لماذا فشل الديموقراطيون في إسقاط عرش رجل العقارات العجوز؟

السبت 22 فبراير 2020 04:57 م بتوقيت القدس المحتلة

ليست بقليلة هي الحالات التي خضع فيها رؤساء الولايات المتحدة إلى مساءلة الهيئات التشريعية والقضائية مقارنة بعمر البلاد القصير الذي لا يتجاوز ثلاثة قرون، فمع انقشاع غبار عزل ترامب وخروجه منتصراً على خصومه الديموقراطيين، ونقل ساحة المعركة من أروقة الكونغرس إلى صناديق الاقتراع في نوفمبر المقبل.

لا يمكننا تنحية مشاعر الرغبة في المقارنة بين دونالد ترامب وسابقيه ممن تعرضوا لحالات مشابهة كادت أن تعصف بحياتهم السياسية، فمن رئيس ديموقراطي يأتي على أشلاء رئيس جمهوري فتكت به الحرب الأهلية مختاراً عزل وزير الحرب إدوين ستانتون وتحدي الكونغرس وإطلاق نار العنصرية تجاه العبيد المحررين حديثاً؛ ليؤول أمر عزل أندرو جونسون للتصويت في مجلس الشيوخ؛ ليصبح بذلك أول رئيس يخضع للمحاكمة منذ ميلاد أمريكا كأمة في قلب العالم الجديد.

إلا أن الكونغرس فاجأ الجميع بفشله تأمين ثلثي الأصوات اللازم لعزل الرئيس ومعاقبته على عنصريته ورفضه وضع نهاية أبدية لمؤسسة الرق وشركات إنتاج العبيد التي باتت المورد الاقتصادي الرئيس للجنوبيين، في ظل حالة الاستقطاب الرهيب حول معرفات مفصلية في التركيبة السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية لهذه الإمبراطورية الوليدة مثل: طبيعة النظام السياسي، والعلاقة بين الأعراق، وامتدادات الحرية الفردية والديموقراطية، وجملة الحقوق الطبيعية التي أرسى دعائمها جون لوك ومونتسكيو وروسو وغيرهم من فلاسفة الحركة الثورية والقوانين المدنية في أوروبا، تلك الاستقطابات التي وجد الانفصاليون الجنوبيون أنفسهم مستعدين لخوض غمارها كي يحافظوا على ممتلكاتهم من العبيد؛ بذريعة أن العبودية هي جزءٌ من حقوق الولايات لا تتدخل به الحكومة الفدرالية.

بعد أزمة أندرو جونسون بقرن، كانت الولايات المتحدة قد ترامت أطرافها على طول الأطلسي واستحوذت على المزيد من الأراضي، وحسمت الكثير من الخيارات الداخلية والخارجية؛ لاسيما هزيمة النازية وخروج الولايات المتحدة كقوة لا يمكن منازعتها على أنقاض أوروبا المدمرة التي بدأت تتلمس طريقها نحو إعادة الإعمار والتفكير في مصيرها تحت نير النظام العالمي الجديد الذي تقوده أمريكا، ثم احتدام الحرب الباردة بين دول الاستعمار الجديد التي توزعت أقطابها بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي. في تلك الظروف الاستثنائية كانت الدراما قد بلغت ذروتها بالكشف عن قيام الرئيس الأمريكي الجمهوري ريتشارد نيكسون بالتنصت على الحزب الديموقراطي في فضيحة مدوية عرفت إعلامياً بفضيحة ووترغيت، وهي الفضيحة التي لم يجد أمامها الرئيس سبيلاً عن الاستقالة من منصبه، بعدما أيقن أن مسار التحقيق سيؤدي لامحالة إلى عزله؛ لتكون واقعة الاستقالة الوحيدة التي عرفتها الولايات المتحدة منذ استقلالها عام 1776.

