الطب البديل.. دجل وشعوذة أم دواء وشفاء؟

السبت 18 يناير 2020 07:17 م بتوقيت القدس المحتلة

الطب البديل.. دجل وشعوذة أم دواء وشفاء؟

بقلم الطبيب: بلال رامز بكري

نحن في عصرٍ بلغت فيه العلوم الطبية درجة عالية من التطور والتقدّم، وتنوعّت الأبحاث في شتّى مجالات واختصاصات الطب، وتوصّلت التقنيات الجراحية إلى نتائج مدهشة في خدمة المرضى. ولكننا، في عصرنا هذا، لا نزال نجد متَّسَعًا لممارسات علاجية خارجة عن إطار الطب التقليدي الذي يُدرَّسُ في الجامعات، وبالتالي غير مُعتَرَفٍ بها من الهيئات الطبية الرسمية في معظم الأحيان، ولكنها تحظى بإقبال وثقة جزء من الجمهور. هذه الممارسات العلاجية تندرج تحت مُسمًّى واحدٍ ألا وهو "الطبّ البديل"، مع ما تنطوي عليه هذه التسمية من تنوّعات واختلافات وفروع.

وهنا تطرح نفسها جملة من الأسئلة البديهية فيما يتعلّق بالطب البديل. طالما أن الممارسات المندرجة تحت مسمى الطب البديل هي ممارسات غير معترف بها رسميا في معظم الأحيان، فلماذا لا تُحظَرُ ولا تقمع؟ وهل الطب البديل قائم على علم حقيقي يهدف إلى خدمة الناس ونفعهم، أم أنه دجل محض وشعوذة مفضوحة لا هدف له إلا استغلال الناس وخداعهم؟ وما السرّ الذي يدفع الجمهور للإقبال على ممارسي مختلف أنواع الطب البديل رغم التحفّظ الذي تبديه تجاهه الهيئات والمؤسسات الرسمية والأطباء الأكفاء التقليديون؟

لا بدّ لنا قبل محاولة الإجابة عن هذه الأسئلة أن نعرّف الطب البديل ونضيء عليه. وبإيجاز نقول: إن الطب البديل هو أي منهج غير معترف به رسميًا يحكم ممارسات تشخيصية وعلاجية لا تخضع لأحكام وقواعد الطب الرسمي القائم على العلم الحديث المدرَّس في الجامعات. بالتالي، فإن ما يُعرَف بالطب العربي يدخل في صميم تعريف الطب البديل. وهناك أمثلة أخرى كالطب الصيني والطب الهندي والوخز بالأبر والعلاج بالأعشاب. هذا دون ذكر علاجات حديثة تعتمد على تركيبات ومستحضرات يدّعي أصحابها أنهم يستندون إلى العلم، لكنهم لا يحظون باعتراف هيئات العلوم، في أفضل الأحوال، مع الإدانة الصريحة في كثير من الأحيان.

المسؤولية الكبرى في مكافحة الدجل والشعوذة في الطب تقع على عاتق الحكومات والجامعات وكليات الطب. فتوفير الطبابة والاستشفاء للناس يجب أن يدخل في صميم سياسات وهموم الحكومات

وما كان للطبّ البديل أن يحتلّ الموقع الذي يحتلّه اليوم لو أن الطب التقليدي الرسمي لم يفسح له المجال، عن قصدٍ او عن غير قصد. ففشل الطب التقليدي الرسمي في كثير من المواضع هو الثغرة التي يدخل منها الطب البديل إلى حياة الجماهير. وهذا الفشل عائد إلى جملة من الأسباب. منها أن الطب رغم تقدّمه المذهل لا يزال عاجزًا أمام الكثير من الأمراض المعضلة والمستعصية. ومنها أن تكاليف الطبابة والاستشفاء أصبحت من البهاظة بمكان، بحيث يعجز الفقراء والمحرومون، في كثير من البلدان، عن تأديتها، فلا يجدون أمامهم إلا البقاء دون علاج أو اللجوء إلى الطب البديل. وهنا تدخل سياسات الحكومات في صلب هذه المسألة وعمقها.

والحياة اليومية للناس زاخرة بالأمثلة التي يلجؤون فيها إلى الطب البديل لإيمانهم بنفعه ويأسهم من خدمات الطب التقليدي. وهنا أستأذن القارئ الكريم لكي أسوق له مثلًا من وسطي العائلي. فمنذ بضعة أعوام، في قريتي كامد اللوز في لبنان، كسرت خادمة جدتي الأثيوبية ساقها عندما سقطت من ارتفاع عالٍ حين كانت تقطف الزيتون. لكن علاجها بالجبيرة وبالطب التقليدي لم ينفع، فكان أن عرضتها جدتي رحمها الله على شخص من بلدتنا كان يتعاطى "الطب العربي"، فانجبر كسرها على يديه، وشُفِيَتْ شفاء تامًّا بعد عجز أطبّاء العظم المتخرجين من أفضل الجامعات!

