المشخصاتي لن يقدر على تطهير دنس الاستبداد

السبت 29 فبراير 2020 07:08 م بتوقيت القدس المحتلة

الفن وسيلة لكسب المال ونيل الشهرة، أكثر منه رسالة إنسانية قيمية، ومحاولة لحل مشكلات وتعبير عن الواقع وغير ذلك مما يقال...وفي ظل النقلة النوعية في العلوم والاتصالات، صار الفن عابرا للقارات، ووسيلة من وسائل وأسلحة القوة الناعمة في صياغة الوعي والتأثير في الجمهور سياسيا واجتماعيا واقتصاديا وحتى دينيا، والتقنيات المستخدمة في الإنتاج الفني؛ كالتصوير الاحترافي والمونتاج ووسائل التجميل، لها وقع وتأثير كبير في النفوس، يفوق بأضعاف مضاعفة أثره في عصور سابقة.

اللهو وتأثيره

جاء في تفسير قول الله تعالى في سورة الجمعة/آية 11 (وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انفَضُّوا إِلَيْهَا وَتَرَكُوكَ قَائِمًا ۚ قُلْ مَا عِندَ اللَّهِ خَيْرٌ مِّنَ اللَّهْوِ وَمِنَ التِّجَارَةِ ۚ وَاللَّهُ خَيْرُ الرَّازِقِينَ) أنهم كانوا إذا أنكحوا الجواري يضربون المزامير، فينفض الناس عن سماع خطبة النبي-صلى الله عليه وسلم- إلا عصبة منهم، وهذا دليل قوي على خطر وأثر وسائل اللهو على الناس؛ فنحن نتحدث عن خير الأزمنة، فكيف بزماننا وقد بعد عنا ذلك الزمان، وتطورت وسائل اللهو إلى درجة أصبحت فيه تجارة وصناعة متعددة الأركان، بحيث تبدو وسائل اللهو في القرون الخوالي ضئيلة ولا تكاد تبين؟ وأنا قد عشت زمانا كان الناس فيه يضبطون مواعيدهم ونشاطهم الاجتماعي (وأحيانا الاقتصادي) وحركاتهم وذهابهم وإيابهم وفق موعد مسلسل تلفزيوني أو عرض متلفز لمباريات المصارعة الحرة، ولعلنا حين نرى شغف الناس بمتابعة مباريات كرة القدم وحرصهم على التسمّر أمام الشاشات أثناء عرضها، وتفاعلهم المبالغ فيه معها، ندرك أي أثر تتركه(الميديا) على النفوس والعقول.

الممثلون والمطربون.. نجوم

النجومية بفعل الإعلام المعاصر، صارت تقريبا حكرا على المطربين (أهل الغناء) والممثلين(المشخصاتية) والبارزين من لاعبي كرة القدم المحترفين؛ فأنا مثلا وكثير مثلي لا نعرف ربما أسماء أبطال ألعاب الشطرنج أو حتى التنس وكرة السلة وغيرها، وبحكم تأثير النجومية والشهرة التي حظي بها هؤلاء صاروا أحيانا (سفراء للنوايا الحسنة) وقامت بعض الدول والحكومات(الديموقراطية وما دونها) تستخدمهم من أجل الترويج لأفعال فيها ما هو خير ظاهر وفيها ما هو شر مستطير؛ فأحيانا نراهم يروجون لجمع التبرعات لمنكوبين بسبب حروب أو زلازل، أو لبناء مشافي متخصصة في علاج أمراض خطرة أو رعاية نشاطات للأطفال أو مساعدة معاقين أو عجزة أو فقراء معوزين أو ما شابه.

