سيادة القانون ماذا تعني لنا

الثلاثاء 16 يونيو 2020 12:48 م بتوقيت القدس المحتلة

سيادة القانون ماذا تعني لنا

بقلم المستشار/ أسامة سعد

في لقاء الصحفي الشهير لقناة الجزيرة أحمد منصور مع السيد/ مهاتير محمد مؤسس نهضة ماليزيا الحديثة سأل أحمد منصور مهاتير محمد السؤال التالي:

أهم سبب لنهضة ماليزيا الحديثة هل هو التعليم أم الصناعات الثقيلة أم الاقتصاد؟ فكان الجواب الواثق من السيد مهاتير محمد أن سيادة القانون هي أساس نهضة ماليزيا الحديثة.

ربما يتساءل سائل وما علاقة سيادة القانون بالنهضة الاقتصادية؟

والجواب أن سيادة القانون هي أساس أي حضارة إنسانية ممكن أن تحدث على وجه الأرض.

لقد قصد مهاتير محمد بسيادة القانون القضاء على النعرات العرقية والإثنية التي كانت تتحكم في ماليزيا وكانت عنواناً للفساد، وأشعر المواطن الماليزي بأنه صاحب حق في وطنه مثله مثل أي مواطن آخر من أي عرفية أخرى، وأنه صاحب صوت مؤثر، وأنه متساو في الحقوق والواجبات بالمواطن الأخر، ولا فضل لمواطن على مواطن أخر إلا بما يقدم للوطن من تضحيات وعمل وواجب، لقد أدركت الحكومة الماليزية مدى خطورة وجود الفساد في الدولة، والذي يُمثّل مصدراً للظلم في العديد من الدول الذي يشعر به الناس في حياتهم اليوميّة؛ لذلك سعت ماليزيا بشكل جدّي للقضاء على كل أشكال الفساد، ذلك من خلال إطلاق العديد من الإجراءات الفعّالة، مثل إنشاء المركز الوطني لنزاهة الحوكمة ومكافحة الفساد، وتعزيز قدرات الرقابة، وإزالة تضارب المصالح، ولذلك اتجه الجميع للعمل من أجل الوطن، ولم يضيعوا وقتهم في المناكفات القائمة على العرقية المقيتة، والتي لا يمكن إذا ما بدأت أن تنتهي، وواهم من يظن أن الوطن ممكن أن يصفو لفريق دون فريق، وواهم من يظن أن الوطن ممكن أن يتقدم بقهر مجموعة من المواطنين لمجموعة أخرى، بدعوى ان المجموعة الأولى هي الأحرص وهي الأعلم بمصالح الوطن العليا.

لذلك قضى مهاتير محمد على أسباب التفرقة الداخلية ووحد الجميع تحت راية الوطن وبذلك بدأ استخلص من كل المواطنين أجمل ما فيهم وقدمه للوطن، وأصبح المواطن يقدم كل ما لديه من أجل وطنه الذي شعر أنه بعيش فيه بأمان، وانه مستقبل أولاده من بعده، وأنه كلما أعطى الوطن أعطاه، وكلما ضحى من أجل الوطن وجد مقابل تضحيته احترام وتقدير، لذلك وجد أحد الباحثين أن الفضل في هذه النهضة يعود إلى اهتمام السلطة بالمواطن قبل كل شيء، حيث أدى هذه الاهتمام إلى تبادل مشاعر الاحترام مع السلطة، إذ غالبا ما تقوم الحكومة بإشراك المواطنين في النقاش حول القضايا الاقتصادية عبر المجالس التي خصصت لذلك، ولهذا فإن المواطن الماليزي يشعر دائما بأنه هو المستهدف من عملية التنمية، وأن نهضة بلاده تقوم عليه كفرد قبل كل شيء، فعندما سأل أحد الاقتصاديين العرب عاملا ماليزيا بسيطا عن سر المعجزة التي حققتها بلاده، أجاب ببساطة: "لقد طُلب منا العمل لثمان ساعات في اليوم، فعملنا ساعتين إضافيتين كل يوم حبا للوطن"، ولا ننسى أن هذه الساعات الإضافية كانت تطوعية، وما كان هؤلاء العمال ليقدِموا على اقتطاعها من أوقات راحتهم إلا لإيمانهم بأنها ستأتي بالخير على مستقبلهم ومستقبل أبنائهم. وهذه هي الوصفة السحرية لتطور ورقى أية أمة .

إن سيادة القانون تعنى القضاء على أخبث وسيلة لتخلف الشعوب وتدميرها ذاتياً، إنها التميز بين المواطنين لأي سبب كان، سواء كان هذا التميز سياسياً من خلال ادعاء حزب أو جماعة أنها الأحرص والأقدر على صون مصالح الوطن، أو ادعاء عرقية أو إنثية أو مذهب أنه صاحب الحق الحصري بمعرفة مسالك ودروب الحفاظ على مصالح الوطن، لتبدأ بعد ذلك عجلة التنافر والفرقة بالدوران، والتي ستؤدي بدورها للجهل والتخلف والتراجع بكل أشكاله، سواء كان اقتصادياً أو علمياً أو اجتماعياً، ولن تتوقف حتى تترك بقايا وطن مهشم تتقاذفه مصالح الدول، التي ستجد من يفتح لها الطريق للتدخل فيه ظاناً أنها ستكون له سنداً وعوناً ضد الخصوم من أبناء شعبه، وما درى أن الذئب إذا دخل إلى الخطيرة فلن يتورع عن الفتك بكل ما فيها.

إن الأوطان لا يصونها إلا أبناؤها، الذين عليهم أن يفهموا أن الوطن للجميع ليس لفريق دون فريق، وعليهم أن يفهموا أن أنهم جميعاً لهم الحق فيه دون تمييز، ولا يظنن أحد أنه يمتلك مالا يمتلكه الآخرون، ولا يفتن أحد بتضحياته أو علمه أو خبرته، فإنك وما تملك من خبرة وتضحية وعمل للوطن، وليس لك فضل إلا بما تقدمه، ولك بالمقابل حق الاحترام وليس لك حق الاحتكار، وليس لأحد أن يتصرف بمنطق الراعي الأبوي للمسيرة، فكل ما عليك هو أن تقدم ما تقدر عليه وتمضى، ليأتي بعدك من يقدم ما لديه، وليس لك أن تستحوذ على المنصب أو النفوذ او الصلاحيات، فهي ملك للمواطنين كافة تتسلمها لفترة من الزمن ثم تسلمها، ولا تدعى أنك تخاف ألا يرعاها حق رعايتها من يأتي بعدك، بل اتركها فقط واذهب في سبيلك، وسنجد ألف ألف قائد يأتي من بعدك ليقود ويدير ثم يمضون أيضاً، فلم يبدأ التاريخ من عندك أو من عند غيرك، فأنت ليس إلا حلقة في سلسلة لا متناهية بدأت يوم خلق الله الأرض ومن عليها، وستنتهي بقدر الله وإرادته، فأعرف مقامك وقف عند حدود بشريتك ولا تتطاول على سن الكون ونواميسه، فما تطاول عليها أحد إلا وجر على شعبه ووطنه الويلات والدمار.

المصدر : وكالة شهاب الإخبارية - فلسطين