لماذا يستأسد ترمب على الفلسطينيين ويركع أمام الأفغان؟!

الثلاثاء 04 فبراير 2020 06:34 م بتوقيت القدس المحتلة

بعد تأجيلٍ وتأخيرٍ متكررٍ ومقصود سعياً لتهيئة الأجواء المناسبة لقبولها شعبياً على المستويين العربي والإسلامي؛ ومع تسارع حملات الدعاية الإعلامية لتدجين العقول وتخدير المشاعر، وتغييب المبادئ، وتمرير ثقافة الانبطاح والتعايش مع المحتل، وأخيراً؛ أعلن ترمب عن صفقته المشؤومة، والتي تقوم على أساس إقامة دولتين فلسطينية و"إسرائيلية"، وأن تكون القدس المحتلة عاصمة موحدة لـ "إسرائيل" بالإضافة لاعتراف الولايات المتحدة بالمستوطنات كجزء من "إسرائيل"، أما المقدّسات الإسلامية فتقوم "صفقة ترمب" على أساس أن "إسرائيل" ستعمل بشكل وثيق على ضمان الحفاظ على صفة الحرم الشريف، وتعهد ترمب بأن يتم اتخاذ "إجراءات صارمة" ليكون بإمكان المسلمين زيارة هذا المكان المقدس بصورة "سلمية"! كل ذلك مقابل منح الفلسطينيين 50 مليار دولار إن هم قبلوا ببيع قدسهم وأقصاهم وقضيتهم وتضحيات أجدادهم.

"صفقة ترمب" لم تبدأ فصولها منذ تولّى هذا الأرعن مقاليد الحكم في "البيت الأسود" ؛ وإنما هي نتاج زواج عُرفي "غير شرعي" بعيداً عن رغبة وقرار أولياء الدم وأصحاب القضية، بين سلطة عميلة حقيرة وعدو مجرم مغتصب، فقد بدأت فصول صفقة العار يوم أن وقّعت الأيادي الآثمة اتفاقية أوسلو المشؤومة عام 1993م، والتي جعلت من قضيتنا المقدّسة سلعة للبيع والشراء والمقايضة في سوق النخاسة، هذه الخطّة التي تُنفّذ على الأرض منذ عقود ليست وليدة السنوات الأخيرة، وما يحدث اليوم هو أشبه بالحفل الختامي والإعلان الرسمي لمحاولة إضفاء الشرعية على ذاك الزواج "غير الشرعي" الذي أنجب لنا طفلاً مشوهاً، أطلقوا عليه زوراً اسم "المشروع الوطني" و"الدولة الفلسطينية" منزوعة السيادة والإرادة.

القضية قضية مبدأ واستراتيجية اعتمدنا عليها في فلسطين وأثبتت نجاعتها في مراحل مختلفة في صراعنا مع المحتل، وأفشلت الكثير من المؤامرات، وهو ما عملت عليه طالبان وانتهجته وما زالت على عهده، قتالٌ بلا هوادة

الفصائل الفلسطينية التي سجّلت نجاحاتٍ كبيرة "تكتيكياً" على صعيد العمليات العسكرية والاستخباراتية والنفسية، وأظهرت عجز العدو في معركة العقول وصراع الأدمغة أمام ذكاء ودهاء رجال المقاومة؛ فشلت فشلاً ذريعاً في السنوات الأخيرة باعتماد استراتيجية وطنية شاملة للتصدّي "عسكرياً" لحملات وعروض البيع والشراء التي جاء بها ترمب ونتنياهو على أنقاض دولتنا وقضيتنا بإعلان تلك الصفقة المخزية، والتي لا يمكن تمريرها وتمرير حملات التطبيع العربية الرسمية إلا في ظل حالة من الهدوء والاستقرار في الأراضي المحتلة، وإنما اعتمدت -الفصائل الفلسطينية- فقط على الجهود السياسية التي أضعفتها منظومة الحصار والمقاطعة، والفعاليات الجماهيرية والإعلامية التي تؤتي أكلها في حينها فقط، ثم ما تلبث أن تتلاشى وتتراجع كما شهدنا مؤخراً في مسيرات العودة وكسر الحصار وجولات التصعيد "المحدودة" على أهميتها.