وقد تطرّق الأديب الكبير عبد الرحمن منيف، في روايته "مدن الملح" إلى الإشكالية القائمة بين الطب التقليدي الرسمي، المستند إلى العلم الحديث، وبين الطب العربي الشعبي، عبر شخصيتين بالغتيْ الدلالة هما الدكتور صبحي المحملجمي، المتخرج من إحدى كليات الطب في النمسا، ومفضي الجدعان، العالِم بالطب العربي الشعبي. ونقرأ بين سطور "مدن الملح" انحياز كاتبها لمفضي الجدعان في صراعه مع الدكتور صبحي المحملجي. فالأخير كان يتقاضى الأجور العالية مقابل خدماته الطبية، التي كانت فاشلة في كثير من الأحيان، أما الطبيب العربي الشعبي فكان يخدم الناس دون أجر، وكان المرضى يبرأون من عللهم على يديه. وقد كانت نهاية "الجدعان" مأساوية بعد ان اضطُهد في البيئة الجديدة التي أنشأها النفط (وهذا هو محور الرواية الرئيسي: كيف غيّر النفط الجزيرة العربية)، وكان الدكتور المتعلم في النمسا أحد مضطهِديه.

وقد سنحت لي الفرصة، عبر قناة اليوتيوب على الإنترنت، لمشاهدة إحدى تسجيلات الدكتور مصطفى محمود، الطبيب والمفكّر والأديب المصري الكبير، والتي يتحدّث فيها عن احتمالات الشفاء بواسطة الدعاء والصلاة، ويذكر عن ذلك مثالين. المثال الأول يتحدث فيه عن امرأة فرنسية، اعتنقت الإسلام واتخذت المغرب وطنًا لها وأصيبت هناك بمرض سرطان الثدي، فكان شفاؤها المعجز بواسطة إيمانها بالله سبحانه وتعالى. والمثال الثاني يتحدث عن تجربة شخصية كان فيها شفاؤه من حصى كلوي ضخم بواسطة الدعاء. كل هذا وهو الطبيب المتفوق المؤمن بالعلم!

مهنة الطب بالمجمل إن لم تحكمها الدوافع الإنسانية، وإن لم تنطلق من منظومة أخلاقية صَلبة، فإن ضررها يصبح أكثر من نفعها،

ولا ريب أننا نجد في حقل الطبّ البديل الكثير من الدجالين والمشعوذين، الذين لا همّ لهم إلا استغلال أوجاع الناس، وجني الأرباح من آلامهم وأسقامهم. ولكن حقل الطب التقليدي الرسمي أيضًا فيه من فيه من أولئك الأطباء المنسلخين عن أخلاقيات المهنة والمتبرئين من ضمائرهم من الذين لا اهتمام لهم إلا في استغلال المريض الذي يلجأ إليهم، دون أي تعاطف او تضامن منهم. فالمنحى الذي يذهب بمهنة الطب بعيدًا عن الأخلاق هو الحقل الخصب لنشوء الدجل والشعوذة ولاستغلال المرضى.

والمسؤولية الكبرى في مكافحة الدجل والشعوذة في الطب تقع على عاتق الحكومات والجامعات وكليات الطب. فتوفير الطبابة والاستشفاء للناس يجب أن يدخل في صميم سياسات وهموم الحكومات. ولا يضرّ الطب شيئا إن هو استفاد من بعض العلاجات والأدوية الشعبية التي أثبتت فعاليتها مع انتفاء ضررها. كما أننا لا يفوتنا أن نذكر الدور الذي تمارسه كبريات شركات ومعامل العقاقير والأدوية في العالم. فهذه مؤسسات لا تحكمها مصالح الناس، وإنما يتحكم فيها منطق السوق وسياسات الربح. فالكثير من الأبحاث ليست بريئة أبدا ونزاهتها موضع شبهة، إذ أنها تُفصَّل على قياس مصالح شركات الأدوية العملاقة.

ومهنة الطب بالمجمل إن لم تحكمها الدوافع الإنسانية، وإن لم تنطلق من منظومة أخلاقية صَلبة، فإن ضررها يصبح أكثر من نفعها، وآفاتها تصير أكبر من فضائلها. ولا طريقة أخرى لمكافحة الدجل والشعوذة إلا بانتهاج جادّة الأخلاق وسلوك سكّة الاستقامة. وبالعودة الى رواية مدن الملح، فالدكتور صبحي المحملجي، رغم تخرجه من كلية مرموقة في أوروبا، كان دجّالا يبحث عن السلطة والمال، ومفضي الجدعان، الإنسان البسيط الممتلئ شهامة وفروسية، كان معالجا أفضل من طبيب خريج أفضل الجامعات، لأنه كان لا يهتم إلا لمصلحة المريض ولخير الناس، زاهدًا بالمال والسلطة والشهرة. فالفيصل بين الدجل والشعوذة من ناحية، والاستقامة والفضيلة من ناحية أخرى، هذا الفيصل هو الأخلاق.