتى كلمة عقيم لا أراها كافية لوصفه والتعبير عن طبيعته وكارثيته.. وللتذكير فإن (الجدل البيزنطي) مصطلح متداول لوصف أي نقاش بين طرفين لا فائدة ترجى منه، ولا يثري المعرفة، ولا تزهر به الأفكار؛ ويرى الباحثون أن جذوره تعود إلى (بيزنطة) أي القسطنطينية أي (إسلامبول/إستانبول) حيث أن السلطان محمد الفاتح -رحمه الله- وجيوشه قد أعدوا عدتهم ووضعوا خططهم لفتحها فتحا مبينا، بينما انشغل البيزنطيون، وفي مقدمتهم النخب في جدليات غريبة عجيبة لا علاقة لها بمواجهة الجيش الذي يقف على مقربة من رؤوسهم؛ مثل طبيعة الملائكة (هل هم ذكور أم إناث؟!) وطبيعة إبليس وهل يمكن أن يدخل في خرم الإبرة...إلخ!

ولا أدري أي مصطلح سيُنحت مستقبلا من أجل وصف حالة الجدل في الفضاء العربي حول السؤال الاستفزازي أعلاه: أيهما أخطر إيران أم إسرائيل؟! ولا أملك معلومات عن نسبة من يرى بأن إيران أخطر من إسرائيل، مقارنة مع من يرى العكس، أو نسبة من يراهما متساويتان في الخطر، ولكن برأيي أن طرح سؤال كهذا بحد ذاته ينم عن حالة من التيه والتردي الفكري؛ لأنه يفترض أن يكون الأمر محسوما في الوعي الجمعي السياسي والتاريخي، لأن إسرائيل كيان سرطاني غريب تماما عن كل ما يخص المنطقة من أي ناحية؛ دينيا أو تاريخيا أو اجتماعيا أو غير ذلك، وإسرائيل قامت بوحشية السلاح ورعاية الغرب، وجاء اليهود لفيفا لاحتلال واستيطان أرض ليس لهم فيها ذرة من حق، وشرعوا وما زالوا في تهويد المقدسات، ووقفوا وما زالوا سدّا منيعا في وجه أي بوادر نهضة من أي نوع في المنطقة.. وبالتالي لا يجوز مقارنة إسرائيل بأي دولة أو وحدة سياسية أو عرقية في المنطقة؛ حتى لو رأى بعضنا أو حتى أغلبنا أن الخلاف معها في الأصول والفروع، وحتى لو كان لها سياسات ورأينا منها ممارسات مرفوضة واستشعرنا منها أطماعا مستفزة؛ فالإيرانيون (الفرس الشيعة الكذا وكذا...!) لم يأتوا من بولندا أو روسيا البيضاء أو غيرها.

حتى القضية الفلسطينية التي كان من المفترض أن يتوحد العرب في مواقفهم تجاهها، فإنهم سرعان ما استبدلوا التطبيع والتسابق والتفنن فيه وتقديم (مبادرات السلام) ببيانات الشجب والاستنكار والإدانة والدعوة إلى احترام القوانين الدولية وبقية الأسطوانة

وقد سبق (لبعض) العرب أن فضلوا الاستعمار الغربي الأوروبي، على الحكم العثماني، فكانت النتيجة ما نعرف من بؤس، من أبرز مظاهره السامة إقامة إسرائيل فوق تراب فلسطين، وأعجب كيف لا يربط الناس بين كثرة الحديث عما تسمى (صفقة القرن) بالتزامن مع التوتر والاستفزاز الأمريكي تجاه إيران، والاكتفاء باعتباره توزيع أدوار متفق عليها، أو ضربا للظالمين بالظالمين! أما أولئك الحالمون المتناسلون منذ قرن ونيف الذين لطالما بشّروا بكيانية عربية مستقلة حرّة مستقلة صاعدة في العلوم والصناعات والآداب والفنون وستستعيد مجدها التليد، فقد ظلت بشرياتهم وتنظيراتهم مجرد أدبيات وقصائد وأهازيج ودراسات جامدة، لا محل لها في أرض الواقع الذي عاشه ويعيشه العرب.

فالحديث عن موقف عربي مشترك في التعاطي مع أي ملف كان، هو حديث رومانسي، وركض وراء سراب يحسبه الظمآن إلى مثل هذا الموقف ممكنا حتى إذا جاءه وجد التبعية والفرقة والتربص. فكل مشروعات الوحدة العربية ولو بالأدنى من (الحد الأدنى) فشلت وصارت في أرشيف التاريخ أو في أحلام يقظة مجموعة من طبقة تبوأت مكانا في عالم التنظير والثقافة والإعلام؛ فسواء كانت تلك المشروعات الوحدوية سياسية مثل (الجمهورية العربية المتحدة) بين مصر وسورية أو مشروعات اقتصادية وما شاكلها، ذهبت أدراج الرياح ولم تعمر ولم تستمر أو بقيت تراوح مكانها وتحولت إلى بروتوكولات مخطوطة علاها غبار واقع عربي غارق في التبعية والتسلط والفقر والجهل والتخلف بشتى ألوانه.