وبالاقتراب من عالم الحداثة، وما تحفظه في ترسانتها من مهارة عرض التسجيلات الصوتية المدبلجة والوثائق المشفرة والتمثيليات المركبة، كان عام 1998 هو الموعد لإعلان الكونغرس عن فتح تحقيق مع الرئيس الأمريكي الأكثر شعبية في تاريخ الولايات المتحدة بيل كلينتون الذي جاء إلى البيت الأبيض في حقبة دقيقة تحتاج فيها الولايات المتحدة لإعادة تعريف ذاتها على وقع هزيمة الأيدولوجية الاشتراكية وتهاوي الجمهوريات السوفيتية، وسقوط الستار الحديدي الذي قسم العالم إلى معسكرات وأمم.

كان على كلينتون أن يقدم بعض الإجابات المستقبلية لطبيعة الانعطافة التي تمليها تلك اللحظة الحاسمة من التجلي التاريخي، لكن بدل ذلك اختار الرئيس أن تكون نهاية مرحلة حكمه الشرارة التي ستنطلق منها نار فضيحة أخلاقية مدوية مع مونيكا لوينسكي (المتدربة في البيت الأبيض)؛ لتأخذ الأحداث مجرى أكثر تصادمية بين رئيس محبوب نجح في سحب الكثير من القطاعات إلى جانبه وبين الكونغرس الذي باشر في فتح تحقيق مع الرئيس المتهم في أجواء لا تخلوا من الفانتازيا والملحمية وعبثية الكاميرا في وضع الرئيس في موقف شديد الحرج.

لكن الرئيس الملطخ بعار الفضيحة الأخلاقية آثر مواصلة المعركة مدركاً أن مجلس الشيوخ سيواجه معضلة كبيرة في تأمين ثلثي الأصوات، في ظل فشل لجان التحقيق في إدانة الرئيس وإنكاره جميع التهم الموجهة إليه، وتعاطف قاعدة لا يستهان بها من النخبة السياسية معه؛ لينطق مجلس الشيوخ أخيراً بتبرئة كلينتون من جميع التهم الموجهة إليه كما كان متوقعاً.

واليوم فمع احتدام الجدل حول شخصية ترامب ونرجسيته المفرطة وسلوكه العنصري الموجه ضد السود والأقليات والنساء في مرحلة تاريخية لفظت فيها الديموقراطيةُ الأمريكيةُ العنصريةَ، وتنادت جميع الأطياف والنخب إلى خطاب الاندماج بين جميع الأعراق، إلا أن هذا الرئيس يعيد كتابة مفردات تجربة الحرب الأهلية والصراع على الهوية بدل البحث عن دور عبقري للولايات المتحدة في عالم عاد ينكأ جراح الماضي، ويسرع بخطى جامحة في تيار الشعبوية، والتحلل من مكتسبات الحروب العالمية؛ الأمر الذي يضع ترامب – الرئيس الجمهوري غير المحافظ والثائر على الأفكار الجمهورية الكلاسيكية – في مواجهة دائمة مع المؤسسات القضائية والتشريعية.

لكن لماذا فشل الديموقراطيون في الإطاحة برأس رجل العقارات العجوز رغم سيول الرفض الداخلي والخارجي له؟ يبدو أن فشل مجلس الشيوخ في انتزاع النصاب القانوني لعزل الرئيس مبررٌ وغاية في الوجاهة؛ فالرئيس ما يزال محاطاً بجدار خرساني سميك من أنصاره الجمهوريين الذين يعتبرون إجراءات المحاكمة باطلة من أساسها ومسيسة، حيث إن الرئيس لم يرتكب خطأً موجباً للعزل حسب الدستور الأمريكي، رغم سلوكه الهوجائي الضارب بعرض الحائط جميع المؤسسات السيادية في البلاد.

ومن جهة أخرى يرى قطاعٌ واسعٌ أن الرئيس قد نجح في تحسين الاقتصاد والتخفيف من معضلة البطالة من خلال قوانين الإصلاح الضريبي، واستجلب الكثير من الاستثمارات الأجنبية، وأظهر براعة كبيرة في حلب دول الخليج وتحصيل الكثير من الأموال؛ لاسيما ضريبة الحماية التي دفعت السعودية بموجبها ما يزيد عن 460 مليار دولار.