الولايات المتحدة بقيادة المجرم ترمب الذي ينظر إلى القضية الفلسطينية على أنها صفقة تجارية ويستأسد على الفلسطينيين ويلقي إليهم فتات أرباحها بكل كبرٍ وعنجهية، هي نفسها الولايات المتحدة التي تغرق في وحل أفغانستان، وتسعى للهروب من جحيمها، تحت ضربات المقاومة الأفغانية الباسلة التي تسحق جنوده المحتلين منذ 19 عام، فطالبان هُزمت وخسرت كل أفغانستان عام 2001م؛ لكن منذ ذلك الحين إلى اليوم أخذت على عاتقها  قتال المحتلين بلا هوادة ودون توقف، وهي تقاتل حتى هذا اليوم بكل عنفوانٍ وإصرار، بل وتزيد من مستوى عملياتها أثناء مفاوضاتها مع المحتلين وفق مبدأ "مفاوضات تحت النار"، ما دفع بالوفد الأمريكي إلى الانسحاب من المفاوضات عدة مرات احتجاجاً على عمليات طالبان الكبيرة التي تتعمد الحركة تنفيذها في ظل جولات المفاوضات، لكن سرعان ما تعود أمريكا صاغرة أملاً في الخروج الآمن لقواتها المنهزمة وحفظ ما تبقى من ماء وجهها.

مباشرة سيتدخل البعض هنا ويقولون بأن ظروف وإمكانيات وواقع طالبان تختلف عن ظروفنا وإمكانياتنا وواقعنا في فلسطين وغزة، فالحدود طويلة وممتدة، والدعم الباكستاني "استخباراتي عسكري"، والدعم الإيراني "سياسي وتبادل تجاري"، والدعم الروسي "سياسي" يجعل من طالبان قوة لا يُستهان بها أمام جيش الاحتلال الأمريكي، نعم هو كذلك؛ لكنّ طالبان لم تصل لهذا المستوى من القوة إلا بعد سنواتٍ من الجهاد المتواصل والمقاومة المتصاعدة بأدواتٍ بسيطة وأسلحة فردية خفيفة، لكن باستراتيجية تعتمد على تكثيف العمليات بهدف إرهاق القوات الأجنبية دون أن تسعى للسيطرة على الأرض مع قدرتها على ذلك؛ وهو ما أعطى للمقاومة الأفغانية قدرة كبيرة على التحرك والمناورة للفتك بالقوات الغازية؛ دون الخوف على ضياع المكتسبات أو خسارة الإنجازات، ومن هنا فرضت طالبان نفسها بقوة على جميع اللاعبين الدوليين والإقليميين في أفغانستان، وثبّتت أقدامها في أرضها حتى باتت تسيطر على أكثر من ثلثي أفغانستان، باعتماد استراتيجية ناجعة تقوم على "حرب الاستنزاف" ومعارك الكر والفر التي أرهقت أقوى وأعظم جيوش العالم؛ بعد أن كانوا حفاة عراة مطاردون في الفيافي والكهوف والجبال!

القضية قضية مبدأ واستراتيجية اعتمدنا عليها في فلسطين وأثبتت نجاعتها في مراحل مختلفة في صراعنا مع المحتل، وأفشلت الكثير من المؤامرات، وهو ما عملت عليه طالبان وانتهجته وما زالت على عهده، قتالٌ بلا هوادة بعيداً عن الهدن والتهدئات التي قد نحتاجها في ظروف معيّنة؛ لكن دون أن تطغى على خيار الجهاد والكفاح المسلح، فالمخططات والصفقات الأمريكية لا يفسدها سوى أسقف الباصات الطائرة، أو الصواريخ العابرة لأراضينا المحتلة، تماماً كما أسقطت المقاومة الفلسطينية اتفاقيات ومعاهدات "واي ريفر1" "واي ريفر2" "كامب ديفيد" "طابا" "أنابوليس" "خارطة الطريق" وغيرها؛ بالمفخخات والصواريخ والاستشهاديين وعمليات إطلاق النار التي استنزفت قدرات وطاقات الاحتلال "الاسرائيلي" وأشغلته في البحث عن مخرج لأزماته الأمنية والعسكرية، وهذا ما نحتاجه اليوم بالتحديد في كافة مناطق الوطن كي لا يلتقط العدو أنفاسه لتحقيق أي انجازات سياسية أو دبلوماسية، نعم قد تختلف الأدوات والوسائل للمقاومة حسب طبيعة الأرض والإمكانات والقدرات، لكن تبقى الفكرة واحدة أن المخططات الخبيثة للأعداء لا يسقطها إلا أصحاب الأقدام الثقيلة والأيادي المتوضئة.

