خطة الضم: النكبة التي ولدت من رحم نكبة أكبر

الإثنين 29 يونيو 2020 03:33 م بتوقيت القدس المحتلة

ليست النكبة الأكبر التي أقصدها في عنوان هذا المقال هي نكبة عام 1948 عندما اغتصب الصهاينة فلسطين وأقاموا دولة لهم على ثلثي أراضيها، ولا هي نكبة عام 1967 عندما تمكن الصهاينة من ابتلاع الثلث الأخير من فلسطين (الضفة الغربية وقطاع غزة) إضافة إلى شبه جزيرة سيناء ومرتفعات الجولان.

بل أقصد بالنكبة الأكبر تلك الصفقة التي أبرمت في أوسلو، عاصمة النرويج، بعد مفاوضات سرية جرت بين منظمة التحرير الفلسطينية والكيان الصهيوني. لقد كان التوقيع على اتفاقيات أوسلو، كما باتت تعرف، في حديقة البيت الأبيض في شهر سبتمبر من عام 1993 أعظم هدية تُقدم للصهاينة، وأكبر نجاح يحققونه، منذ إقامة كيانهم في فلسطين قبل ذلك بخمسة وأربعين عاما.

لماذا أقول ذلك؟

كانت صفقة أوسلو بمثابة أول اعتراف فلسطيني رسمي بشرعية الدولة اليهودية.

وأعتبر ذلك اعترافاً رسمياً لأن منظمة التحرير الفلسطينية، والتي من المفروض أنها تأسست لتقود النضال من أجل تحرير فلسطين، وكان ذلك قبل أن تتحول الضفة الغربية وقطاع غزة إلى مناطق محتلة، كانت قد حصلت على صك اعتراف من قبل الدول الأعضاء في الجامعة العربية يعتبرها الممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني. اتخذت تلك الخطوة الكارثية في مؤتمر قمة الرباط الذي استضافه المغرب في أواخر شهر نوفمبر/ تشرين الثاني من عام 1974.

وكانت النتيجة المباشرة لذلك القرار هي تحول ما كان يُطلق عليه "الصراع العربي الإسرائيلي" إلى "صراع فلسطيني إسرائيلي"، ويعني ذلك عملياً تسليم مفاتيح القضية الفلسطينية لزعيم منظمة التحرير ياسر عرفات ورفاقه داخل حركة فتح التي غدت منذ 1968 المهيمنة على المنظمة والمتصرفة بشؤونها، كما يعني ذلك إعفاء العرب من أي مسؤولية عن مصير فلسطين ومصير شعبها.

وكانت قمة الرباط تلك قد عقدت بعد شهور قليلة فقط من صدور قرار لا يقل كارثية عن قرار القمة، حين أعلن المجلس الوطني الفلسطيني، وهو البرلمان غير المنتخب لمنظمة التحرير، إقراره لما عرف ببرنامج النقاط العشر الذي اقترحته الجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين، بقيادة نايف حواتمة، ويدعو إلى إنشاء سلطة وطنية على أي قطعة أرض محررة من أرض فلسطين. وبذلك يكون إقرار ذلك البرنامج قد خط نهجاً جديداً للمنظمة باتجاه تسوية سلمية تتمخض في نهاية المطاف عن الاعتراف بحق إسرائيل في الوجود مقابل إقامة دولة فلسطينية مجاورة لها.

منذ ذلك الحين، تحوم شكوك حول الدور المشبوه الذي كانت تمارسه الجبهة الديمقراطية باستمرار، وهناك من يرى أن هذا الدور لم يكن بمعزل عن توجيه من قبل ياسر عرفات نفسه. ولا أدل على ذلك من أن ياسر عرفات كان يبحث عن تسوية سلمية مع الإسرائيليين منذ وقت مبكر، وسابق على إقرار المجلس الوطني للنقاط العشر.

