توقعات ما بعد مأساة النصيرات

الثلاثاء 10 مارس 2020 08:05 م بتوقيت القدس المحتلة

لا شك أنَّ وقْع خبر هذه الفاجعة كان مؤلما، وكان لحرمة الضحايا ورهبة الحدث أن نلجأ ضارعين للمولى أن يرحم الضحايا ويلهم أهاليهم الصبر، وأن نتريث قليلا في دراسة أسباب وتداعيات هذا الحدث، ولكن بعد أن تخف وطأة الرهبة لابدّ أن تأتي الفكرة.

على خلفية وفاة شاب سقط من الطابق الثالث في بلدنا وافق أن اتصل بي صديق في دولة أوروبية فذكرت له الحادث، فقال لي: أما زلتم غير جادين في إجراءات السلامة العامة؟ لم نعد نسمع عندنا وفيات من هذا النوع؟ لماذا عندكم تتكرّر هذه الحوادث؟

بالأمس شاب طائش يقود سيارة بأربعة استهتارات مجتمعة: دون ترخيص للمركبة ولا تأمين ويتجاوز في مكان ممنوع وبسرعة هائلة، كاد أن يضع حدّا لركاب سيارة مقابلة لولا انتباه سائق هذه السيارة وخروجه من الشارع في آخر لحظة. وقبل سنتين فجعتنا حادثة حافلة الروضة بالقرب من جبع، التي احترقت بمن فيها من أطفال لأسباب أعتقد أننا لا يجوز أن نعلقها على القضاء والقدر بتاتا. وحوادث السير أغلبها ينجم عن مثل هذه الاستهتارات وتجاوز تعليمات السلامة على الطرق.   

لم يعد ضرر أي تهاون في إجراءات السلامة العامة أو السلامة على الطرق على المتهاون نفسه وإنما غالبا المتضرر أناس آخرون.

وعندما تقع رافعة على الحجاج فتقتل عددا كبيرا منهم نسارع في تعليق ذلك على القضاء والقدر. لم يعد هذا الهروب وتعليق ذلك على شمّاعة القضاء والقدر مقبولا، إذ إن من المعروف أن الله جعل هذه الحياة تسير وفق نواميس وسنن، وهذه لا تحابي أحدا، وأن من يتجاوزها ولا يأخذ بها لا بدّ أن يقع في مصيبة ليتعلّم الدرس، وليعلم أن السلامة لها سبلها وأن الإهمال والطيش والاستهتار له ثمنه في هذه الحياة. 

أتوقّع بعد هذا الدرس الأليم أن نعمل على ضبط السلامة العامة من خلال مسارين:

• متابعة الجهات المختصة: أن تعمل وزارة العمل ومكاتبها ومن يمنحون التراخيص مثل البلديات والغرف التجارية على التشديد والتدقيق في إجراءات السلامة العامة، والقيام بحملات التفتيش، وألا تتهاون في عملها هذا أبدا، إذ إن الله يزع بالسلطان ما لا يزع بالقرآن.

• العمل على ثقافة المجتمع من خلال بث الوعي في هذه الأمور المهمة، والعمل بكل السبل الممكنة التي تجعل من هذا الوعي ممارسة وسلوكا، وممكن في هذا المجال إنتاج أفلام قصيرة وتعميمها على العاملين في كل القطاعات، وإدخال هذه التوعية في المناهج المدرسية في كلّ المراحل، ونشر الوعي في الطبقة العاملة كي تراعي كل إجراءات السلامة العامة، والوقوف بشكل حاسم وواضح في موضوع العلاقة بما يحدث لنا مما كسبت أيدينا وبين مفهوم القضاء والقدر الصحيح. 

• تفعيل القانون الذي يشكل الردع الكافي لكل المخالفين لإجراءات السلامة العامة وإجراءات السلامة على الطرق. 

يجب ألّا تمر هذه المأساة مرور الكرام، لا بدّ من استخلاص العبر وتحويلها الى محطة لإعادة تقييم إجراءاتنا في السلامة العامة ووعينا وثقافة مجتمعنا في هذا الموضوع المهم، وتطبيقنا الصارم للقوانين الرادعة لكل من يخالف ولا يلتزم.