القرآن الكريم في جامعة هارفارد بين الاعتزاز والشعور بـ ...!

الخميس 23 يناير 2020 07:14 م بتوقيت القدس المحتلة

مجموعات من المسلمين دأبت على البحث عن المختلف وإن قلّ وشحّ بين مكونات الأمة المذهبية والعرقية والاجتماعية والقطرية، وسعت سعيها إلى تضخيمه وجعله أساسا وقاعدة، بينما تجعل من المشترك والمتطابق شيئا ثانويا فرعيا؛ علما أن -بداهة- ما يجمع هذه المكونات يتعب من أراد عدّه ويعيي من ابتغى إحصاءه، ولكن ذات المجموعات ومعها آخرون أيضا من أمة الإسلام يجعلون المختلف بل المتناقض -وما أكثره- بين عقيدة وثقافة وتاريخ الإسلام والمسلمين، من جهة، وثقافة الآخر، من جهة أخرى، شيئا ثانويا يكاد يكون شاذا، وفق تنظيرهم، وإذا وُجد مشترك ما، توسلوا تضخيمه وتبجيله، وتكلفوا إظهاره على أنه أساس وأصل في العلاقة، وكل ما اختلف فيه وحوله، وثبت فيه التناقض قطعا، هو فرع شاذ!

هزيمة نفسية

إن هذه الحالة تظهر في أكثر من موقف، بين الحين والآخر، وتثير الشفقة أحيانا، والاستفزاز والغيظ أحيانا أخرى؛ فبعض المواقف تبدي بوضوح شعورا بالنقص، وإحساسا كامنا بالدونية، أو في أفضل الأحوال تعكس نوعا مستعصيا من الهزيمة النفسية. ولا يخلو الأمر من حالة الاعتزاز عند بعض المسلمين عند التعاطي مع هذه المواقف؛ من باب أن شهادة الآخر النقيض أو المختلف، والذي هو عدو بطريقة أو بأخرى، أو لنقل خصم حضاري وثقافي، لما نعتقده أو نؤمن به أو نمارسه، يعطينا نوعا من المصداقية أو التميز أو قيمة إيجابية ما.

التغريبيون هم المعضلة

لكن المفارقة تعيدنا إلى ما بدأت به، وهو أن نشر الخبر في هذا التوقيت بسبب تصاعد (الإسلاموفوبيا) في الولايات المتحدة، أي ما زلنا في ذات دائرة العدوانية. ولو أن هارفارد لم تقتبس هذه الآية ضمن اقتباسات تؤكد على قيمة وأهمية العدالة

وحقيقة يظهر لي أن استخدام شهادة الآخر في شأن معين، لا تستخدم عادة كأرضية حوار معه، أو لإقامة الحجة عليه، بقدر ما نعتبرها ذخيرة لمواجهة التغريبيين من أبناء جلدتنا، والذين لم يتوقفوا منذ أيام الاحتلال الأوروبي المباشر حتى اللحظة عن توجيه مدافع الازدراء والاستعلاء الاستفزازي السخيف نحو ثقافة الأمة، وانتحلوا السخرية من أحكام دينها، أو -حسب زعمهم- كثفوا الدعوات الممجوجة لما يسمونه قراءة جديدة للقرآن الكريم، تتلاءم مع المنتج الفلسفي والمعرفي والعلمي الغربي، هذا مع إنكارهم للسنة أو السخرية منها، وبذل كل جهد للتشويه.

وهؤلاء لن يتوقفوا برأيي عن إغراق فضائنا بترهاتهم، وتلويث هوائنا بقبيح أطروحاتهم، إلا عند هزيمة الغرب، بالمفهوم المادي البحت، أو إذا تقهقر الغرب، ورفع يده عن بلادنا ومجتمعاتنا وانشغل عنا، لأن التغريبيين تابعون للغرب بمعنى أو بآخر. ولا أخالهم بمجرد أن أبحاثا علمية فيزيائية أو كيميائية أو طبية في جامعات أو معاهد غربية، مهما كانت أهميتها، توافقت أو أكدت على ما جاء في القرآن الكريم أو الحديث الشريف، سيوقفون (قصفهم) المتواصل، لأنهم في حالة تيه، واستلاب فكري مطلق.

