هكذا علمني الحجر المنزلي

الخميس 26 مارس 2020 02:20 م بتوقيت القدس المحتلة

في الخامس عشر من الشهر الجاري كنت عائداً من السفر، كان ابني ينتظرني بالمطار واضعاً الكمامة على أنفه، والكفوف بيديه، ومتسلحاً بالمعقّم، كالعادة اقتربت لأعانقه، ابتعد قليلاً مشيراً إليّ بسلام الكورونا الذي تعوّد عليه خلال أيام، مكتفياً بوضع يده على صدره، وباسطاً الأخرى ليقدم لي المعقم حتى أغسل يدي من سفري، بالطبع لم يرق لأب كمثلي المنظر، تأثرت في داخلي، للحظات، كاتماً شعوري الجديد، ولكن سريعاً ما بدأت أستوعب حجم التغيرات التي أحدثها هذا الفيروس غير المرئي في حياتنا العائلية حتى، وأدركت يومها ما قاله لينين من قبل إن حدث في يوم أو يومين قد يشكلان حياتنا لعقود، وبالمقابل فقد شعرت بالفرح والغبطة أن يكون هذا الوعي الصحي لابني مما يجعلني أطمئن عليه وعلى الأسرة أكثر فأكثر، الخطر داهم، والأمر جدّ، فنصيحة وزير الصحة الصيني الذي تفشى من لدنهم الكورونا كانت ثمينة حين قال عليك أن تعتبر نفسك مريضاً بالكورونا وكل من حولك كذلك، وتتعامل على هذا الأساس..

رجعت إلى بيتي في اسطنبول كانت الحكومة التركية قد بدأت بنصيحة الأهالي بالتزام البيوت، وعدم الخروج إلاّ للحاجة، ولعلي محظوظاً بأنه بمقدوري أمارس عملي من البيت، ما دام الإيميل الإلكتروني لا يزال حاضراً، لكن يظل من عملُه يتطلب الخروج من البيت والذهاب لمصنعة أو معمله أو مكتبه يواجه مشكلة حقيقية له، ولمن يتواصل معهم من المجتمع، وهنا أود أن أشاطر قرائي بعض الدروس التي تعلمتها خلال الحجر المنزلي، لعها تكون حافزاً لكتابة آخرين، فكم نحن بحاجة إلى أنسنة كل شيء، ونقل تجاربنا مهما رأها البعض تافهة وسخيفة، فما تشعر به كإنسان لا تظن أنك الوحيد والشاذ في هذا الشعور، فبالتأكيد يشعر به الكثيرون..

بدأت أستشعر أكثر فأكثر واجبات الأم في البيت لاسيما مع بقاء الأطفال فيه، وزاد من الواجبات على الأم فتحها لأكثر من مدرسة عن بعد في البيت الواحد، في ظل إطلاق الحكومة تعليم المدارس عن بعد

الأول: لقد علمني الحجر المنزلي اكتشاف ذاتي من جديد واكتشاف أولادي وعائلتي كذلك، فهدر الوقت والزمن خارج البيت كان طويلاً، بحجة قول الرجال للعائلة، عندي شغل، وهو شغل تبين أنه يمكن أن يقضى في أسوأ الأحوال بربع الزمن المهدور، أو أقل أو أكثر، أمر كان الفضل لكورونا بأن تكتشفه العائلة، ويعرفه الأطفال، ولن ينطلي الأمر بعد اليوم على الزوجة أو الأطفال، وهم يرون الزوج أو الأب قادراً على البقاء في بيته طول هذه الفترة، لكنه وجود قد تكون له سلبيات كبيرة على الزوجة تحديداً، إذ قد يكون مثل المتقاعدين الذين لا شغل لديهم فيشغلون أنفسهم بمملكة المرأة وهو المطبح فيتدخلون في كل شاردة وواردة. لقد غدا البيت وشؤونه ومصاريفه وكل ما يتعلق به عارياً أمام الزوج لأول مرة، بعد أن كان سراً من أسرار الزوجة..