ولعل الشيء الوحيد الذي اجتمع العرب وتوافقوا عليه قولا وفعلا؛ هو التوحد والتكتل لمواجهة ما يسمى (الإرهاب) وفق محددات المصطلح بالمعيار الغربي، وبناء على مقتضيات استمرارية وتغوّل الاستبداد، وذلك في تونس أيام بن علي حين كان يجمع وزراء داخلية الدول العربية، الذين وضعوا في سبيل ذلك التوافق خلافات دولهم الصغيرة والكبيرة وراء ظهورهم، وهو اتفاق واجتماع في حقيقته يقوم على مزيد من القهر للشعوب، وتبادل الخبرات في أساليب القمع والترهيب والبطش، ومصادرة الحريات المصادرة بطبيعة الحال.

فالصراحة تقتضي الاعتراف بهذه الحقيقة، بعيدا عن ضجيج التنظيرات التي صدّعوا رؤوسنا بها وتم جرّنا إلى صحاري البؤس والذل والفقر والبطالة، مع هتاف (أمة عربية واحدة.. ذات رسالة خالدة) ذلك أن الرسالة الخالدة الحقيقية التي لا شك في طهوريتها وقدرتها المجربة على النهوض بواقع الأمة، هي رسالة الإسلام، والتي فضلت النخب السياسية والمؤسسات العسكرية والثقافية العربية، قصرها على الشعائر في أفضل الأحوال وأفرغتها بالممارسة المتواصلة من (رساليتها) عبر استيراد نماذج من وراء البحار كالعلمانية والماركسية وحتى القومية، فهي منتجات غربية خالصة، تم إجبار الناس أو إغواؤهم كي يعيشوا وفق رؤاها.

وحتى القضية الفلسطينية التي كان من المفترض أن يتوحد العرب في مواقفهم تجاهها، فإنهم سرعان ما استبدلوا التطبيع والتسابق والتفنن فيه وتقديم (مبادرات السلام) ببيانات الشجب والاستنكار والإدانة والدعوة إلى احترام القوانين الدولية وبقية الأسطوانة.. بل صاروا يرون في إسرائيل حليفا ضد (الخطر الإيراني) أو (المشروع التركي) ويبددون أموالا يفترض أنها ملك للأمة وأجيالها الحالية واللاحقة في دعم هذه الرؤية والتوجه السوريالي!

وإيران كيان من ضمن مكونات الأمة، بغض النظر عن خلافات حادة حول بعض أو كثير بل لنفرض جميع توجهاته، وهي من المكونات التاريخية لهذه المنطقة، عرقيا وثقافيا واجتماعيا واقتصاديا.. فالخلاف بل حتى العداء لا يلغي حقيقة انتماء إيران إلى نسيج المنطقة، بعكس إسرائيل، ولست أدري ما الذي يجمع العرب بإسرائيل؟ فو الله إنه من العار والعيب بحث هذا الأمر من أساسه، فإسرائيل كالقاتل المنفلت الذي لا يرتوي من دم ضحاياه، وأهل الضحايا يحاولون استرضاءه ويرون إمكانية صلاحه ليصبح من أهلهم...فهل ثمة مجال للتعايش مع خلايا سرطانية في الجسم؟

إن الصورة عند قطاعات عربية مقلوبة؛ فهناك من يرى مشتركات موهومة مع إسرائيل، ولا يرى أي إمكانية للتعايش والتفاهم أو التخاصم المعقول مع إيران.. فما المطلوب مثلا؟ يبدو أن ما هو مضمر في عقول تزعم انتسابها إلى العروبة أن تتحول إيران إلى دولة تشبه الوحدات السياسية العربية في تعاطيها مع الأمريكان، وفق مبدأ الانصياع بما في ذلك التطبيع مع إسرائيل.. ووفق عقول تدعي أنها تنتسب إلى الإسلام الحقيقي فإن المطلوب من إيران التخلي عن تشيعها بجرة قلم.. وعند الفئة الأولى والثانية إذا تحقق ما يرونه هو المطلوب فأهلا وسهلا بإيران شقيقة عزيزة.. ولكن كيف الحال وكلا العقليتين العربيتين في حالة تناقض ومناكفة بل عداء مستحكم؟

إنه ليس جدلا بيزنطيا بل هو شيء أترك وصفه إلى من سيشخصه في مرحلة لاحقة، وسيكون الوصف أفظع.. وفي الختام قد يكون سؤال من مواطن عربي يغار على أمته ولا تعجبه توجهات حكامها ولا تنظيرات مجمل نخبها: هل كون إسرائيل داء وعدو كبير، يعني ترك إيران تفعل بنا ما تشاء ونسكت عنها؟.. حين تطغى فكرة طبيعة العداء لإسرائيل، باعتبار استمرارية وجودها لا تستقيم مع وجودك، وتوجه بوصلتك نحو القدس، سيكون من السهل عليك كل الأمور الأخرى، وسترى أنها ستحل تلقائيا.. أما من يقول إننا لا نريد استبدال العمائم السوداء في المسجد الأقصى بقبعات الحاخات الذين يدنسونه، فهو قول من سخافته وتهافته وفقر الوعي المنبثق عنه فلن -على الأقل حاليا- أكلف نفسي عناء الرد عليه.