سلمان العودة.. في الليلة الظلماء يُفتقد البدر

الثلاثاء 19 مايو 2020 04:10 م بتوقيت القدس المحتلة

سلمان العودة.. في الليلة الظلماء يُفتقد البدر

بقلم المدونة اليمنية: أرياف التميمي

تعوّدت لسنتان أو ثلاث سنوات مضت قبل هذه السنوات الأخيرة أن أربط بين خير رمضان وبركته وجماله وبين الدكتور سلمان العودة، لما يكرمنا به هذا الدكتور الفضيل خلال شهر رمضان من برنامج تلفزيوني قيّم ومفيد بأسلوب يشدّنا نحن معشر الشباب ويغيرنا بإذن الله إلى الأفضل، وما يتفضّل به أيضاً علينا من وقت يتفاعل فيه معنا من خلال صفحته على الفيس بوك. لذلك لم تكتمل هذه الرمضانات الأخيرة أبداً فشيءٌ فيها مفقود طالما أننا لم نستمع ولم نشاهد الدكتور سلمان العودة فكّ الله أسره، وأعاده إلى أهله وأبناءه وإلى الأمة الإسلامية جمعاء.

لم يكن برنامجاه الرمضانيان (ميلاد، ولك حق) مجرّد برنامجان ككل البرامج الرمضانية، بل كانا سلّم يصعد بمتابعه خطوة خطوة للأعلى، كل خطوة تتمثل في حلقة، خطوات للرقي بالذات، وفهمها وفهم ما حولها بشكل أفضل، ليبدأ رمضان والمتابع شخص ويخرج شخصاً آخر، فكما قال عنه جمال خاشقجي -رحمه الله -: (هذا الشيخ الجميل المبدع الذي يأخذ الشباب ويحملهم إلى العالم).

وحتى في بقية أيام السنة لا يتوقّف عن نشر الخير قط بأشكال متعددة، فلحلقاته القصيرة على اليوتيوب أيضاً تأثير بالرغم من اختصارها في عدة دقائق، كان لصوته شجن يدفعك إلى الإنصات إلى كل ما يقوله، وكم حمدت الله على وجود أشخاص ينشرون الخير بطريقته؛ لم يكن يتحدّث بعلو أو تملّق بل كان كلامه يحمل في نبراته شخص يحاول صنع التغيير من الداخل، شخص يهمه أن يحببك في الدين وتعاليمه وفعل الخير بمختلف أشكاله، شخص يخبرك أنّك لست أقل منه لكي ينصحك، بل يحدثك كأنك في مستواه، وقد تعجّبت في أحد الأيام حين تم تصوير أبناءه في برنامج (لك حق)، ليتحدثوا عنه، فطلب منهم أن يتحدثوا عنه بصدق، وأن يخبروا بكل شيء! فانتقده أحدهم، فلم يطلب من معدّي البرنامج حذف تلك اللقطة بل طلب أن تُعرض مثل ماهي، فلم يكن ليدعي المثالية، ولا ليدعو إليها، بل كان يدعو إلى العفوية والتواضع.

كم هو مؤسف أن يأتي رمضان وهو لازال في السجن ومؤسف أكثر سبب سجنه وأن يُعامل شخص كالدكتور سلمان العودة معاملة سيئة، فشخص مثله يستحق أن يعامل أحسن معاملة ويُكرم أفضل تكريم لا أن يُزج في السجن، فيحرم من أغلى ما يملكه الإنسان (الحرية)، ويُحرم شباب الأمة من الخير الذي ينشره. مخزي لكِ يا أمتنا الإسلامية أن يُسجن علماءك ودعاتك الأخيار ويتعرضوا للتعذيب!

له أيضاً الكثير من المقالات الهادفة التي تصب في نفس الهدف الذي يعمل عليه، ألا وهو (التغيير)، وقد حدث بالفعل! بعضها بقيت عناوينها وفكرتها خالدة في عقلي وسلوكي مثل مقالة (لعنة الدنيا)، التي أعطتني بُعد تفكير أسس في عقلي وقلبي حب السعادة والأمل تأسيس عميق، له مقالة أخرى أيضاً من النوع الخالد تحمل عنوان (أخرجوني من جلباب أبي!) والكثير الكثير من المقالات.

ولن أنسى كتبه أيضاً، مثل كتاب (طفولة قلب) الذي يحمل سيرته؛ سيرة الإنسان العظيم المتواضع، يأخذنا في جولة خلال مراحل حياته من الطفولة إلى الكهولة مروراً بمعظم محطات حياته بما فيه سنوات سجنه السابقة، وكتاب أسئلة الثورة الذي تم منعه في المملكة العربية السعودية فقام الدكتور حفظه الله بنشره مجاناً عبر شبكة الانترنت، بالإضافة إلى كتاب شكراً أيها الأعداء، وبناتي، وغيرها عشرات الكتب.

جزى الله خير الجزاء الدكتور سلمان العودة على كل ما قدمه لنا نحن معشر الشباب، وإن كنا نقف ضعفاء مكتوفي الأيدي لا نستطيع فعل شيئاً لأجله، إلا أننا سندعو له دائماً جهاراً وبظهر الغيب في هذه الليالي المباركة وفي كل الأيام أن يفك الله أسره، وأن يكون بصحة وعافية، وأن ينصره الله، ويثبّت أجره، ويثقّل موازينه. وإن مُنع من كتابة وتقديم كل ما فيه الخير فأجره وحسناته لازالت تُكتب بإذن الله لكل الخير الذي كان سيقدمه لو أنّه لازال حر، وسيكون بإذن الله؛ نحن ننتظره ونوقن بأنّ الله سينصره ونعلم بأنّها (لن تنتهي الحكاية.. غداً تطير العصافير).