وذكر كاي بيرد في صفحة 147 من كتابه The Good Spy، الذي يحكي فيه قصة مسؤول المخابرات الأمريكي روبرت إيمز – الذي قضى نحبه في انفجار السفارة الأمريكية ببيروت في نيسان/ أبريل من عام 1983، أن ياسر عرفات كان قد أرسل إلى الإدارة الأمريكية عبر روبرت إيمز في منتصف عام 1973 تقريباً يقول لهم إنه ومن معه في القيادة الفلسطينية توصلوا إلى قناعة بأن إسرائيل وجدت لتبقى وأن زوالها غير وارد، وعليه فإن الدولة الفلسطينية ينبغي أن تقوم في الأردن، وطلب من الأمريكان مساعدته في الإطاحة بالنظام الهاشمي في الأردن مقابل إقرار الفلسطينيين بحق إسرائيل في الوجود في فلسطين.

إلا أن إسرائيل وحليفها الغربي الرئيس، الولايات المتحدة الأمريكية، لم يبديا أي اهتمام بالتعامل مع منظمة التحرير رغم حرص هذه الأخيرة واستعداد قيادتها لتقديم التنازلات، إلى أن اندلعت الانتفاضة الفلسطينية في ديسمبر من عام 1987.

في تلك الأثناء بدت شرعية منظمة التحرير مهددة بشكل غير مسبوق، ليس فقط نتيجة لولادة حركة المقاومة الإسلامية (حماس) من رحم الانتفاضة الشعبية والتي بدت كما لو كانت بديلاً طالما انتظره الفلسطينيون، بل وكذلك بسبب تنامي الإحساس لدى عموم الفلسطينيين في الداخل وفي الشتات بأن منظمة التحرير لم تعد تنطق باسمهم ولا تعبر عن تطلعاتهم ولا تناضل في سبيل تحقيق حلمهم بالتحرير والعودة. حينها فقط قرر الأمريكان والإسرائيليون فتح قنوات للتفاهم مع قيادة المنظمة.

كان واضحاً منذ البداية أن الإسرائيليين، وعلى النقيض من محاوريهم الفلسطينيين، كانوا يعرفون بالضبط ماذا يريدون. لقد كانوا بحاجة ماسة إلى شريك فلسطيني يساعدهم ليس فقط في إطفاء جذوة الانتفاضة وإخمادها، وإنما أيضاً في فتح الأبواب على مصاريعها لهم ليلجوا إلى المنطقة، بل وإلى العالم بأسره، سعياً للحصول على الشرعية لكيانهم. بمعنى آخر، ما فعلته اتفاقيات أوسلو من حيث الأساس هو أنها حولت منظمة التحرير الفلسطينية إلى جهاز فلسطيني متعاون مع الاحتلال يُسمى "السلطة الفلسطينية".

 بإبرامها لاتفاقيات أوسلو اعترفت منظمة التحرير الفلسطينية بحق إسرائيل في الوجود في فلسطين. ولم يكن ذلك مقابل أن تعترف إسرائيل بنكبة الفلسطينيين وبطردهم وتشريدهم وسلب وطنهم، ولا مقابل الاعتراف بحق الفلسطينيين بالعودة إلى ديارهم أو مقابل الإقرار بالجرائم التي ارتكبت ضدهم على مدى عقود. لقد كان ذلك بكل بساطة فقط مقابل أن تعترف إسرائيل بأن منظمة التحرير هي الممثل الشرعي والوحيد للفلسطينيين. وبذلك، تتهيأ المنظمة، بقيادتها غير المنتخبة وغير الخاضعة لأي مساءلة أو محاسبة، لأن تفعل بالقضية الفلسطينية ما تراه مناسباً.

تم حينها تصوير هذه الصفقة الكارثية كما لو كانت انتصاراً عظيماً، وتوهم كثير من الفلسطينيين في البداية على الأقل بأنها سوف تثمر في نهاية المطاف قيام دولة فلسطينية تمهد الطريق بدورها لعودتهم إلى وطنهم.

