صراع فاسد ومتعطش لزعامة.. "إسرائيل" إلى أين؟

الأحد 08 مارس 2020 12:08 ص بتوقيت القدس المحتلة

صراع فاسد ومتعطش لزعامة.. "إسرائيل" إلى أين؟

بقلم وسام البردويل

كثرة حلقات المسلسل تدخل المشاهد في حالة من الملل، خصوصا إذا لم يكن فيها الجديد، وتعداد الأجزاء يشعل صراعا بين الممثلين والمخرجين يصل في بعض الأحيان إلى ضرورة إنهاء دور أحد الطرفين واستبداله بشخصية أخرى.

وما بين تفاصيل الصراع تكمن حقيقة النزاع، وتظهر شخصية الطرفين ما بين احترام العقد أو التمرد على الاتفاق الذي يمثل شريعة المتعاقدين، وتبدأ حكاية التصريحات يتلوها خطوات خارجة عن النص تصل في بعض الأحيان إلى التشهير لتصل إلى مرحلة الخصام وتبعاته.

وفي الحالة الإسرائيلية يتابع العالم ويترقب تكرار حالة عدم الاستقرار بعد 3 جوالات من الانتخابات لم يصل فيها طرفا الصراع إلى حل يقود إسرائيل إلى حالة من الاستقرار الداخلي في ظل متغيرات خارجية سواء إيجابية كانت أم سلبية.

لكن إذا ما تطرقنا للحديث قليلا عن تلك الحالة نجد تقلبات واضحة وحالة من الاتهامات جد كبيرة بين طرفي النزاع المتمثل في رئيس الحكومة الأسبق بنيامين نتنياهو وما بين منافسه الأول بيني غانتس أو بصورة أخرى ما بين يمين متطرف ويسار ووسط لا يقبل الشراكة مع فاسد على حد قولهم.

وتكررت حالة عدم القبول بالشراكة بين الطرفين للمرة الثالثة على التوالي لتجر إسرائيل معها إلى الجولة التي كانت قبل أيام معدودة ولا زالت نتائجها تظهر عدم وصول أحد الطرفين إلى مقاعد تؤهل إلى تشكيل حكومة بشكل مستقل.

لكن هذه الجولة حملت في طياتها العديد من المتغيرات خصوصا فيما يتعلق بنتنياهو، فسبق موعد الانتخابات حدثين مهمين أحدهما يصب في مصلحته والأخر يدينه، أما ما يدينه فكان اعلان تورطه بملفات الفساد وإحالتها إلى القضاء، أما الأخر فهو اعلان صفقة القرن من قبل رئيس الولايات المتحدة الأمريكية دونالد ترامب وما تحمله من إنجازات وفق رؤية نتنياهو لإسرائيل بفضل جهوده الجبارة.

وما بين مشروع يدينه وآخر يصب في مصلحته، كان للأخير تأثير أكبر خصوصا أن اعلان النتائج أوجد فارقا بين الليكود وحزب أزرق أبيض بـأكثر من 3 مقاعد بخلاف الجولة الثانية التي شكلت تساويا في عدد المقاعد.

هذه النتائج دفعت المتابع والمشارك في حالة من الاستغراب وتساؤل يشكك في مصداقية الانتخابات أو على أقل تقدير تأويل بضعف الدعاية الانتخابية للطرف المنافس قابله توحيد صف الطرف الأول "الليكود" خصوصا بعد انهاء حالة المناداة بإسقاط نتنياهو من منصة الليكود كما كان يريد جدعون ساعر، بالإضافة إلى سعي حثيث وتكلم على كثير من الإنجازات أمام الجمهور خصوصا أن إعلان صفقة القرن دعمت شعاراته الانتخابية.

كل تلك المقدمات وأيضا النتائج وتغيراتها، أوجدت حالة من الانقسام أكبر من سابقتها وشكلت شرخا أكبر مما كان عليه، خصوصا في يد الطرف الأخر "ليبرمان وغانتس"، فبدت محاولات الانقلاب على تلك النتائج إن صح التعبير والمساعي القانونية نحو فقدان نتنياهو نشوة الانتصار، فظهرت أفكار جديدة بسن قانون يمنع منح من يتهم بملفات فساد أن يشكل حكومة وبالتالي لا قيمة للنتائج.

