هيلاريون كبوجي.. المطران الثائر

الخميس 30 أبريل 2020 12:29 م بتوقيت القدس المحتلة

في اليوم الأول من عام 2017 توفي، في روما، المطران السوري والأسير المحرر هيلاريون كبوجي، عن عمر يناهز 94، قضاها مناصراً للقضية الفلسطينية، اثبت فيها بأنَّ المقاومة عابرة للجنسيات والأديان، وبالعودة إلى البداية، فقد وُلد المطران هيلاريون في مدينة حلب، عام 1922. عاش طفولته يتيماً، ربته والدته مع اخويه انطوان ورزق، بعد وفاة والده مبكراً. وانضم مبكراً للمدارس اللاهوتية، فدرس أولاً في لبنان، ثم انتقل إلى القدس لينضم لمعهد القديسة آن. وكانت إقامته في القدس في هذه الفترة المبكرة من حياته، هي التي شكلت نظرته للقضية الفلسطينية.

استمر بالتدرج في السلك الكهنوتي، إلى أن قامت الفاتيكان بتعيينه بمنصب مطران الروم الكاثوليك في القدس، عام 1965. منذ الأيام الأولى لإقامته الثانية في القدس، حرص على بناء علاقات قوية مع أهالي القدس، وقد دخل إلى كل بيت من بيوتها، وربطته علاقات ودية مع أهلها مسلمين ومسيحيين، وقد بقي حتى نهاية حياته يقول إنه فلسطيني من أصل سوري، وجاءت حرب حزيران عام 1967، لتدخل قوات الاحتلال الإسرائيلي القدس، وتكون نقطة التحول في حياة المطران كبوجي. خصوصاً بعد أن دفن بيديه، بصحبة بعض الرهبان والراهبات، أكثر من 400 شهيد مقدسي، سقطوا نتيجة للغزو الإسرائيلي على القدس. وقد قال في مذكراته، التي نُشرت بعد وفاته، بأنه صلى مع شيخ مسلم على هؤلاء الشهداء.

بعد أن رأى المطران الانتهاكات الإسرائيلية التي يتعرض لها الشعب الفلسطيني، وانتهاكهم الأراضي والمقدسات، لم يستطع أن يبقى على الحياد، وبدأ دوره كرجل وطني معارض للاحتلال الإسرائيلي، فانضم إلى المقاومة الفلسطينية، وأسس أول خلية فدائية في القدس، فكانت عباءته الكهنوتية درعاً لمقاومة الاحتلال، لقد كانت مقاومة المطران هيلاريون كبوجي سلمية وعسكرية، سرية وعلنية، على حد سواء. فقد ساهم في تنظيم العديد من المظاهرات ضد الاحتلال الإسرائيلي، وكل من يدعمه، مما أثار حفيظة السلطات الإسرائيلية.

أما على الجانب العسكري السري، فكانت مهمته نقل السلاح من لبنان، للمقاومة الفلسطينية داخل فلسطين، بواسطة سيارته. معتمداً على حرية حركته كرجل دين، وامتلاكه لجواز سفر دبلوماسي، مُنِح له من الفاتيكان، فلم تكن سيارته تتعرض للتفتيش. فقام بنقل السلاح عدة، ثم كان يخفيه في مدرسة الكنيسة اليونانية الكاثوليكية، في بيت حنينا، إلى أن يتم تسليمه لرجال المقاومة، استمرت هذه العمليات حتى عام 1974، وبناءً على معلومات تجسسية، بدأت السلطات الإسرائيلية بمراقبته، إلى أن تم القبض عليه في الثامن من آب عام 1974، وعند تفتيش سيارته وجد داخلها كمية من الأسلحة والمتفجرات.