وما من شك في أن المجتمع الدولي شارك في عملية الخداع تلك، إذا اعتبر ما يجري على الأرض عملية تقود إلى ما بات يعرف باسم "حل الدولتين". ولكن، أسبوعاً إثر أسبوع، وشهراً إثر شهر، وعاماً إثر عام منذ 1993، تمكنت إسرائيل بمساعدة السلطة الفلسطينية من إدامة الاحتلال بأقل التكاليف، وظلت مستمرة في مصادرة المزيد من الأراضي وفي بناء المزيد من المستوطنات، أو توسيع القائم منها، وفي قهر واضطهاد الفلسطينيين والتنكيل بهم بكافة الوسائل والأشكال.

وبسبب ذلك تكبدت القضية الفلسطينية الخسائر تلو الخسائر على المستويين السياسي والدبلوماسي، وما زالت. فقد وجدنا كثيرا من البلدان التي كانت تؤيد الفلسطينيين وتتعاطف معهم تغتنم فرصة اعتراف منظمة التحرير بإسرائيل لكي تتخلى عن مواقفها السابقة وعن انتقادها، بل وتنديدها، بإسرائيل لما تمارسه من احتلال وما ترتكبه من جرائم بحق الفلسطينيين.

وراحت بعض تلك الدول، ومنها دول كبرى مثل الهند والصين، تطور علاقات التعاون التجاري والأمني والعسكري بينها وبين الكيان الصهيوني على حساب القضية الفلسطينية. وباتت مقولة "لا يمكننا أن نكون فلسطينيين أكثر من الفلسطينيين" حجة تتذرع بها كثير من الدول ليس فقط في أقاصي الأرض في آسيا وأفريقيا وأمريكا اللاتينية، بل وحتى في قلب العالم العربي، حيث راجت في بعض الأوساط مقولة "كيف يجرؤ الفلسطينيون على انتقاد الآخرين إذا سعوا إلى تطبيع علاقاتهم مع إسرائيل بينما ممثلهم الشرعي والوحيد يتعاون صبح مساء مع سلطات الاحتلال".

 كانت كثير من دول العالم في يوم من الأيام تساوي بين الصهيونية والعنصرية، وتعتبرها حركة استعمارية استيطانية قبيحة، والذي شجعها على ذلك هو النضال والثبات الفلسطيني الذي أثار الإعجاب وأخذ بالألباب، إذ كان يُنظر إليه على أنه نضال ضد دولة عنصرية سافرة، تبرر عنصريتها باسم الدين، مكررة بذلك تجربة الاستعمار الأوروبي البغيض. وظلت إسرائيل لعقود متتابعة تقارن في كثير من الأوساط بنظام الأبارتيد (الفصل العنصري) البائد في جنوب أفريقيا. ومع أن إسرائيل بالفعل لا تقل قبحاً عنه إلا أنها نجحت حيث أخفقت جنوب أفريقيا في زمن الأبارتيد. لقد نجحت إسرائيل في خلق كيان متواطئ معها من داخل الشعب الذي تحتله وتقهره ليشاركها في ترسيخ أقدام الاحتلال وإدامة القهر.

واليوم إذ تتوجه إسرائيل نحو مزيد من المصادرة والقهر عبر الضم فإنها تبني على ما حققته من نجاح.

يتمثل الفرق بين ما نحن فيه اليوم من وضع وما كان عليه الوضع قبل ثلاثين عاماً في وجود "السلطة الفلسطينية" التي تتركز مهمتها الأساسية في مساعدة الإسرائيليين على التحكم بالجماهير والسيطرة عليهم والحيلولة دون أن يشكلوا أي تهديد للاحتلال ومؤسساته ومستوطنيه.

لولا أوسلو، ولولا السلطة، لما تمكن نتنياهو اليوم من تحدي العالم كله بخطة للضم.