لم تتورع بعض أجهزة مخابرات الاستبداد عن إسقاط فنانين وفنانات أخلاقيا لاستخدام مادة الإسقاط كورقة ابتزاز ومساومة، كي تضمن الولاء المطلق لهؤلاء

وعلى نقيض ذلك نراهم أحيانا يطرحون على الإعلام أو في مناسبات وفعاليات معينة مواقف موغلة في تأييد الباطل وتزيين العدوان وتبرير جرائم الطغاة تحت شعارات كبيرة وضمن مزايدات مقززة تتوسل الوطنية أو القومية، وهنا لا بد أن أشير إلى أن (النجوم) في بلاد الغرب التي صنعت ورعت التقنيات وكان لها قصب السبق في الإنتاج الدرامي والسينمائي لهم من المستشارين الخبراء الأذكياء من يوجهونهم ويضبطون لهم التصريحات والمواقف المعلنة، بحيث تكون التصريحات التي تصدر عنهم-حتى لو لم ترق لنا- دقيقة ومدروسة وموزونة بميزان الذهب.

أما الحال في بلاد العرب فهو مختلف؛ فالقانون انتقائي التطبيق، ولا يسري على الجميع، ولذا قد ترى من يحاكم ويجرّم بسبب كلمة عابرة، أو موقف عرضي، وترى غيره يقول ما يشاء، لأنه(مدعوم) وحتى المدعوم من جهة أو شخصية معينة قد يقع ضحية تنافس (الجهات السيادية) ورجحان كفة إحداهما على الأخرى في ظرف ما، ولأن الأنظمة المستبدة اتخذت من كل شيء سلاحا لتقوية نفوذها وبسط سيطرتها وتعزيز هيمنتها الشمولية على الناس؛ فإنها أدركت مبكرا أهمية الإمساك بناصية الإنتاج الفني، وتوجيهه وتغذيته بما يخدم توجهاتها ورؤيتها.

وفي سبيل ذلك لم تتورع بعض أجهزة مخابرات الاستبداد عن إسقاط فنانين وفنانات (كما تفعل مع فئات أخرى طبعا) أخلاقيا لاستخدام مادة الإسقاط كورقة ابتزاز ومساومة، كي تضمن الولاء المطلق لهؤلاء. ومن نجا من فخ السقوط-أو الإسقاط-الأخلاقي لن تعجز الأنظمة التي نعرف حال القانون والقضاء عندها، من تلفيق تهمة له، أو مضايقته بأحد أفراد أسرته، أو استخدام الإشاعات الموجهة ضده. وإني قد ترجّح عندي أن الشهرة والنجاح ليست بالضرورة مرتبطة بالمواهب والذكاء والقدرات الفردية وحسب، بل بدعم من أجهزة أو شخصيات في منظومة الاستبداد.

مشخصاتية يصفقون للطاغية

بعد انفجار الثورات العربية، وما تلاها من هجمات الثورات المضادة، ونجاح الأخيرة في تحقيق اختراقات واضحة، مشفوعة بتغوّل لا يضع المساحيق، رأينا من الممثلين (المشخصاتية) من وقف على الحياد وتجنب إلى أكبر حد ممكن التعليق على ما يدور من أحداث، ورأينا من يبدل مواقفه كما يبدل أدواره التي يؤديها في أفلام ومسلسلات؛ فيتنقل بين موقف ونقيضه في برهة قصيرة من الزمن، ومنهم من أيد الشعوب وحقها في الحرية والكرامة وتقاسم الثروة، ومات على ذلك أو ما زال ثابتا.

وطبعا رأينا من يقف في صف الطغيان والاستبداد بكل صفاقة، زاعما أنه مع الوطن ضد الأعداء أو الإرهاب أو التخريب...وبعض هؤلاء المشخصاتية قد فجعوا كثيرا من الناس؛ ذلك أنهم لسنوات طوال كانوا يؤدون أدورا فنية تبدو لاذعة النقد، ومرتفعة الصوت في التعبير عن الاحتجاج الشعبي المكتوم على أوضاع البلاد المزرية؛ لاسيما ما يتعلق بالظلم والقهر الأمني والفساد المالي والإداري والتخلف السياسي؛ مما جعل أحد الأسئلة مشروعا ومنطقيا وحاضرا بكل قوة: هل كانت أدوارهم الفنية، في كنف الاستبداد الذي سكت عليها أو حتى شجعها ورعاها، وقد أضحكت الناس وأبكتهم، حين وصفت واقعهم وطالبت عبر (الرسالة الفنية) بضرورة إصلاح هذا الواقع وتغييره، مجرد حالة تنفيس مقصودة أوعز بها المستبد لمن كتب السيناريوهات ولمن أخرج وأنتج وصولا إلى من يهم الناس ويحضر دوما في أذهانهم كما أمام ناظريهم أي المشخصاتي؟ هذا سؤال ستجيب عليه الأيام وما سيتم كشفه من خفايا وأسرار؛ مبدئيا يبدو الجواب: نعم، في غالب الأحوال.

