المراوغة في زمن الصفقة

السبت 08 فبراير 2020 05:46 م بتوقيت القدس المحتلة

يبدع رئيس السلطة وحركة فتح محمود عباس فنَّ المراوغة السياسية على حساب الوطن كل الوطن «يُعطيك من طرف اللسان حلاوة»؛ ولكن هذه المرة مختلفة عن سابقاتها، فهو لم يعد مهندسَ "أوسلو" الذي كان؛ وإسرائيل لم تعد ترضى بتلك القسمة التي وقع عليها أواخر القرن الماضي تحت شعار مفاوضات السلام «غزة أريحا»، وتأجيل قضية اللاجئين والقدس لمفاوضات الحل النهائي، ولكن ترمب بصفقته اللعينة أتى على ما تبقى من مفاوضات، فمنح إسرائيل القدس موحدة، والأغوار كاملة، وتوطين اللاجئين الفلسطينيين، وإنهاء قضيتهم للأبد.

وكأنّ في حضرته الشاعر العربي في الزمن القديم يزوره في مقر مقاطعته التي يستظلّ فيها تحت ظل الاحتلال الذي اغتصب أرضه ودنّس مقدساته «يروغ منك كما يروغ الثعلب»، يمتهن فن المراوغة وسط محنته وظروف القضية الصعبة، يواسي نفسه ومجموعة الطراطير من حوله بكلمات تخفف من مرارة الصفعة، وسط غياب واستحالة التسويات والحلول السياسية، ويندب حظّه على سنوات الضياع في المفاوضات العبثية التي انتهت بخديعة كبرى.

المراوغة التي ينتهجها رئيس السلطة لم تجد حضوراً لدى الرئيس الأمريكي ترمب ولم يفعل كما فعل سابقوه من الرؤساء بإحضار طرفي النزاع وإبرام صفقته كما حدث في "أوسلو"، فهو هذه المرة غير معني بالموقف الفلسطيني ويفرض معادلته بغرور وعنجهية؛ مستعينا بذلك على إقناع العرب بأن لا داعي للقلق ولا شيء يهدد أوطانكم، فلا إيران تهددهم، ولا مشاريعهم الاقتصادية مجمدة ما داموا تحت مظلّة الحماية الأمريكية؛ وأنهم مدعوّون للتطبيع مع إسرائيل وإقناع عباس بقبول الصفقة، وكأن الموضوع لا علاقة له بإنهاء أقدم صراع على مدار التاريخ، وطرد شعب عربي بأكمله من أراضيه بالقوة والخديعة.

فشل الرئيس عباس في اقناع الفلسطينيين بدور واضح للسلطة في مواجهة صفقة القرن، فتجاهل دعوة حماس والفصائل بحضور وفد المنظمة إلى غزة وفضل أن يدور في حلقة سياسية مفرغة يحاول استخدام المنهج نفسه في وقت يعجز هو عن تحقيق أي تقدم

نتج عن هذا التهميش للسلطة سرقة الاحتلال لأراضي الضفة كافة؛ وتعطيل حضورها وإنهاء زعامتها بعد تنفيذ مهمتها وانتهاء دورها الوظيفي الذي تمثل في حماية أمن الاحتلال وغضّ الطرف عن التمدد الاستيطاني في الضفة الغربية وتهويد القدس، وإحداث حالة الانقسام الفلسطيني التي أتت على كل أشكال الحياة في غزة، وتدهور أوضاع اللاجئين في الشتات، وانشغال السلطة بالتنسيق الأمني والمفاوضات العبثية، وهي الحالة التي أنهكت الفلسطينيين ما دفع ترمب لإعلان صفقته دون إذن من أحد، متجاهلاً الفلسطينيين والعرب ومقللًا من توقعاته بردة الفعل الفلسطينية إزاء جريمته في ظلّ وجود السلطة.

لا شك أن محمود عباس في خطابه أمام اجتماع وزراء الخارجية العرب في القاهرة أعلن عن موقفه الرافض للصفقة، ولكنه لم يحدد خطوات عملية لمواجهتها فلسطينياً وأظهر حالة الضعف والخسارة التي تعاني منها السلطة بعدما أسست منهجها منذ عقود طويلة على المفاوضات المباشرة مع الاحتلال، ولم يمنعه من المراهنة على التسوية والعمل بالوسائل نفسها بالذهاب لمجلس الأمن والقبول بشبه دولة منزوعة السلاح.

