هل يجوز إغلاق المساجد وقايةً من كورونا؟

الخميس 19 مارس 2020 04:20 م بتوقيت القدس المحتلة

هل يجوز إغلاق المساجد وقايةً من كورونا؟

بقلم أستاذ المنهجية والأخلاق: د. معتز الخطيب

أثار إغلاق المساجد كليًّا أو تعليق الجُمَع والجماعات فيها جدلاً من قبل بعضهم، فكتب يعارض في ذلك د. حاكم المطيري وتحدث فيها الشيخ محمد الحسن ولد الددو في تسجيل صوتي، وغيرهما. وقد علقت – في عجالة - بأن هذه الفتاوى في واد والواقع في واد آخر، وقد أثار تعليقي هذا غضب بعض مريد الشيخ الددو، وكنت قد تعرضت للرد على كلام المطيري في مقال الأربعاء 18-3-2020 على الجزيرة نت، ولذلك سأخص بالمناقشة هنا كلام الددو. وما يثير العجب هو نوعية الحجج التي يحتج بها وطريقة استدلاله مما لا يتفق مع طريقة الفقهاء. ولمناقشة هذا سأجعل النقاش محددًا في نقاط ليكون أسهل في الفهم وأوضح.

1- هناك فرق بين (إغلاق المساجد)، و(تعليق أو تعطيل صلاة الجمعة والجماعات)، وبعض الناس خلط بين الأمرين، فالمطيري والددو ضد إغلاق المساجد وضد تعطيلها كليًّا، ولكنهما يختلفان في التفاصيل، فالددو يريد فقط التخفيف من الجمع والجماعات لتؤدى على نطاق ضيق بحيث لا تعطل ولا تغلق.

2- اتسمت حجج الددو بالضعف بالمعايير الفقهية، فقد جاء كلامه عامًّا وأجنبيًّا عن استدلالات الفقهاء. يقول في تسجيل صوتي: "فالمساجد لا تعطل فهي أحب البقاع إلى الله، وفيها بركات وخيرات ودفع، ... ولها عُمار من الملائكة الكرام، وهم يجلسون على أبواب المساجد يكتبون الأول فالأول... والصلاة تحصين من كل المشكلات والأزمات ... ولكن يمكن أن تنتقص جماعتها خوفا من الضرر ... ومن استطاع الحضور فليحضر، ومن لم يستطع كمن يخاف الضرر على نفسه أو يخاف الضرر منه على غيره فيستمع الخطبة ولا يهجرها ... بعض البلدان التي يمنع فيها من المساجد يحاول الناس أن يجدوا بديلا عنها ... والخوف والهلع الشديد الذي يَمنع كثيرا من الناس من الذهاب إلى المسجد كثيرا ما يجدون نظيره إذا ذهبوا إلى المستشفيات ففيها من الزحام والتعرض للضرر أكثر مما يجدون في المساجد وكذلك في الأسواق ... أخذ الاحتياطات أنواع كثيرة وكلها ينوي الإنسان بها التقرب إلى الله بفعل ما أمر به ولكن مع ذلك يعتقد أنها لن تضره ولن تنفعه".

3- إن أصل النزاع هنا ليس حول بركة المساجد وعمارتها، ولا حول فوائد الصلاة ووجوبها؛ لأن الكلام هو فقط عن حالة استثنائية وهي حالة وجود وباء معدٍ، وينتشر بمتوالية هندسية؛ بسبب الاجتماع والتواصل بين الناس، واحتواء المرض لا يتم إلا بالعزل الطوعي أو بترك مسافة واسعة بين الأفراد (social distance)، فإن لم تتم الاستجابة للعزل الطوعي فإن انتشار الفيروس سيقود إلى كارثة كما يحدث في إيطاليا وإسبانيا، ومن ثم سيتم فرض الحجر وتقييد الحركة بالقوة كما حصل أيضًا في إيطاليا وفرنسا وغيرهما.

4- كلام الشيخ ينقض بعضه بعضا، فهو ضد التعطيل كليًّا، وحلوله كالآتي: قال أولا: (تنتقص جماعتها)، ثم قال: (من استطاع الحضور فليحضر) فكيف يتم ضبط العدد في هذه الحالة وجميع القادرين سيحضرون؟ هل سيتم الحضور عشوائيًّا أم في أوقات الصلاة المعتادة؟ إذا كان سيتم الحضور في الوقت سيصبح الكلام كلّه لغوا؛ لأن الجماعات والجمع ستبقى قائمة بهذه الحالة. وفي حالة إغلاق المساجد يقول الددو: (يحاول الناس أن يجدوا بديلا عنها)، ويوضح أن ما يخافونه في المساجد موجود بأشد منه في الأسواق والمستشفيات!.

