نهضة مالك

الجمعة 07 فبراير 2020 10:41 م بتوقيت القدس المحتلة

نهضة مالك

بقلم وسام البردويل

لعل ما طرحه مالك بن نبي في كتابه شروط النهضة يحاكي ويطابق ما يمثل واقع الأمة اليوم، فلا غرابة فإن التاريخ يعيد نفسه ويكرر ذاته باختلاف الأشخاص والأماكن والأحوال.

وكي لا أخرج عن سياق النهضة، فإن المفكر الكبير طرح مشروعا نهضويا بمعادلات فلسفية يمكن لأصحاب التنظير أن يتمسكوا بها كي ينتقلوا سويا إلى عالم التأطير شريطة أن توجد النية الصادقة.

وأجد فيما طرحه بين نبي مشروعا متكاملا ينبع من رجل عاش المحنة وآلمه واقع الأمة ورافق التطور وتعامل مع الأفراد فلخص ومحص وطرح فكرا أشار إليه في أول كتابه متحدثا عن حال الامة وما سارت إليه نتيجة لأسباب داخلية متمثلة في القابلية بالواقع وبالرضى بقليل أوجده مستعمر وهو أعظم الأسباب لفقدان الحركة واستمرار النوم وقبول بالذل والمهانة وأسباب خارجية تمثلت في الاستعمار القائم سواء بشكله الرسمي أو بعناصره المزروعة خصوصا في الكيانات السياسية الحاكمة.

وينطلق بن نبي أيضا في طرح مشاكل الأمة وكشفه عن بعض حقائق تعيشها الأمة ركز على أبرزها وهي الرؤية السطحية لمعاينة مشكلة الأمة بالإضافة إلى البحث عن أسباب التخلف من واقع المنصب الوظيفي ما يعني قصور الرؤية، ناهيك عن معالجة أعراض المرض دون النزول إلى تشخيص المرض ومدى خطورته.,

ويتابع المفكر الجزائري طرح نظريته النهضوية لتكوين حضارة تضاهي الحضارة الإسلامية الأولى لتسمو الأمة وتتخلص من براثن الاستعمال فيقول إن تكوين الحضارة يلزمها جمع رياضي لثلاثة أشياء ألا وهي: الانشان والتراب والزمان.

وأشار إلى أن هذا الجمع لا يمكن له أن ينتج حضارة دون إضافة موحد المقامات إن صح التعبير وهو الفكرة الدينية التي لها الأثر الكبير في دفع العناصر نحو الاندماج والانطلاق نحو الهدف المنشود خصوصا إذا ما ارتبط بالعالم الغيبي.

وتلك العوامل الثلاثة تعتبر ركائز حضارة فإذا ما حللنا مشاكلهم أوجدنا حضارة متماسكة سليمة وفق خطة مدروسة وهدف مرجو ومطروح على الطاولة.

ويذهب بن نبي في قضية الانسان إلى ضرورة توجيه ثقافي وعملي ومالي كي يكون فاعلا قادرا على التكوين والاندماج مع العناصر الأخرى.

وعن حديثه في قضية الثقافة قال إنها نظرية سلوكية متكونة من سلوك الفرد والمجتمع معا بخلاف ما آلت إليه بعض النظريات الأخرى التي فصلت الفرد عن المجتمع، ليطرح سلوك الفرد وتأثير المجتمع ويخرج منها الثقافة.

ولخص مالك الثقافة بقوله ‘نها نتيجة جمع عنصر الاخلاق والجمال والعمل والفن، فالأخلاق أصل المعاملات، والجمال تنجذب النفوس لرؤياه والعمل مهم لإثبات الذات والفن مطلوب لتسويق الأفكار والعبارات.

ولكن ثمة أمر مهم خصوصا في عنصري الأخلاق والجمال فإن تفضيل أحدهما على الأخر يحدث خللا ويحرف مسارا كان الأصل أن يصل بنا إلى بر الأمان.

وفي طرحه للتوجيه العملي المطلوب من الانسان فقد قال مالك إن كل إنسان أراد النهضة آثر العمل على الأجر من وراء العمل ضاربا بذلك عدة أمثلة لحضارات غريبة، أرهقت نفسها في سبيل نهضة دولتها على حساب نهضة جيبها.

والحديث عن التوجيه المالي يطول أختصر وأقول إن بناء الاقتصاد مهمة كل شخ ونتيجة الانتعاش يجب ان تبتعد عن رهن الأفراد وتكديسها في شخوص معينين وهذا يكون من خلال دائرة عمل تضع الخطط وتباشر العمل.

وتكلم بن نبي عن العنصر الثاني بعد الانسان ألا وهو التراب او إن صح التعبير الوطن فلا قيمة لمن أهمل أرضه واستسلم لمجريات المناخ الطبيعي كان او الاستعماري، ولا قيمة لإنسان مشرد رضي بالانتقال والذل والهوان على الحساب العمل من أجل المحافظة على تلك البقة التي يطبع فيها صورته ويفرض ذاته ويوجه نحوه الأنظار.

والعنصر الثالث فالزمان الذي أهملت الأمة حساباته ونسيت أهميته فلا تعرف قيمته إلا وقت الخسارة والندم، ناهيك عن إثر اهماله الذي ينتج زيادة الخمول وطول ساعات النوم وفقدان ما تبقى من آثر هذا إن كان.

وختم المفكر الجزائري كتابه بفصل الاستعمال والذي تحدث فيه أولا عن المعامل الاستعماري وإثره الكبير في بقاء الأمة في سبات عميق من خلال تضييق مسارات العمل وتجهيل الأمة وتدشين الفكر المطابق لفكرهم كي يحافظوا على البقاء أو الرضوخ أكثر.

وأيضا تكلم في الحديث عن القابلية للاستعمار وماله من إثر في البقاء على السرير والرضى بالقليل وعمل المطلوب منه دون تفكير.

وأما قضية التكيف مع الاستعمال فأقوى المعضلات كونها عيش بما هو موجود دون استحضار لاستشراق مستقبل أجمل ودون طرح لموضوع حياة أفضل في الجدول اليوم ولا حتى في لحظات التخيل.

أختم وأقول بضرورة دراسة هذا الفكر والابحار في الحضارة الإسلامية الأول

المصدر : شهاب