تم تحويله للقضاء العسكري، وخلال محاكمته التي استمرت 108 أيام، رفض الاعتراف بالمحاكمة كونها محكمة محتل، لذا فإن محاكمته باطلة، وقد استند محاميه على هذه النقطة في دفاعه، وعلى الرغم من ذلك تم الحكم عليه بإثني عشر عاماً، بتهمة تهريب السلاح والتعاون مع خلايا ارهابية لضرب دولة إسرائيل. تم بعدها نقله لسجن الرملة، ووضع في زنزانة نتنة وتعرض لكافة أساليب الضغط والتعذيب النفسي، كما اخذوا لباسه الكهنوتي، وحُرم من كتاب الصلاة، ومن إقامة القداس. مما دفعه للإضراب عن الطعام عدة مرات في معتقله. وقد ذكر في مذكراته أن حرمانه من إقامة القداس، كان أقسى ما تعرض له من أساليب الضغط والتعذيب. لكن زملائه الأسرى قدموا له الدعم باستمرار، فقد قاموا بخياطة لباس كهنوتي له، كما قاموا بتهريب رسائل كتبها في سجنه، ليتم نشرها في الصحف.

حظيت قضيته بتغطية إعلامية واسعة، وشغلت الرأي العام العالمي، واكتسب التعاطف الشعبي والرسمي. حتى أن كل من السودان ومصر وليبيا والعراق وسوريا، كرموه بإصدار طابع بريدي يحمل صورته، نظراً لتضحياته الأسطورية من أجل القضية الفلسطينية، ولكن حبسه لم يستمر طويلاً، بفضل تدخل الفاتيكان والبابا بولص السادس شخصياً، وبعد مفاوضات طويلة وشاقة، وافقت سلطات الاحتلال على إطلاق سراحه، ولكن بشروط قاسية كان أولها أن يغادر إلى منفى بعيد عن فلسطين، وأن يبقى تحت الإقامة الجبرية في منفاه، وألا يسمح له بالعودة إلى فلسطين أو لبنان أو سوريا، كما اشترطت الفاتيكان عليه بأن لا يتدخل في السياسة أو يتحدث للإعلام.

بعد الموافقة على الشروط السابقة أطلق سراحه، في تشرين ثاني من عام 1977، تحت جنح الظلام بعيداً عن عيون الإعلام أو الفعاليات الشعبية، بعد خروجه من المعتقل، توجه مباشرة إلى روما ومن ثم تنقل بين بعض دول أمريكا اللاتينية، وبعد عام عاد ليستقر في روما، ليقضي بها ما تبقى من حياته، لكن المطران كبوجي لم يلتزم بشروط إطلاق سراحه، فقد زار سوريا ولبنان عشرات المرات. وشارك في أسطول الحرية المتوجه إلى غزة، في عامي 2009 و2010. وتم اعتقاله من قبل السلطات الاسرائيلية في المرتين، لكن تم تسليمه عام 2009 لقوات الأمم المتحدة، على حدود الجولان، وفي عام 2010 تم تسليمه للأردن، كما أنه جاب العالم وشارك في محافل لا تعد ولا تحصى، معرفاً بالقضية الفلسطينية ومدافعاً عنها، وهاجم الاحتلال الإسرائيلي بكل الطرق، وعبر وسائل الإعلام باستمرار. وقد كان وسيطاً بين الفاتيكان ومنظمة التحرير الفلسطينية.

في 1/1/2017 توفي أحد أهم دعاة القضية الفلسطينية في العالم، ودُفِن المطران هيلاريون كبوجي بجانب والدته في لبنان، تنفيذاً لوصيته، وشارك في تشييع جنازته العشرات من السياسيين ورجال الدين العرب والأجانب. يجدر الذكر بأنه يعرض في شهر رمضان الحالي، مسلسل تلفزيوني يروي قصة حياة المطران كبوجي، يحمل اسم "حارس القدس"، ويقوم بدور المطران الفنان رشيد عساف، سيتذكر الكثيرون المطران هيلاريون كبوجي كمناصر لقضية عادلة، دعمها من خلال إنسانيته أولاً، ووظيفته كرجل دين ثانياً. فقد اعتاد القول دائماً بأن "المسيح هو فدائي فلسطين الأول"، وهو سار على درب المسيح في تحدي لصوص الهيكل، ليؤكد خلال مسيرته النضالية بأن الحرب مع إسرائيل هي حرب وجود وليس حرب حدود.