وفي هذا الكلام ملاحظتان: الأولى: أن صلاة الجمعة والجماعة لا تجب فقط في المساجد، وأن البديل عن الجمعة والجماعة موجود ومقرر كما هو معروف، فالجماعة تكون في البيت، وبديل الجمعة هو صلاة الظهر. والثانية: أن قياسه الخطرَ الموجود في المساجد على الخطر الموجود في الأسواق يُلزمه بالقول بإغلاق المساجد؛ لأن بعض الدول التي أمرت بإغلاق المساجد أمرت بإغلاق الأسواق أيضًا، وفق سياسة وقائية واحدة ومتسقة. هذا إذا سلمنا معه أن الخطر واحد فيهما؛ ولكن بالاستناد إلى كلام الأطباء نجد إن الخطر ليس واحدًا، فالمساجد أخطر؛ نظرًا للمسافة التي سبقت الإشارة إليها فإن القرب لأقل من متر واحد يضاعف من احتمال الإصابة بالفيروس فما بالك بالالتصاق والجلوس لمدة زمنية طويلة نسبيًّا والسجود لعدد كبير من الناس في مكان واحد مغلق في الغالب، ما يعني أن المساجد هي المكان الأكثر خطورة في انتشار الفيروس بالمقارنة مع غيره، وإن كانت احتمالات الإصابة في غيره موجودة أيضًا.

5- إشارة الشيخ إلى الأخذ بالوسائل مع اعتقاد أنها لا تنفع؛ سيوصل رسالة خاطئة إلى الناس، وهو في هذا يصدر عن موقف أشعري تقليدي معروف، ليس هنا مجال تفصيله، ولكن الأشاعرة يرون أن الأسباب لا تضر ولا تنفع وأن وجود النفع والضرر عندها مجرد مسألة جرت بها العادة، ولكن عامة الناس تعتبر أن الوقاية نافعة - بإذن الله - ووفق قوانينه التي لا تحابي أحدًا، وهذه المسائل باتت بدهية؛ خصوصًا أن لدى الأطباء اليوم حساباتهم العلمية التي تحدد نسب الإصابة من عدمها وتستطيع تقدير عدد المرضى المتوقعين بحسب نسبة انتشار الفيروس وإمكانات العدوى وحساب جدوى العزل الطوعي الاجتماعي.

6- أصدر عدة هيئات ووزارات فتاوى وقرارات بتعليق الجمع والجماعات: كالاتحاد العالمي لعلماء المسلمين، وهيئة كبار العلماء في الأزهر، وهيئة كبار العلماء في السعودية، ومجلس الإفتاء في الإمارات، ودار الإفتاء في الأردن، ورئاسة الشؤون الدينية في تركيا، والهيئة العلمية في المغرب، ووزارات الأوقاف في الكويت وقطر، وسلطنة عمان، وسوريا وغيرها.

7- وسبق للشيخ ابن عثيمين رحمه الله أن قال في تعليقه على صحيح البخاري: "إغلاق المساجد والكعبة وما أشبه ذلك للحاجة لا بأس به، ولا يقال: إن هذا من مَنْع مساجد الله أن يُذكر فيها اسمه؛ لأن هذا لمصلحة أو لحاجة أو لضرورة أحيانًا".

8- هل هذه هي المرة الأولى التي يتم فيها الإغلاق وتعطيل الجمع والجماعات؟ سبق أن وقع هذا تاريخيًّا عدة مرات، وحكى المؤرخون ذلك، فقد "تعطلت المساجد والجماعات والجمعات مدة شهور ببغداد" سنة 656ه، وفي سنة 827ه وقع بمكة وباء عظيم بحيث مات في كل يوم أربعون نفساً، وحُصر عدد من مات في ربيع الأول فبلغ ألفاً وسبعمئة، يقول ابن حجر: يقال: "إن إمام المقام [المكي] لم يصلِّ معه في تلك الأيام إلا اثنان، وبقية الأئمة بطلوا؛ لعدم من يصلي معهم"، وفي سنة 1215ه تعطلت المساجد من الأذان والإمامة لموت أرباب الوظائف في مصر والشام، كما يحكي ذلك الجبرتي في تاريخه.