  ما كان له من دور سابق في إسناد الاستبداد، ارتبط بظرف موضوعي مختلف تماما عن الواقع؛ فقد كانت منظومة الاستبداد تفعّل تكامليا كل الأدوات من عصا الأمن إلى منبر المسجد إلى الدراما

هل سينجحون؟

ولكن هل المشخصاتي الذي نال لردح من الزمن احترام الناس أو محبتهم وإعجابهم، ثم انتقل وقت الحق والجد، إلى مربع الدفاع العلني الاستفزازي عن الطغاة، سينجح في تغيير قناعات الناس بحكم شهرته وتأثيره وقوته الناعمة التي حصل عليها إلى درجة تحوّله إلى أيقونة حاضرة في وعي الناس عند كل موقف في حياتهم تحت نير الاستبداد؟

حقيقة، لا...فثمة علماء وشيوخ كان الناس عند سماعهم يذرفون أنهارا من الدمع، فلما وقفوا مع الطغيان انفض كثيرون من حولهم، وندموا على ما منحوه لهم من تقدير وإعجاب واقتداء، واعتبروا أنهم تعرضوا للخداع...وحال المشخصاتي ليس أفضل، فدنس الاستبداد لا يطهره شيخ منافق، أو مشخصاتي مزايد، ويجب ألا ننسى أن المشخصاتي أولا وآخرا هو صاحب مهنة وليس ملهما فكريا يصوغ وعي الجماهير، وإن تخيّل هو أو من يسنده ذلك؛ فإن وقف مع الشعوب أو التزم الحياد، كأضعف الإيمان فهو الرابح، وإن وقف مع الاستبداد فقد باء بخزي وخسران مبين.

ذلك أن ما كان له من دور سابق في إسناد الاستبداد، ارتبط بظرف موضوعي مختلف تماما عن الواقع؛ فقد كانت منظومة الاستبداد تفعّل تكامليا كل الأدوات من عصا الأمن إلى منبر المسجد إلى الدراما (موضوعنا) إلى الاقتصاد إلى إلى إلى...وحاليا يركن الاستبداد إلى الحلول الأمنية المتوحشة، مقدما إياها على أي وسيلة أخرى، وبالتالي فإن موقف المشخصاتي الداعم له(رغبة أو رهبة أو حتى قناعة) يضعف ويذوي، فكل (إبداع) وإتقان لدور في مسلسل أو مسرحية بكى الناس أمامها وضحكوا، ومن أدّاه يبرر/يصفق للطغاة، سيجعل (الفن والإبداع) حتما بلا قيمة أمام صرخات المعذبين في السجون، أو المسفوك دمهم في البيوت والشوارع أو الهاربين بحثا عن مأوى، أو الباحثين عن فرصة عمل من طوابير الخريجين، أو الكادحين المسحوقين، الذين يرون المشخصاتي مرفها و مدافعا عن الحكام المرفهين...وربما من حسنات مواقف المشخصاتية أنهم سيعودون إلى مكانهم الطبيعي، بعكس ما كان يصنع الإعلام بحيث قدمهم للجمهور على أنهم أصحاب رؤى حلول اقتصادية ونظريات فلسفية وتنظيرات اجتماعية وسياسية...أي أن لسان الحال عند الجماهير سيقول :كش مشخصاتي!