مردود سلبي

وبلا شك فإن قيام بعض المسلمين بتتبع ما تقوله الأبحاث العلمية في الغرب، ومقارنته بالقرآن الكريم بطريقة احتفالية، وكأن الكتاب العزيز بحاجة إلى (مصادقة) أو (شهادة) تثبت إعجازه، وأنه نزل من فوق سبع سماوات، وليس من قول البشر، هو أمر له مردود ليس جيدا، وعواقب تخشى؛ ذلك أن الدين ثابت والعلم التجريبي متغير، وصار العلم مؤخرا يخضع لمعايير تجارية تسويقية بحتة، ويجري إخفاء نتائج وإبراز أخرى لحسابات تخص القوم. ناهيك عن كون هذا الركض ورءاهم يعطي شعورا بالدونية ويؤكد أن لدينا عقدة نقص تجاه الآخر.

 جامعة هارفارد والقرآن الكريم

في الأيام القليلة الماضية انتشر خبر تصنيف جامعة هارفارد للقرآن الكريم كأفضل كتاب (عدالة) وكالعادة طار كثير منا فرحا، ورقصوا لهذا النصر طربا، علما أن جذر القصة أو الخبر يعود إلى بضعة أعوام خلت. بداية عند الحديث عن هذا الخبر الذي انتشر بكثافة، فإن أول تعليق هو عدم الدقة في النقل، وهذا يكشف عن عدم تحري الصدق، مع أن المسلم مأمور به في كافة شؤون حياته، كما أن الوسائل التقنية الحديثة، وتطور وسائل الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات، وتنوع المراجع والمصادر تسهل البحث عن الحقيقة بجهد يسير ووقت قليل؛ وما دمنا في سياق الحديث عن فخرنا بحضارتنا، فإن السلف من أهل العلم وطلبته، كانوا يقطعون الفيافي والوديان والسهول على ظهور الإبل والخيل والحمير والبغال أو يضطرون أحيانا أن يمشوا على أقدامهم، وما في ذلك من بذل وقت وجهد ومشقة في سبيل تحصيل شيء من العلم، ولا يجدون في ذلك إلا واجبا، وحينئذ ملكوا الدنيا وأمسكوا بقياد حضارة العالم..

ولكن نجد الآن سهولة تحصيل المعلومة بضغطة زر وفي دقائق أو لنقل سويعات أو حتى أياما معدودات، فلا يتحرى بعضنا الدقة، ويستغلون مواقع التواصل والثورة التقنية لترويج خبر لم يتأكدوا بل لم يخطر في بالهم التأكد من صدقه وتبين حقيقته، وهذا يدعو للحزن، خاصة أنهم يفعلون ذلك ظنا منهم أنهم ينتصرون لديننا وحضارتنا، وأنّى لهم ذلك؟! لا مراء أن جامعة هارفارد (Harvard University) في الولايات المتحدة من أهم جامعات العالم وتتبوأ مرتبة متقدمة وفق مختلف تصنيفات وتقييم الجامعات في كل قارات الأرض؛ وليس سرّا أن من يتخرج من هذه الجامعة مهما كانت جنسيته ومهما كان حقل اختصاصه سيكون صاحب حظوة وله مكانة سياسية أو مهنية واجتماعية مرموقة، وكلية القانون في تلك الجامعة العريقة (تأسست في القرن السابع عشر) هي من أوائل نظيراتها في العالم، وهذه الكلية هي محور وأساس الخبر الذي انتشر، ودشن بعضهم له وسما (هاشتاغ) واعتبروه فتحا مبينا.

ما ذكرني بهذا الآن أن هارفارد لا شك تدرك (وقد تأخرت) أن القرآن الكريم كتاب يؤمن به مئات الملايين من الناس ومنهم ملايين يعيشون في الولايات المتحدة، وعدد من طلاب الجامعة، وبالتالي لا يمكن أو لا يعقل تجاوز اقتباس آية أو آيات منه