9- ولا بد من تأكيد أنه لا أحد يتحدث هنا عن إلغاء حكم تكليفي وهو (صلاة الجمعة)، بل الحديث عن اللجوء إلى بدلها وهو (صلاة الظهر)، واللجوء إلى البدل يتم لأدنى سبب في الشريعة كالسفر والمرض والخوف وغير ذلك. فلا أحد يملك أن يلغي حكمًا تكليفيًّا، وإنما يتوجه الحديث إلى الحكم الوضعي، أي إمكانات وظروف تطبيق الحكم التكليفي في الواقع، وقد تطرأ موانع وأسباب عديدة تحول بيننا وبين أداء الحكم التكليفي المعين فنلجأ إلى البديل المتاح، أو إلى القضاء (أدائه في وقت لاحق)، أو إلى الكفارة، بحسب الواجب التكليفي وبحسب حالة المكلف نفسه.

10- ثم ماذا لو تبين للمفتي أن الآلاف سيصابون بفيروس كورونا بناء على الواقع وكلام المختصين من الأطباء؟ هنا محل المسألة التي يتم الحديث عنها، فلا يليق بالمانعين الحديث عن عموم إغلاق المساجد والحديث عن فضائل المساجد وضرورة الشعائر؛ لأنه كلام خارج موضوع النقاش أصلاً. وبحسب دراسة نشرت مؤخرًا كما أورد موقع (NYT SINSCE) فإن كل حالة إصابة مكتشفة تعني وجود ما يعادل 5 إلى 10 حالات غير محددة بعد، بمعنى أن انتشار فيروس كورونا انشطاري وهذا ما يفسر تضاعف عدد الحالات المصابة يومًا بعد يوم، وتؤكد العديد من الأخبار والتقارير أن الفيروس خرج عن مرحلة الاحتواء إلى مرحلة الانتشار، وهو ما يفسر إعلان حالة الطوارئ وتقييد الحركة في أكثر من دولة في العالم بما في ذلك دول عربية. إن هذا النقاش لم يعد يتصل برأي فردي لهذا المفتي أو ذاك، فالمسألة تتصل بمصير الجماعة ككل، وفتوى مفت أو فعلُ فرد متحمس سيؤثر – لا شك - على مصير الكل وسيتحمل وزر ذلك أيضًا عند الله، فلم يعد الحديث عن مبدأ منع الضرر فقط، بل يتجاوزه إلى مبدأ منع الإضرار بالآخرين وهذه من القواعد الفقهية والأخلاقية الكبرى.

11- ولو تنزلنا في النقاش إلى استخدام قواعد المناقشة الفقهية، فالمنهج يفرض علينا إما أن نحتكم إلى أقوال الفقهاء أو إلى أدلة الشرع. فلو احتكمنا إلى أقوال الفقهاء فهم يجوزون إغلاق المساجد، ولم نجد من أنكر ذلك تاريخيًّا، أما إذا احتكمنا الأدلة الشرعية فكلا الفريقين؛ المجيزين والمانعين، يستدلون بأدلة عامة؛ لعدم وجود نص خاص في مثل هذه الحالة، فلو سلمنا بتعادل أدلة الفريقين فلا بد من الترجيح بينهما، وفي هذه الحالة تشكل قواعد الضرر مرجحًا كافيًا وشرعيًّا بين الرأيين، وهذا مما لا شك فيه عند من له ذوق في الفقه.

12- أؤكد مجددًا، أنه لا يوجد مؤمن يسعى لإغلاق المساجد اختيارًا أو تهاونًا، ونقدر حرص من يحرص على دوام إقامة الشعائر الدينية ومنها الجمعة والجماعات، ولكن أوقات الضرورة والطوارئ لها حكم استثنائي خاص، وحفظ النفوس أولى من حفظ الشعائر من حيث الجملة، خصوصًا في الأمراض والأوبئة المعدية كهذه، بل إن واجب الأفراد أن يساهموا في منع الجماعات؛ لأن ذلك في مصلحة الجميع، ولم تعد المسألة اختيارًا فرديًّا، ولا مسألة عزيمة ورخصة، فالعزيمة في هذا الوقت هي ترك الجمعة والجماعات. نسأل الله السلامة للجميع، والعفو والمغفرة والله أعلم.