كان الدرس الثاني الأهم وهو تقليص وتوفير مصاريف البيت، بدءاً من مصروف بنزين السيارة، وانتهاءً بعدم اللجوء للكماليات والرفاهية، من مطاعم ومقاهي ونحوهما، فقد بدأ الانسان يستعشر ضرورة الاقتصاد والتدبير، جرياً على المثل القديم خبئ قرشك الأبيض ليومك الأسود، خصوصاً وأن لا أحد يعرف متى يرحل هذا الوباء، ولدينا القصص التاريخية الكثير من لبثه عامين أو أكثر في الزمن الغابر، ويزيد من خطورة تفشيه اليوم عدم وجود دواء له بعدُ، ويبدو أن مصله سيستغرق وقتاً ليس بالقليل..

الثالث: تعلمت شخصياً أن لا أستغرق وقتاً طويلاً على الهاتف، ومواقع التواصل الاجتماعي، وإنما أركز على قراءة الكتب، والتأليف ومشاهد الأفلام، فقد بدأ يعطيني الأيفون إشعاراته بتقلص فترة استخدامه، وهذا مؤشر صحي رائع بالنسبة لي، ما دمت قد لجأت إلى الأنفع، وهو القراءة والتأمل والتفكر وهما الفريضة الغائبة عن البشر في عالم التركيز على الافتراضي والسيبراني، فكما أن العالم ينكفئ من العولمة إلى الوطنية معرفة واقتصاداً وعلاقات، أنكفئ اليوم أنا وأمثالي إلى عائلتي، فهنا وطني وهنا مسؤوليتي "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا" هذا شعار الجميع اليوم، فالتعري قد حصل للبشر كلهم من كل ما يتعلق بالأمن الاجتماعي، والاجتماعات واللقاءات والتجمعات، فالكل معني بنفسه وبأسرته الصغيرة جداً، وهنا عليه أن يكون الطبيب والممرض، وألا يلجأ للمشافي إلاّ في الأوقات الجدية كونه مهدداً بانتقال العدوى في حال خروجه..

الرابع: بدأت أستشعر أكثر فأكثر واجبات الأم في البيت لاسيما مع بقاء الأطفال فيه، وزاد من الواجبات على الأم فتحها لأكثر من مدرسة عن بعد في البيت الواحد، في ظل إطلاق الحكومة تعليم المدارس عن بعد، فتراها قد ثبتت الكومبيوتر لهذه حتى تتابع التعليم مع مدرستها عن بعد، لتركض إلى الغرفة الأخرى مثبتة الكومبيوتر الثاني لطفل ثان يتابع تعليمه، ليغدو المنزل مدرستين حقيقيتين، وربما أكثر بحسب عدد الأفراد، فكل فرد لا بد أن يكون في غرفة مستقلة، كي لا يشوشوا على بعضهم بعضا، وهنا تقوم الأم بدور الموجه والمدير والمعلم بنفس الوقت، وبين الغرفتين يكون أحدهما قد رمى بالكومبيوتر أرضاً، خارجاً من الغرفة وكأنه قد أنهى العلم، والأم المسكينة تضرب كفاً بآخر، لا تريد أن تراها المدرسة منزعجة أو متأففة أو غاضبة، فضلاً أن ترى فوضى بيت قد أحدثها هذا الطفل أو ذاك من خلال كاميرا الهاتف أو الكومبيوتر..

الخامس: الانكفاء على الذات وعلى العائلة والحجر المنزلي لا شك أنه عزز قيم التراحم والتعاطف والتكافل الاجتماعي بين البشر، وعزز معه زرع هذه القيم في الجيل المقبل من أطفالنا، وبالتالي فإن عالم ما بعد كورونا حتى على مستوى العائلة الصغيرة لن يكون هو ذاته، لقد أصبحنا عراة اجتماعياً، إن كان بالعجز عن المشاركة باللقاءات والاجتماعات، أو بالعجز عن خديعة العائلة مستقبلاً باالانشغال خارج البيث إلاّ في حدودها الحقيقية زائداً أو ناقصاً..