فعلى بوابة مكتبة كلية القانون قبل سنوات تم تعليق آية قرآنية مترجمة إلى الإنجليزية طبعا:- (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَىٰ أَنفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ ۚ إِن يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا فَاللَّهُ أَوْلَىٰ بِهِمَا ۖ فَلَا تَتَّبِعُوا الْهَوَىٰ أَن تَعْدِلُوا ۚ وَإِن تَلْوُوا أَوْ تُعْرِضُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا) سورة النساء آية 135. ضمن اقتباسات تتعلق بقيم العدل، وبالرجوع إلى الموقع الإلكتروني للجامعة نجد الآية القرآنية سبقها اقتباس من الكاتب (القديس أوغسطينيوس) وتبعها اقتباس من وثيقة الملك الإنجليزي جون.. وفهمكم يكفي! وسبب عودة هذا الموضوع إلى الواجهة هو أن موقع (ستيب فيد STEP FEED) نشر يوم 15 كانون ثاني/يناير الجاري خبرا بصيغة: هل تعلم بأن جامعة هارفارد تعترف بالقرآن كأحد أفضل تعبيرات العدالة؟ أي أن من روجوا للخبر بأن (جامعة هارفارد تعتبر القرآن أفضل كتاب عدالة) لم يتحرّوا الدقة في النقل والنشر والترجمة.. إن القرآن الكريم ناسخ لما قبله ومحمي من التحريف والزيادة والنقصان، ويحوي ويحض ويؤكد على العدالة وغيرها من القيم السامية، سواء شهدت هارفارد بهذا أم لم تشهد.

دائرة العدوانية

ولكن المفارقة تعيدنا إلى ما بدأت به، وهو أن نشر الخبر في هذا التوقيت بسبب تصاعد (الإسلاموفوبيا Islamophobia) في الولايات المتحدة، أي ما زلنا في ذات دائرة العدوانية. ولو أن هارفارد لم تقتبس هذه الآية ضمن اقتباسات تؤكد على قيمة وأهمية العدالة، بينما إدارة الولايات المتحدة حاربت الإسلاموفوبيا، وتوقفت عن دعمها المطلق للصهيونية بحيث صارت العلاقة بين أمريكا والصهيونية عضوية إلى حد مريع، ولو أن سياسة الولايات المتحدة لا تقوم على دعم الطغاة والفاسدين سياسيا وأمنيا وماليا، لقلت أن هذا شيء يستحق الاحتفال، ولكن تعليق ترجمة لآية قرآنية على بوابة مكتبة كلية القانون في جامعة عريقة هناك لم يغير شيئا لا في مجتمعهم ولا في سياسة إداراتهم ولو قيد أنملة، بل على العكس كما يبدو من الخبر!

في سياق متصل، أتذكر في طفولتي أن محطة تلفزيونية عربية كانت تحض الناس على ترشيد استهلاك المياه وعدم الإسراف في استخدامه، وكان الإعلان يستحضر الحديث الذي رواه أحمد وغيره (َنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَرَّ بِسَعْدٍ وَهُوَ يَتَوَضَّأُ فَقَالَ:مَا هَذَا السَّرَفُ يَا سَعْدُ؟ قَالَ: أَفِي الْوُضُوءِ سَرَفٌ؟ قَالَ: نَعَمْ، وَإِنْ كُنْتَ عَلَى نَهْرٍ جَارٍ) ولكن بعبارة تقريبا تقول (ألم تسمع بالحكمة :لا تسرف ولو كنت على نهر جار!) فقلت معلقا لمن هو أكبر مني: هذا حديث لماذا لا يقولون ذلك ويوردونه بصيغته كما تعلمناه؟ فأجابني: هذه دولة فيها طوائف متعددة، وهم يريدون أن يضعوا النصيحة كحكمة دون الإشارة إلى مصدرها عمدا لدفع كل الطوائف على العمل بها.. طبعا هذا رأيه، ولكن كانت تلك الدولة موغلة في العلمنة، ولكن قد يكون في رأيه شيء من الحقيقة.

ما ذكرني بهذا الآن أن هارفارد لا شك تدرك (وقد تأخرت) أن القرآن الكريم كتاب يؤمن به مئات الملايين من الناس ومنهم ملايين يعيشون في الولايات المتحدة، وعدد من طلاب الجامعة، وبالتالي لا يمكن أو لا يعقل تجاوز اقتباس آية أو آيات منه، بالتوازي مع اقتباسات أخرى، لأنهم يريدون أن يقولوا إن كل العقائد والديانات والحكماء والفلاسفة أكدوا على أهمية العدالة وضرورة تحقيقها...وليت أمريكا تحقق العدل فعلا! أما نحن (أو بعضنا) فسنظل إلى أن يزيل الله -سبحانه وتعالى- هذه الغمة في حالة تعطش أو فرح أو شعور طفولي بالتميز كلما خرج من مؤسسات القوم ما يشير إلى أو يؤكد على ما ينص عليه ديننا أو تحويه ثقافتنا، وحتى ذلك الحين أتمنى أن يكون نقلنا لهذه المخرجات دقيقا وأمينا وصادقا!