كما خلا خطابه من إنهاء الانقسام الداخلي في وقت يعتبر فلسطينيون كثر أن الرد الحقيقي على الصفقة يكون بمصالحة وطنية شاملة ودعم كامل للمقاومة، في حين رحبت حركة حماس بموقف أبو مازن الرافض للصفقة ودعته إلى ترجمة هذا الرفض إلى برنامج وطني مشترك لمواجهتها، وطالبت بعقد لقاء وطني قيادي تنبثق عنه رؤية واضحة وخطوات عملية نحو مواجهة صلبة وقوية للصفقة؛ كما جاء في اتصال رئيس مكتبها السياسي إسماعيل هنية مع أبو مازن، ورحبت الفصائل الفلسطينية بمبادرة إسماعيل هنية واعتبرتها مقدمة لإنهاء الانقسام، والتفرغ لمواجهة المخاطر المحدقة بالقضية وإعادة اللحمة الداخلية.

ولكن عباس، ومن حوله من المطبلين كان لهم رأي آخر رغم رفضهم صفقة ترمب، فإنهم لا يستطيعون مواجهتها أو التخلي عن منهجهم التاريخي في التسوية أو الوقوف في وجه الاحتلال، وذلك حفاظا على مصالحهم، فأبو مازن وإن كان موقفه قد جاء بالرفض؛ لكنه بالمقابل يرفض العمل المسلح، ويتمسك بالتنسيق الأمني، ولم يلتزم بقرار المجلس المركزي الأخير، كما أنه يرفض مرجعية واشنطن للمفاوضات، لكنه سيذهب لمجلس الأمن مطالباً بتحقيق السلام، بعدما تجاهل ترمب مجلس الأمن وكل القرارات الدولية.

بغي على رئيس السلطة محمود عباس استعادة زمام المبادرة والركون إلى شعبه، والانضواء تحت مظلة العمل الوطني الفلسطيني في مقاومة الاحتلال

فشل الرئيس عباس في اقناع الفلسطينيين بدور واضح للسلطة في مواجهة صفقة القرن، فتجاهل دعوة حماس والفصائل بحضور وفد المنظمة إلى غزة وفضل أن يدور في حلقة سياسية مفرغة يحاول استخدام المنهج نفسه في وقت يعجز هو عن تحقيق أي تقدم، وفضّل المراهنة على إقناع أمريكا بدوره الأمني بالتواصل المباشر مع المخابرات الأمريكية، وتقديمه معلومات أمنية يعجز الاحتلال عن معرفتها، وفضّل أن يدور في فلك الاحتلال والمراهنة على السلام المزعوم بدلا عن المصالحة، ومواجهة الصفقة بالمشاركة الوطنية والاجتماع الشعبي والوطني.

كان حريا بالرئيس عباس أخذ خطوات عملية واقعية من شأنها إنهاء الصفقة ووأدها في أرضها لو أنه أعلن أمام اجتماع وزراء الخارجية العرب في القاهرة تخليَه عن جميع الاتفاقات الموقعة مع العدو الصهيوني، والتحللَ من أوسلو، وقام بإنهاء التنسيق الأمني ودفع لإنجاح اللقاء الفصائلي، وإطلاق يد المقاومة في الضفة وغزة، لكانت خطواته هذه كافية لتعلم واشطن موقف السلطة الحقيقي من مخططاتها لتصفية القضية الفلسطينية، وأنها ستقابل بخطوات أكثر تصعيداً من قبل الشارع الفلسطيني، ولتعزز روح الثورة الفلسطينية في وجه الاحتلال.

ولكنه فضّل العودة إلى مربع الانقسام وإشغال الحالة الفلسطينية بخلافاته السياسة مع خصومه من الفصائل، وإشغال الفلسطينيين عن الوقوف في وجهة الصفقة وإعادة الحيوية للقضية الفلسطينية، سعياً منه لوقف انزلاق الثورة الشعبية الفلسطينية لمستوى انتفاضة عارمة تهدد مصالح القطط السّمان، وبالتالي تصبح الصفقة أمرًا واقعًا، ودون إذن من أحد كما فعلت أمريكا، ويعود هو إلى وَهْم السلام المزعوم الذي تخلت عنه إسرائيل في سبيل إنهاء الوجود الفلسطيني، والذي لم يحقق على مدار سنوات التفاوض أيَّ نتائج من شأنها بناء الدولة الفلسطينية أو المحافظة على المقدسات.

ختاماً ينبغي على رئيس السلطة محمود عباس استعادة زمام المبادرة والركون إلى شعبه، والانضواء تحت مظلة العمل الوطني الفلسطيني في مقاومة الاحتلال، والقيام بخطوات أكثر جدية في مواجهة مشاريع التصفية فلم يعد الوقت كافياً للانشغال بالانقسام، ولم يعد الاحتلال شريكه في السلام كما كان يعتقد، فإن التاريخ يدون ولن يرحم أحدًا، وإن الأجيال تتناقل اللعنات.