باستثناء الفلسطينيين والخدم!

الثلاثاء 12 مايو 2020 04:27 م بتوقيت القدس المحتلة

باستثناء الفلسطينيين والخدم!

بقلم الكاتب الفلسطيني: محمد أمين

دولة في الشرق الأوسط ما زالت تواصل ممارسة العنصرية حتى في زمن الوباء، ولعل صيغة ما قيل إنه توجيه رسمي يستوحي كلماته من أبشع تجليات الممارسات العنصرية في أمريكا ضد ذوي البشرة السوداء حتى الخمسينات والستينات، وكذلك من أدبيات نظام الفصل العنصري البائد في جنوب أفريقيا. الأبشع من العنصرية، من يطالب الضحية بالصمت وتقبل تلك الممارسة تحت بند "اخمدوا الفتنة"، يضاف إليه "القومجيين" الذين برروا لعقود ممارسات بعض الحكومات العربية ضد الفلسطينيين، بحجة أن تلك الممارسات التمييزية تستهدف الحفاظ على حق العودة، ومنع توطين الفلسطينيين.

الفلسطينيون الذين عانوا الويلات في المخيمات اللبنانية، يريد هؤلاء أن يقنعوهم أن ذلك كان من أجل الحفاظ على حق العودة؟!، فهل امتهان كرامة الفلسطيني في الدول العربية وجعله يعيش في ظروف غير إنسانية، وبالغة السوء محروما من أبسط حقوقه يسهم في الحفاظ على حق العودة؟ أم هي عنصرية وفاشية وحشر للفلسطيني في الزاوية حتى يقبل بالتنازل عن حقه في العودة؟

في الثالث من مايو منع الفلسطيني طارق أبو طه المولود في لبنان والذي يحمل وثيقة سفر لبنانية، من صعود الطائرة العائدة إلى "بلد إقامته" لبنان، والتي يحمل وثيقتها في تصرف عصي على التصديق في القرن الذي نعيش، ويطرح تساؤلات عن أسباب هذا الحقد العنصري لدى بعض صناع القرار العرب ولا أقول الشعوب العربية، تجاه اللاجئ الفلسطيني، بين دولة ترحله، وأخرى تمنع عودته، وثالثه تشن حملة تشويه ضد قضيته، في مخطط يراد منه وضع الفلسطيني بين جملة خيارات: الأول الموت قهرا محروما من حقوقه الإنسانية متحسرا على الحال الذي أنتهى له أطفاله عاجزا عن اعانتهم دون عمل ولا تعليم ولا أمل، أو ركوب قوارب الموت بحثا عن وطن أوروبي، أو أخيرا -ولعه المطلوب حاليا- التسليم والتنازل والموافقة على "صفقة القرن" التي تريد دول عربية شقيقه منه أن يبصم عليها ويسلم أرضه لدولة إسرائيل الحبيبة.

المراقب وفي سياق تحليله لطبيعة المقاربة التي تبناها لبنان وبعض الدول العربية تجاه ملف اللاجئين الفلسطينيين، فإنه لا يمكن إلا أن ينتهي إلى توصيف تلك الإجراءات وسلسلة القرارات والضغوطات العربية على اللاجئ الفلسطيني بأنها مؤامرة متكاملة الأركان

وعودة للسؤال الذي طرحناه أعلاه هل هذه التصرفات للحفاظ على حق العودة أم إسهاما منظما في تصفيته، وتسهيل مهمة الصهاينة في ترويج روايتهم القديمة الجديدة " أرض بلا شعب لشعب بلا أرض". منذ الوجود الفلسطيني دأبت الدولة اللبنانية على إصدار قوانين وقرارات من شأنها حرمان اللاجئ الفلسطيني من حقوقه المدنية والاجتماعية والاقتصادية، وبعد خروج منظمة التحرير الفلسطينية من لبنان 1982 أصدرت وزارة العمل اللبنانية القرار 189 بتاريخ 1982 والذي قضى بمنع الفلسطينيين من ممارسة أكثر من 60 مهنة بالإضافة إلى مجموعة من القرارات الإدارية التي صدرت عن وزارة العمل، ومند ذلك التاريخ وقبله يعيش الفلسطينيون في مخيمات بائسة، معزولين ومهمشين، وسط تحريض مستمر من سياسيين ارتدوا بدلات عقب تحولهم من زعماء عصابات وميليشيات قتل في الحرب الأهلية، إلى قيادات سياسية.

وحيث أننا لا نتبنى نظرية المؤامرة، إلا أن المراقب وفي سياق تحليله لطبيعة المقاربة التي تبناها لبنان وبعض الدول العربية تجاه ملف اللاجئين الفلسطينيين، فإنه لا يمكن إلا أن ينتهي إلى توصيف تلك الإجراءات وسلسلة القرارات والضغوطات العربية على اللاجئ الفلسطيني بأنها مؤامرة متكاملة الأركان، بدأت مبكرا عبر إكراه الفلسطيني على مغادرة أرضه بانتظار الجيش العربي الجرار، ثم خذلان المقاتلين العرب الذي استشهدوا وهم يصدون العصابات الصهيونية ومنع السلاح عنهم، وصولا لاستصدار قرارات في الجامعة العربية تشرعن لأبشع أنواع الانتهاكات ضد الفلسطينيين وحرمانهم من الحقوق الأساسية الإنسانية تحت شعار "الحفاظ على حق العودة"، وليس انتهاء بالحملة المنظمة التي تشنها دول خليجية لتشويه وتزوير تاريخ الفلسطينيين وطردهم، وتخوينهم. إذا لم تكن كل تلك الإجراءات مؤامرة فما هو إذا تعريف المؤامرة؟

سأختم بتصريح بالغ الأهمية للسفير الأمريكي لدى إسرائيل، ديفيد فريدمان، حيث قال بتاريخ 8 مايو- 2020 لصحيفة "يسرائيل هيوم" اليمينية: "قيام دولة فلسطينية يتم عندما يتحول الفلسطينيون إلى كنديين.. وعندما يتحولون إلى كنديين، فإن جميع المشاكل ستختفي". هل كان كل ذلك التضييق الممنهج والقهر العربي للفلسطينيين لدفعهم للهجرة بعيدا عن إسرائيل، لتقيم دولتها " اليهودية" العنصرية دون أن يعكر أولئك "اللاجئون المشاغبون غير الأوفياء" صفو مزاج "الإسرائيليين الطيبين"؟