ماذا يعني تجدد ذكرى احتلال فلسطين؟

الإثنين 08 يونيو 2020 04:07 م بتوقيت القدس المحتلة

بداية، يبدو مهمًّا التذكير دائمًا بأن إطلاق مصطلح (النكسة) على حدث احتلال القدس وبقية فلسطين كان يرمي للتقليل من فداحة الهزيمة المدوية للجيوش العربية في حرب 1967م، وخصوصًا الجيش المصري، الذي كان نظامه قد أشبع الدنيا شعارات جوفاء عن فلسطين ومقاومة الاستعمار ومحاربة الإمبريالية، ثم كانت الهزيمة صفعة مدوية يفترض أنها عرّت أكاذيبه التي خدّرت الناس وأوهمتها باقتراب النصر، في حين كان النظام يمكن لنفسه عبر استبداده وجبنه وإيثاره الانسحاب للحفاظ على نفسه، وهو ما أفرز لاحقًا ذلك الحكم العسكري المتواصل الذي عانت ويلاته البلاد العربية، وانعكس سلبًا على واقع ومستقبل القضية الفلسطينية.

وبعد مرور كل هذه العقود على الهزيمة، قلّ أن نجد من يسأل: لماذا ظلت فلسطين محتلة كل هذا الوقت؟، وما الذي أخر تحريرها؟، وماذا يعني بقاءها محتلة؟، بل لا تزال تلك العبارة الشائعة المستهلكة تتوج التقارير الإخبارية والصحفية الخاصة بإحياء الذكرى كل عام، العبارة التي فحواها أن الذكرى تعود في حين القضية الفلسطينية تمرّ بأخطر مراحلها أو أكثرها تعقيدًا... إلخ.

ولستُ أدري متى لم تكن قضية فلسطين في أخطر مراحلها، وهل هناك أخطر من حدث الاحتلال ذاته، ومن ضياع القدس، ومن مصيبة شعوبنا في أنظمتها المجرمة، الجبانة أو المتآمرة على حاضرها ومستقبلها؟!، هل ثمة ما هو أخطر من تبخّر الآمال بقرب التحرير، ومن انهيار رهانات كثيرة، وانكسار آمال عديدة على مدى تلك العقود؟!

إن كان لنا اليوم أن نتحدث عن خطر حقيقي، فليس ذاك المتعلق بإجراءات الاحتلال المتوقعة، فالأرض كلها محتلة، ومنذ أن رزأتنا مصيبة وهم الدولة تحت الاحتلال فقدت كثير من الأشياء ومن متعلقات التحرير معناها، حتى صارت عبارة كبيرة مثل (إنهاء الاحتلال) تطرح في سياقات معاكسة تمامًا لجوهرها، وقد يرددها ببساطة من ساهم في التمكين للاحتلال ومدّه بعوامل الدوام، ووفر له ظروفًا مريحة أتاحت له دائمًا استثمار الوقت لمزيد من الإجراءات التهويدية والاستيطانية.

الخطر الحقيقي الذي يمكن أن تواجهه أي قضية هو أن تختل معادلة الأولويات لدى القائمين عليها، وحين اختلت أولوية التحرير فيما يخصّ فلسطين غزت الميوعة كثيرًا من تفاصيلها، وصار هناك مجال لإنجازات وهمية واستعراضات فارغة، وشعارات تفوق بكثير حجم الفعل المبذول لأجل تلك القضية.

كانت فلسطين بخير حين كانت جذوة المقاومة مشتعلة، وحين كانت القاسم المشترك في كل مراحلها، وحين كانت تتمدد داخل الأرض المحتلة، دون أن تعاكسها برامج (فلسطينية) تصنفها إرهابًا وعنفًا لا يخدم القضية!

كانت فلسطين بخير عندما كان أهلها على فطرتهم الأولى في تعريف الاحتلال وفهم شكل العلاقة معه، وكيف ينبغي أن تكون، وحين كانوا متحللين من مشاريع التسوية واستحقاقاتها وما ترتب عليها، وحين كان الإثخان في العدو ميدان التنافس الوحيد بين المكونات الفصائلية الفلسطينية.

لا يعني هذا أن المشهد اليوم مستغرق في السواد، لكنه لا شك ليس على الحالة التي كان عليها قبل لعنة أوسلو مثلًا، وقبل أن تتبدد جهود الفلسطينيين في مسارات عبثية، وقبل استنفاد جهدهم ووعيهم في معارضة طارئ ما كان ينبغي أن يكون، وقبل الوصول إلى هذه المرحلة من تكبيل الإرادة وغياب دافعية الفعل في ساحات المواجهة الأهمّ.

كان طبيعيًّا أن يمرّ كل هذا الوقت دونما تحرير، وقد تمرّ سنوات أخرى يهدرها الجمود والمراوحة في المكان، ما لم يكن هناك توجه جديّ وخلاق ونوعي، يعيد تعريف الأشياء، وتحديد الأدوار والأولويات، بكثير من الفعل وقليل من الكلام.