هذا الامر دفع نتنياهو لإطلاق تصريحات مناهضة لتلك المحاولات وبدأت مرحلة من الصراعات القديمة الجديدة تظهر على العلن، ففي تصريح لنتنياهو انهم فيه خصومه السياسيين بمحاولة سرقة الانتخابات بطريقة معادية للديمقراطية.

من جانبه قال غانتس إن غالبية أعضاء الكنيست سيوصون به لتشكيل الحكومة المقبلة.. وسيشكل الحكومة ولن يسمح بانتخابات رابعة.. وسيقيم حكومة مستقرة تنتشل إسرائيل من الكراهية والانشقاق وتمنح القدرة على المضي قدما".

وأكد زعيم الحزب أن زمن حكم خصمه، رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، قد ولى، قائلا: "عصر نتنياهو انتهى.. مرة تلو الأخرى، قال الشعب الإسرائيلي إن عهده انتهى، وهذا ما سيحصل عليه الشعب".

لكن يبقى السؤال قائما في ظل تلك التصريحات وكثرة التناقضات واشتعال الصراعات ما الذي سيحدث، خصوصا إذا ما قرأنا من جانب آخر تصريحا ببقاء نتنياهو في صدارة الحياة السياسية في البلاد، وقوله: "أطمئنكم بأنني لن أذهب إلى أي مكان".

"لن أذهب إلى أي مكان"، ماذا عن ملفات الفساد؟، هل يمكن ان نقرأ مثل هذا التصريح بإعلان تمرد على القانون، والبقاء في صدارة الحياة السياسية، دون لفت نظر إلى ما يمكن أن تسفر عنه المحكمة.

اذن فقد بدأت المرحلة التالية من الشقاق التي أراها قد أنهت مرحلة التراشق الإعلامي، فماذا سيفعل نتنياهو، وماذا سيفعل غانتس؟ وكيف لمن امتلك الأغلبية في الانتخابات أن يترك النتائج ويذهب نحو القضاء فهو لم يذهب للتنازل في الجولة الثانية المتساوية؟ وكيف لغانتس أن يرضى بمن اتسم بالفساد أن يحكم البلاد؟

وحول تلك التساؤلات نظهر أمرين من باب الذكر لا الحصر ندرس حولهما طبيعة المرحلة القادمة، وهما ملفات فساد نتنياهو والموقف من صفقة القرن.

وحول هذين الملفين ينقسم الشارع الإسرائيلي بشكل متناحر وكبير ومعه الرؤوس السياسية المتمثلة بشخص نتنياهو غانتس، فنتنياهو لن يقبل أبدا بأن ينتهي به الأمر إلى ساحة القضاء وقفص الاتهامات مهما كلفه الثمن، وما هو الثمن وما يمكن له أن يفعل.

فقد قرأنا تصريحا له بعد اعلان النتائج أنه تلقى عرضا عشية الانتخابات يمكن أن يؤثر على مجريات الشرق الأوسط، فمن يمتلك ذلك العرض لن يقبل بالتسليم ويمكن أن يقود إسرائيل إلى صراع يمكن له أن يؤثر عليها بشكل كبير ناهيك عن أن مثل هذا التصريح بمثابة رسائل مبطنة لمن يريد التفكير في اسقطاه وخصوصا بامتلاكه الأغلبية أو الشرعية على حد قوله.

وحول كلمة "يغير الشرق الأوسط"، فمن يقرأ هذا التصريح يذهب سريعا نحو إيران، وتلك مغامرة تخشى عديد الدول أن تفعلها ولكن في المصالح الشخصية والأطماع الداخلية وبتأثير النزاعات يمكن له أن يفعلها، كخطوة أخيرة قبل النهاية، وإذا ابتعدنا عن مثل هذا الخيار فيمكننا النظر نحو حزب الله والولوج في معركة قد تكون غير محمودة النتائج، وأخيرا وهو حل ضعيف لا يمكنه أن يؤثر بشكل كبير على المكاسب السياسية وهي الحلقة الأضعف "غزة" والدخول في حرب معها.