كذلك تبدو المضاربة بعزل ترامب أمراً مستهجناً في ظل اقتراب موعد الانتخابات ورغبة الجمهوريين في حصد فترة رئاسية جديدة مدفوعين بحالة التآكل غير المسبوق التي يتعرض لها الحزب الديموقراطي، وانحراف الكثير من أقطابه نحو اليمين على خلفية الزحف الكثيف في الساحة الغربية لخطاب العنصرية المعادي للهجرة واختلاط الأعراق، لا شك أن سياسات ترامب الرافضة للهجرة والمؤججة لنيران القومية البيضاء قد جذبت حزب الرئيس من الجمهوريين إلى صفه، وأحاطته بغلاف سميك يصعب على الديموقراطيين اختراقه بسهولة، كما أن هذا الخطاب العنصري المشفوع بفنتازيا أمريكا أولاً قد حرك المياه الراكدة لدى بعض النخب السياسية، ودفعهم إلى محورة مقاربة أكثر تعاطفاً مع هذا الرئيس الجمهوري المهووس بنعرات العظمة والصفاء العرقي.

وفي ملف الشرق الأوسط، أقدم ترامب على تغيير الوضع السياسي والقانوني للقدس وإسقاطها من أجندة مفاوضات الحل الدائم باعترافه الأحادي بالقدس عاصمة موحدة لإسرائيل؛ ممهداً بذلك الطريق لإطلاق ما يسمى بصفقة القرن التي تجسد الرؤيا الأمريكية الأكثر راديكالية لتسوية الصراع الفلسطيني الإسرائيلي؛ ما جعل ترامب الرئيس الأكثر شعبية وتأييداً لدى اليمين الإنجيلي واللوبي الصهيوني الذي يحظى بنفوذ قاعدي عميق في الولايات المتحدة، أما بالنسبة للعلاقة مع إيران، فترى الكثير من النخب السياسية في الولايات المتحدة أن سياسة أقصى ضغط التي يتبعها ترامب عقب انسحابه من اتفاق النووي ستحقق للولايات المتحدة ما عجز عن تحقيقه أوباما الذين يعتبرونه قد خضع للإملاءات الإيرانية، وسمح لها بتطوير برنامجها النووي والصاروخي.

دونالد ترامب غير مذنب في جميع التهم الموجهة إليه، هكذا حسم رئيس المحكمة العليا جون روبرتس الجدل في مجلس الشيوخ؛ ليسدل الستار عن محنة قاسية عاشها ترامب منذ توجيه الكونغرس أصابع الاتهام إليه بمحاولة وقف المساعدات عن أوكرانيا لدفعها إلى التحقيق مع نجل غريمه الديموقراطي في الانتخابات المقبلة جو بايدن، ومحاولته عرقلة عمل الكونغرس برفض البيت الأبيض استدعاء المزيد من الشهود والوثائق. لكن يبقى ترامب الرئيس الأوفر حظاً في الانتخابات المقبلة؛ لاسيما بعد فشل الديموقراطيين في تلطيخ صورته أمام الرأي العام، وتسويق الرئيس لنفسه لدى الكثير من النخب السياسية على نحو يشعرها بأنه الطرف البريء الذي لا يستحق هذا الكيد من الأشرار الديموقراطيين، ومحاولته تبرير الكثير من تصرفاته السياسية التي أقدم عليها خلال فترته الرئاسية والتي وضعت الولايات المتحدة في حالة غير مسبوقة من الانقسام والعزلة، تلك التصرفات التي كانت سبباً في أكبر موجة من الاستقالات والإقالات التي عرفها البيت الأبيض.

هل ينجح الديموقراطيون في شد أكثر من أربعين في المائة من الأمريكيين المترددين حول صلاحية رئيس الولايات المتحدة لولاية ثانية؟ وهل يخسر الجمهوريون سلطتهم الأخلاقية بوقوفهم خلف رئيس مذنب والتستر عليه من أجل مكاسب حزبية ضيقة بدل الوفاء للمصلحة القومية والولاء للقسم؟ وبصورة أكثر عمقاً، هل يعيد العقل الجمعي الأمريكي تقييم مكانة الحرب الأهلية في التجربة الأمريكية؟