النكبة جريمة بحق الانسان والتاريخ والجغرافيا

الثلاثاء 19 مايو 2020 03:46 م بتوقيت القدس المحتلة

وتمر بنا ذكرى النكبة كما كل عام ثقيلة كئيبة، نتذكر مآسيها ونعيش ذكرياتها بكل ألم التهجير القسري والبعد الطويل والشوق المضني للوطن، ومن ثم تمضي وكأنها في كل عام تزيد رصيدها هماً ثقيلاً في صدورنا، لتبقى في نفوسنا حسرة مرة تتحول من ألم إلى غضب عارم يشتعل في كياننا كله وينعكس غلاً ونقمة على كل من شارك أو خطط أو تواطأ في ارتكاب تلك الجريمة التاريخية.

لقد كانت النكبة جريمة بلغت في بشاعتها وقسوتها ما لم تبلغه جريمة، وذلك أنها جريمة تعدت في أثارها الإنسان لتشمل البيئة التاريخ والجغرافيا.

لقد أمعن الصهاينة في ارتكاب جرائهم بحق الإنسان من قتل وتشريد وسجن وحرق، وطرد مئات آلاف المواطنين من ديارهم بقوة السلاح، ثم عمدوا إلى ديار من شردوا فدمروا ما يربوا على أربعمائة قرية ودرسوا أثارها فأحالوها إلى أثرٍ بعد عين، ثم سطو على محاصيلهم التي كانت قد استوت على سوقها فنهبوها، ولم يكتفوا بذلك بل بلغت بهم الوقاحة أن استولوا على أراضيهم بدعوى أنها أملاك غائبين بعد أن غيبوهم بقوة السلاح ومنعوهم من العودة، وكم من فلسطيني قتل على أعتاب قريته محاولاً العودة إلى بيته ليجلب بعض مقتنياته.

ولتكتمل جريمة السلب سلموا هذه الممتلكات لغرباء قادمون من وراء البحار بدعوي باطلة زيفتها أساطير خرافية ، ثم تطاولوا على جغرافيا المنطقة فرسموا حدودا لكيان مصطنع وأسموه دولة ليقبله العالم في غمرة من الهمجية التي سادته فنزعت عنه إنسانيته ليشيح بوجهه عن ظلم يمارس أمام ناظريه فيسكت عنه متواطئا ليسجل التاريخ للعالم الذي يسمي نفسه حرا هذه الندبة السوداء في تاريخ البشرية التي ما زالت شاهدة على هذا التواطؤ، ولم يكتفوا بتزييف الخارطة بل سطوا على أسماء المدن والجبال والقرى والسهول واستبدلوها بأسماء غريبة عن الأرض ليجبروها على ان تكتسي بلباس غريب عن أصالتها وعراقتها وثقافتها فما ثلبت ان تشقه بين الحين والأخر لتظهر ثوبها الأصيل الكامن تحت ذلك اللباس الغريب، ولكن إذا زيف الحاضر فالتاريخ شاهد أزلي له مع الأرض حكايات وحكايات فهي مهبط الحضارات وأرض الرسلات وفيها صنعت أحداث خالدة في التاريخ، وفي محاولة منهم لصنع تاريخ مزيف على أرض فلسطين، ادعوا ان لهم هيكل كان في غابر الازمان، فنقبوا الأرض وآذوها بحثاً عن أثر ما عله يثبت ادعاءهم، فردت أيدهم صفرا وما زالت الأرض تكذبهم كلما نبشوها ليبحثوا على تاريخهم المزعوم، ومازالت صخور الأرض تلعنهم كلما حطموها ليبحثوا عن حجارة كانت في يوم معبد لهم كما يزعمون، وكما عم أذاهم الإنسان والتاريخ والجغرافيا امتد أذاهم إلى البيئة فعاثت أيديهم فساداً فيها فجففوا بحيرة الحولة وحولوا مسار نهر الأردن فتقلص البحر الميت الذي كان منذ آلاف السنين شاهد على حضارات أصحاب تلك البقعة الطيبة من الأرض وكأنهم يسعون إلى طمس كل شاهد على تاريخ فلسطين الذي حفظته معالم الأرض وتضاريسها.

ولكن رغم كل محاولتهم البائسة والفاشلة حفظت الأرض العهد ونبذت الغرباء وتشبث التاريخ بصانعيه، ومازال الفلسطيني يلبي نداء الأرض كلما نادت فيرويها بدمه تارة وبعرقه تارة وبحبه دائماً ويسلم عهده ووصيته لبنيه من بعده.

أن يا بنى احفظوا عهدي وعهد آبائي وأجادي من بعدي... ولا زالت هذه العهدة المباركة تنتقل من جيل إلى جيل حتى يأتي أمر بك.