كل تلك الخيارات أراها ليست الأقرب، فما هو الأقرب اذن؟.. هي الحرب الأهلية والنزاعات الداخلية خصوصا إذا ما استند الأمر بمرافقة صراع حول ملف الفساد صراع آخر يكمن في الموقف من صفقة القرن الذي يراها البعض إنجازا ويراه الأخرون وبالا وانهزاما.

ويقول الخبير السياسي الإسرائيلي مناحيم كلاين: "إمكانية اندلاع تمرد أو حرب أهلية في إسرائيل ليست افتراضية. تحققها يرفرف في الفضاء العام وموجود في أذهان صناع القرار. الفيل الموجود في الغرفة يتسبب في تصلب المواقف".

ويضيف في إحدى مقالاته" قد يحمل تنظيم سري إسرائيلي متطرف السلاح ضد الحكومة لإحباط قرار يسمح بسيادة فلسطينية كاملة على الضفة الغربية وقطاع غزة".

وفي حالة مشابهة لهذا الأمر قضية مقتل رابين الذي وصفوه برجل السلام، والتي سادت في هذه الأيام حالة تشبه الأوضاع التي كانت عليه في عصره، ما دفع نحو قتله، الأمر الذي يمثل شرارة الصراع الذي قد يجنى على العديد من الشخصيات ويدخل إسرائيل في دوامة قد لا تخرج منها سالمة وقد يودي بها إلى بداية النهاية والتآكل الداخلي.

وبحسب نتائج استطلاع أجري للرأي العام الاسرائيلي، يعتبر 40% من الإسرائيليين أن الاحتمال أن تشهد "إسرائيل" اغتيال شخصية سياسية متوسط حتى مرتفع.

وقال 39% من المستطلعة آراؤهم إنهم يرجحون أن يقدم قاتل ينتمي سياسيًا لمعسكر اليمين، على اغتيال شخصية سياسية تابعة لمعسكر اليسار وسط الصهيوني، فيما رجّح 21% أن يقدم قاتل يساري على اغتيال سياسي يميني إسرائيلي.

في حين رجّح 16% أن يكون القاتل من المجتمع العربي، وأن يستهدف سياسي يميني إسرائيلي.

وقال 40% من المشاركين في الاستطلاع أن الخطاب في إسرائيل اليوم أكثر عنفًا وتحريضًا وخطورة واستقطابا مما كان عليه عام 1995 قبل مقتل رابين. في المقابل، يعتقد 24% في الواقع أن الخطاب كان أكثر عنفا في ذلك الوقت.

وعن الجهة التي تتحمل مسؤولية الخطاب "العنيف والتحريضي"، قال 37% إن وسائل الإعلام هي أكثر من يساهم في ذلك، في حين قال 29% إن السياسيين هم من يتحمل المسؤولية، فيما قال 34% من المستطلعة آراؤهم إن الطرفين يتحملان المسؤولية بنفس القدر.

واعتبر المبادرون للاستطلاع أن "نتائج الاستطلاع مقلقة وتبرز مدى أهمية التوافق والوحدة والمطالبة بإدانة العنف والتحريض في الخطاب الإسرائيلي اليوم أكثر من أي وقت مضى".

وتدعيما لما قد يحقق ما يفرزه مثل هذا الاستطلاع، هو الجانب الخفي الغير معلن، فكيف لقوة مثل لوبي السلاح أن يرضى بمثل هذه الصفقة أو بمعنى أخر الوصول إلى حالة من إنهاء الصراع الفلسطيني الاسرائيلي إن صح التعبير، فمن وقف وراء مقتل رابين هو ذاك السلاح الخفي، ومن يقف وراء كثير الازمات هو نفسه العنصر الخفي، فكيف لمشكلة تشغل الشرق الأوسط باكمله إذا ما امكننا القول عنها ان تنتهي ويقف معها البيع والشراء ونهر الدم الجاري، فاما بقاء لجذوة الصراع أو إضافة لجذوة أخرى تتمثل في حرب أهلية.

ومع تلك المعطيات والمجريات يبقى السؤال الذي تصدر عنوان المقال قائما.. إسرائيل إلى أين؟

المصدر : شهاب