بين استخارة برهان وشهامة الغانم

الثلاثاء 11 فبراير 2020 04:50 م بتوقيت القدس المحتلة

بالفعل في هذه المرحلة العصيبة يتساقط من يتساقط ويسمو من يريد السموّ والمواقف النبيلة والشهامة، الفريق برهان رئيس المجلس العسكري الانتقالي يتلفع بصلاة الاستخارة ليبرر لقاءه الخياني مع نتنياهو وكأن الله تعالى مستشار خاص له، يطلب منه أن يدع جانبًا كلّ أبجديات السياسة والمبادئ والقيم والأخلاق، أن يطمس على عقله ويأتي خالي الوفاض من كل مصادر المعرفة وتقدير الموقف فيصلي ركعتين خفيفتين يتلوهما دعاء الاستخارة ليجد الله فيلهمه رؤية البيّنة فيما يريد رؤية الشمس رابعة النهار، فلا داعي للتفكير ولا استشارة ذوي الخبرات والاختصاصات ولا حتى النظر فيمن سبقه وسلك هذا الطريق مثل الفريق النميري الذي ساهم في تهريب يهود الفلاشا إلى دولة الاحتلال فتلقّى مصيرًا مخزيًا أسود من حلفائه الذين قدم لهم هذه الخدمة المجانية.

لكونه استخدم الدين بهذه الطريقة الساذجة لتمرير فعله الشنيع فجيِّدٌ أن نذكر أن صلته بالله لن تكون أقوى من صلة سيد الأنبياء محمد صلى الله عليه وسلم، ومعروف أن الشورى كانت حاضرة بقوة ومرجعية دائمة في قرارات رسول الله والشواهد كثيرة جدًّا، وكذلك إعمال العقل واستنفاذ كل طاقاته كانت ديدن سيرته صلى الله عليه وسلم وكان الصحابة يسألون: أهي المكيدة والحرب أم هو أمر أنزله الله عليك؟ فكان يجيب: بل هي المكيدة والحرب، بل جعل الإسلام العقل والسمع والبصر وكل مصادر المعرفة مسؤولة ويجب استنفاذ كل ما بجعبتها من قدرة وطاقة، وهذا من قوله تعالى: "ولا تقف ما ليس لك به علم إن السمع والبصر والفؤاد كلّ أولئك كان عنه مسؤولًا".

ولأنه أفلس من كل ما يسوّغ له هذا الفعل المقيت استعان بمسوّغ ديني وهو لا يقبل إلغاء عقله فيما هو أقل من هذا بكثير، فهل يقبل مثلا تزويج ابنته بناء على الاستخارة دون تفكير وبحث واستفسار، الاستخارة معروفة في الإسلام بعد أن يتخذ المسلم كل تدابيره ويستنفذ كل مستلزمات اتخاذ القرار الصحيح تأتي الاستخارة ليستعين بالله أن يهديه سواء السبيل ويثبّته على الحق. أما أن يأتي رجل فيشرب الخمر أو يزني أو يسرق أو يصير جاسوسًا ويقول لقد صليت الاستخارة وشرح الله صدري للخيانة مثلًا؟ هي فقط عملية هروب وتعلق بحبل واهٍ وتبرير فاشلة لا يقبلها العقل المسلم بتاتًا.

وبين الثرى والثريا بون شاسع، في ذات الوقت الذي سقط فيه هذا الرجل يسمو رجل آخر عبّر بصدق عن نبض شعبه بصفته ممثلًا برلمانيًّا له، لم ينحنِ أمام العاصفة الأمريكية الهوجاء التي تجتاح المنطقة بكل ما أوتيت من عنجهية وغطرسة، لم يرَ نفسه ولا شعبه صغارًا أذلاء على موائد اللئام، بل كان حرًّا أبيًّا جسَّد السيادة على موقفه السياسي، ومن منطلق من يعبِّر عن بلده وشعبه الذي وضع الأمانة في رقبته، من منطلق الرجال الأحرار الصادقين مع أنفسهم ومع شعوبهم، لم يصلّ صلاة الاستخارة المشوّهة فمواقف العزة لا تحتاج إلا إلى صلاة صادقة وفكر ثاقب وروح شجاعة جريئة، الصلاة الصادقة تجعله حرّا سيّدًا أما تلك الصلاة المشوّهة جعلته عبدًا ذليلًا تافهًا يرضى لنفسه ولشعبه الدنيّة وتقبيل يد الشيطان. من منطلق السيادة العزيزة ردّ الغانم على سرقة القرن، ردّ على من نصّب نفسه جبارًا على العالمين بالباطل، بالحق الذي يمثله هذا المنتمي للعروبة والإسلام وفلسطين، رمى هذه الصفقة الأمريكية الإسرائيلية في سلة القمامة حيث مكانها الطبيعي.

وهكذا في ظلّ هذا الليل البهيم الذي يلقي بظلاله الثقيلة على هذه المرحلة القاسية من تاريخ أمتنا فكما نجد كثيرين يتساقطون في نار الأعداء نجد بالمقابل من يضيئون الطريق ويبدّدون العتمة ويؤكّدون أصالة هذه الأمّة. عند عودة رسول الأمة صلى الله عليه وسلم من الطائف طريدًا آوى إلى شجرة فجاءه عبد يدعى عدّاس بقطف عنب فسأله عن شأنه ثم أعلن إسلامه ليكون هديّة سماوية مبشرة بمستقبل هذا الدين.

عدّاس تحتفي به السماوات والأرض والملأ الأعلى، مثله يعدل ملء الأرض من الذين استكبروا على الحق ولجّوا في طغيانهم، والغانم يعدل ملأ الأرض من أمثال برهان وكل من اختار السقوط المدوّي في أحضان أعداء البشرية جمعاء.