سيقول أحدهم: ماذا تريد؟ الحرب والدمار؟! وماذا جلبت لنا الحروب الأخيرة؟!

أقول: في هذا التوقيت لا، وأقرُّ بأن أهل الجهاد هم أدرى بشعابه، وهم الأقدر على اختيار وسائله واستراتيجياته؛ وإن كنّا نحن الفلسطينيين أهل الحروب وأسود الشرى ورجال الوغى، ولا نخشى مواجهة العدو الذي قاتلناه بأسناننا وأظافرنا حين عزّ السلاح، لكنّ "الحرب الشاملة الخاطفة" ليست الاستراتيجية الوحيدة لمقاومة العدو ومجابهة مؤامراته ومكائده، وإنما هناك أساليب واستراتيجيات مختلفة من شأنها إيلام العدو وكسر جبروته ودفعه للرضوخ لمطالب وشروط المقاومة، وأهمها "حرب الاستنزاف طويلة الأمد" التي تعتمد على إرهاق العدو واستنزافه مادياً وبشرياً ونفسياً، وبالتالي تحطيم إرادته للقتال وكسر الروح المعنوية لجنوده وحاضنته، وإيصاله لحالة من اليأس يدرك معها أن بقاءه في البلد المحتل أمراً مكلفاً للغاية، وبالتالي قبوله الشروط السياسية للمقاومة.

أنا لا أطلب الحرب، ولا أجزم أنها الحل السحري للخروج من عنق الزجاجة وعمق الأزمة، وقد تكون هي الحل بالمناسبة بعد تمام الثقة بالله والأخذ بأسباب النصر، وإنما ما أطلبه هو محاولة الاستفادة من الآخرين ودرس تجاربهم، لإيجاد استراتيجية وطنية جامعة تُخرج شعبنا من مكابدة الذل والحصار والفقر والبطالة والفراغ القاتل؛ بينما يتمتع عدونا في مناطقه الحيوية والاستراتيجية بالأمن والاستقرار، ويجتهد - في ظل الهدوء- سعياً لإيجاد الحلول الدفاعية العسكرية والتقنية لقدرات المقاومة من جهة؛ ويُسارع في تنفيذ مخططاته وتوسيع نفوذه وتحقيق الإنجازات السياسية في المنطقة العربية من جهة أخرى.

ما أريده إيصاله هو ضرورة العمل بكل طاقاتنا على الخروج من هذا السجن الكبير (حرب أو هدنة) الذي قبلنا أن نسجن أنفسنا وشعبنا فيه، بينما ننظر إلى العدو عاجزين وهو ينفّذ مخططاته القذرة أمام أعيننا دون أن نحرك ساكناً، يقول الشيخ صلاح شحادة القائد العام لكتائب القسام تقبله الله: "يجب أن نرتقي إلى المحاربة بالدماء، وسنواصل المقاومة مهما كلفَتْنا، وإن فقدنا السلاح فسنقاتلهم بأيدينا، علينا أن ندرك أن الشعوب المضللَة لا تستيقظ إلا بدفع الضريبة من دماء المسلمين". رأيي المتواضع أن على القوى والفصائل المجاهدة أن تعمل على تغيير قواعد اللعبة التي يرتضيها ويقبلها نتنياهو ويسعى للمحافظة عليها، كيف؟ وأين؟ وماذا؟ هذه أسئلة يعرف إجاباتها أهل الجهاد وقادة المقاومة الذين نثق بهم وبصدق توجهاتهم واجتهاداتهم، لكن الثابت الوحيد هو أن هذا الحال الذي نعيش لا يسر صديقاً ولا يُرغم عدواً، بالعكس هو وصفة سحرية للعدو لتمرير مخططاته وتحقيق أهدافه!

ورحم الله الدكتور عبد العزيز الرنتيسي إذ قال: "قذيفة واحدة من حديد، خير من ألف ألف قذيفة من كلام"، والسلام.